احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية

مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية

القسم الأول من قسمين

٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦بقلم كريم المحروس

بذل رواد الإصلاح جهودا جبارة لزرع الثقة في كيان المؤسسة التعليمية الدينية ، وذلك عبر ممارسة منهج التحقيق والبحث في المميزات الثقافية ونتاجها على مستوى بعث قوى الذات وحثها على بناء الأسس الإنسانية الحضارية وشحذ الذاكرة وحثها على تصور قوى البناء خلال مراحل الصراع التي نشبت أثناء مجيء التتار والمغول وما تبع ذلك من مخلفات الدمار والقتل ، واستطاع المجتمع المسلم على قلة إمكانياته المادية أن يدافع بما كان ثقة في رصيده الفكري الحضاري ليحقق في نهاية الأمر الالتفاف على المغول وضمهم إلى الإسلام .

وقد تميز المصلحون في عصرنا الحديث من خلال عقد مقارنات تاريخية بين حركة الاستعمار والتحول الإسلامي نحو الاستقلال ، وراحوا يبددون ما تباهت به أوروبا من فكر وتحول مدني تاريخي ، وابرزوا مكامن القوة في النص الديني ونتائجه الحضارية إذا ما تمسك المسلمون به وأخذوا بمبادئه في أوساطهم . فقوة أوروبا لم تكن كامنة في فكرها ومدنيتها ، وإنما كان الضعف وفقد الثقة في الذات جعل من بلاد المسلمين قطبا أدارت أوروبا عليه رحى مصالحها ومقاصدها الاستعمارية .

وتدارس بعض المصلحين المراحل التاريخية التي كانت سببا حقيقيا في ضعف المسلمين وتراجعهم منذ الانقلاب على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يغفلوا الأثر السلبي الكبير والخطير الذي ولدته حملات الصليبين على ثقافة الأمة وجمودها برغم فشل الصليبين في بناء ثقافة خاصة في الوسط الإسلامي بعد الرفض الإسلامي المطلق لهم ، فكانت حروبهم دينية وليس أبعد من ذلك . لكن حروب الأيوبيين وتعاقبهم على الحكم بالوراثة على طريقة الأمويين حتى مجيء عهد السلطنة العثمانية قد ولد رؤى إصلاحية جديدة حاكمت قوى الانقلاب الأول بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرجعت الفوضى اللاحقة كلها إلى هذا الانقلاب . ونهض المصلحون في عصرنا الحديث ليبدون رؤاهم بشكل أخص في الوضع العام ، فكانوا يرون أن من الأليق أن يقال: "أن ابتداء ضعف المسلمين كان من يوم ظهور الآراء الباطلة والعقائد النتشرية "الدهرية" في صورة الدين ، وسريان هذه السموم في نفوس أهل الدين الإسلامي ، وليس بخاف أن فئة ظهرت في الأيام الأخيرة ببعض البلاد الشرقية ، وأراقت دماء غزيرة ، وفتكت بأرواح عزيزة ، تحت اسم لا يبعد عن أسماء من تقدمها لمثل مشربها ، وإنما التقطت شيئا من نفايات ما ترك دهريو "الموت" وطبيعيو "كردكوه" وتعليمها نموذج تعليم أولئك الباطنيين . فعلينا أن ننظر ما يكون من آثار بدعها في الأمة التي ظهرت بها"1.

ووفدت في نهاية القرن التاسع عشر حزم كبيرة من الأفكار والثقافات حسبها الكثير من المسلمين لبا لحضارة وثقافة قادمة بديلة عن واقع الثقافة الإسلامية المتدهورة ، وهنا كمن هذا الخطر الذي كشفه مصلحو القرن التاسع عشر في وقت متأخر . وبهذا الإدراك كانت مهمتهم اللاحقة صعبة وشاقة للغاية ، لكن نبض التقاليد والعادات والأعراف الموروثة عن التاريخ الإسلامي ظل على انتظامه ونقائه وصفائه ، ما أعان المصلحين في أداء مهامهم الإصلاحية إلى جانب جهود المؤسسات التعليمية الدينية ودورها الأهم في المحافظة على النص الديني ومؤلفاته وتراثه وكل نتاج الجمع بين التراث الثقافي والعلمي للأجيال القديمة ، على الرغم من استمرار هذه المؤسسة التعليمية في تداول مناهج ووسائل الأقدمين .

وكانت وسيلة الغرب في بث تلك الحزم من الأفكار قد أنشبت أظفارها وثبتت بعض قواعدها لكونها ميزت نقاط الضعف الكبرى في المجتمع المسلم ، وكانت الثقافة الجامدة التي رسمتها وصاغتها وقائع النظام السياسي العثماني بعد تحولها إلى مجتمع حربي بعيد عن وقائع الأصالة والحداثة معا السبب الأساس في عزل المؤسسات التعليمية الدينية عن مجتمعها ومنعها من أداء أدوارها على الوجه الأكمل وإشغالها بمنافسات طائفية على وظائف السلطنة . وفوق كل ذلك شدت السلطنة المجتمعات الإسلامية من ورائها إلى الدعة والقبول بوقائع الأمور ، لكن المجتمعات ظلت على شيء من تمسكها واحترامها لمنابع العلم وكسبته واستمرت في رفدها للمؤسسات التعليمية الدينية بما كان يعوزها من مال وعنصر بشري ، فكان ذلك من أهم العوامل التي حافظت على شعلة النص الديني مضيئة في هذه المؤسسات المهمة التي انبثقت عن أنوارها أولى علامات النهضة العلمية الحديثة المنادية بمحاربة الجهل والجمود الفكري والضعف النفسي .

من هنا كانت وسيلة الغرب للنفوذ إلى العمق الجغرافي والفكري لبلاد المسلمين هي اختراق هذه المؤسسة التعليمية الدينية أو تحطيمها عبر نصب العداء لها وخلق البديل التعليمي المدني المنافس لها . "ولم يجدوا وسيلة أنجح في زرع بذور الفساد في النفوس ، من وسيلة التعليم ، أما بإنشاء المدارس تحت ستار نشر المعارف ، أو بالدخول في سلك المعلمين في مدارس غيرهم ، ليقرروا أصولهم في أذهان الأطفال ، وهم في طور السذاجة ، فتنتقش بها مداركهم بالتدرج . فمن أولئك الدهريين من همه بناء المدارس ، ودعوة الناس إليها"2.

وعندما نمت درجة بسيطة من الوعي بين أروقة المؤسسة التعليمية الدينية بحقيقة البدائل التعليمية ومناهجها المبنية على وسائل متمدنة ومتطورة ؛ كان الأثر السلبي على الثقة بين الفئات الاجتماعية الدينية قد امتد إلى قدرات الذات والشخصية الاعتبارية لهذه المؤسسة التعليمية ، وكان للسلطة و نفوذها دور كبير على عهد السلطان عبد الحميد الثاني في عزل المؤسسة التعليمية الدينية عن هذه الفئات الاجتماعية ، وأطلق السلطان عبد الحميد لرجال الدين الرسميين المتزمتين صلاحيات واسعة وقرب شيخ الإسلام وأعطاه صلاحية مفتي سلطاني يظهر من الفتوى ما يستبيح بها أعراض المسلمين في العراق ومصر وأقطار إسلامية أخرى . عندها أدرك المدركون ضرورة قيام تحول حقيقي في الفكر الديني قبل الشروع في دخول مرحلة الصراع السياسي . ويظهر أن هذه المرحلة كانت حرجة للغاية وتطلبت جهدا نوعيا متحضرا أيضا.

وظهرت ما بين الجزيرة العربية ومصر جهود إصلاحية اختلفت في الأهداف نتيجة للوضع الجغرافي والمذهبي وتباين الظروف ومستوى فرص الإطلاع على مضامين نهضة الغرب وتطوره العلمي . وكانت للرؤية الحديثة والمعاصرة للنص الديني ومصادره ودرجة الإحاطة بالتراث الاجتماعي والطائفي دور كبير في صوغ أذهان بعض رموز هذه الجهود الإصلاحية . فالحركة السلفية التي تزعمها محمد بن عبد الوهاب في السعودية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت منزوية عن المجريات العلمية لعالم الغرب ، وكانت عبارة عن رد فعل عنيف مناهض للغرب بلا إحاطة تامة بشؤونه وخصوصياته ، يضاف إلى ذلك أن هذه الحركة انغلقت تماما على عدد ملتقط خاص من النصوص الدينية بدعوى تخليص الدين من الشوائب التي علقت به . بينما كانت نهضة محمد علي باشا في مصر ومن خلفه بعض رجال الأزهر كالشيخ رفاعة الطهطاوي على خلاف مسيرة الحركة الوهابية السلفية . فقد تفاعلوا مع العطاء العلمي وحضارة الغرب ، ودخلوا في بعثات توزعت على بعض بلاد أوروبا ، لكنهم ظلوا على مستوى ثابت من رفض فكرة ومنهج الاستعمار وهم الذين خرجوا للتو من محنة الحملات الفرنسية على بلادهم . وقد تعرف محمد علي باشا على نهضة الغرب بينما كان محمد بن عبد الوهاب مغمورا في صحارى الجزيرة العربية ومنشدا إلى متون تحريضية طائفية لا أصالة فيها جرته إلى القول بالتجديد تأسيسا على مبدأ محاربة البدع على المنهج الطائفي لابن تيمية .

ومن خلال الآثار التي تركتها الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت اعتمد محمد علي باشا بعد صعوده سدة السلطة في مصر سنة (1805م) على دعائم نهضة إصلاحية مستفيدة من بعض نتائج الحملة الفرنسية على الصعيد الثقافي ؛ كانت خطواتها الأولى تقرير برنامج علمي مؤسس على النقل عن الغرب حيث شرعت مصر آنذاك في ترجمة الكثير من الكتب في مختلف العلوم والفنون إلى اللغة العربية ، ثم شرع محمد علي في إرسال بعثات شابة إلى أوروبا للدراسة ولنقل خبرات الغرب في مجالات الإدارة والتنظيم والعلوم تمهيدا لتطعيم الدولة بالكادر المتنور في المؤسسات التعليمية على وجه الخصوص . وكانت بعثته الأولى قد توجهت في عام (1826م) إلى فرنسا بزعامة الشيخ رفاعة الطهطاوي لمدة خمس سنوات ، ثم ولت البعثات وجهها صوب كل من ايطاليا في سنة (1809م( ثم انجلترا والنمسا ، وكان آخرها في سنة (1848م) . وبذلك كان الأزهر الشريف قريبا جدا من حركة الإصلاح وبمشاركة من الطهطاوي وأستاذه الشيخ حسن العطار .

ويقول الشيخ الإبراهيمي أحد مصلحي الجزائر مصورا حقيقة حركة الإصلاح وغاياتها: "إننا نقارن يومنا بأمسنا وطورا بطور ، فإن زدنا فجيلا بجيل وحالا بحال . فقد خلقنا كلنا بهذا الوطن فوجدنا علما لا نشك في أنه مأخوذ من علم كان قبله بصورته أو بما يقرب منها قوة أو ضعفا . ووجدنا علماء لا نشك في أنهم أخذوا عن علماء كانوا قبلهم مثلهم أو على مقربة منهم . لا نشك في هذا وإن كنا نعلم أن طريقة السلف في التزام السند العلمي واعتباره جزءا من العلم قد اندثر من أيام بجاية ، وأن الحال لم يزل على ذلك إلى أن هبت على هذا الوطن نفحة من نفحات الله في هذا العهد الأخير . فأصبح كتاب الله يدرس بكيفية حية مثمرة وعلى أساس أنها هداية عامة لجميع البشر ، وأنه حجة الله البالغة على خلقه في كل زمان وفي كل مكان ، وأصبحت سنة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) تدرس من أصولها الصحيحة ، وبين فيها وفي كتاب الله مقارنة الحكمة للحكم والدليل للمدلول والعلم للعمل , وأصبحت العربية تدرس بكيفية تؤدي إلى تحصيل الملكة القيمة والذوق الصحيح ، وأنتجت لنا هذه الدراسة شعراء نفاخر بهم ، وكتبا وخطباء ، وأصبح الشعر والكتابة والخطابة أدوات تقدم وسائل حياة لهذه الأمة . فإذا قارنا الآن فلنقارن حالنا قبل هذه النهضة بحالنا الآن ونحن في عنفوانها لنعلم أي مدى بلغنا والى أية مرتبة وصلنا ، وليكون ذلك حافزا لنا إلى التقدم ولنأنس بذلك كما يأنس المسافر حينما يقطع مرحلة من مراحل السفر"3.

من هنا لم تخل تلك التجارب الحديثة من وجود تحديات كبيرة ، إلا أنها استطاعت مجاوزتها للوصول إلى مستوى يؤهلها لصناعة تجاربها الكبيرة الخاصة التي مكنتها من الاستمرار في تطوير مناهج التعليم ووسائله وطرقه . وكان من بين تلك التحديات التي واجهت جهود الإصلاح في العصر الحديث وتركت آثارها على المؤسسة التعليمية الدينية: تحديات جرت في الوسط المجتمعي نفسه ، وتحديات كان سببها الاستعمار ونظامه التبعي ، وتحديات جرت في ذات المؤسسة التعليمية الدينية ونظامها التقليدي . وفي المقابل جاءت جهود الإصلاح متنوعة وبطرق مختلفة المنهج والأسلوب في إطار هدف سامي غايته إخراج الأمة من تخلفها ومواجهة الاستعمار وأنظمته المتخلفة وإصلاح منابع العلم والفكر والثقافة ومؤسساتها .

ولو أرادنا عقد مقارنة بين موقف الداعين للمحافظة على منهج التعليم التقليدي القديم والعاملين على مبدأ الإصلاح والتجديد والتطوير في المناهج والمادة العلمية إضافة إلى أهداف ووظائف التعليم في المؤسسة التعليمية الدينية لوجدنا أن هناك تحولا كبيرا جدا . فالمحافظون أصبحوا بأقل حدة في مواقفهم من سابق عهدهم في الضد من دعاة الإصلاح والتجديد والتطوير .

وربما أصبح أمر الإصلاح والتطوير والتجديد أمرا واقعا لا مفر منه في ظل التحديات التي ولدتها وسائل الاتصال وانفتاح المؤسسة التعليمية الدينية على مختلف الثقافات العالمية إضافة إلى الابتلاء السياسي الذي أوجب على المؤسسة التعليمية إعادة النظر فيه وفي مسألة المشاركة في العمل السياسي معارضة أو نظاما . لكن جهود الإصلاح والتجديد لم تستطع استغلال هذه الفرص وذلك لقلة الإمكانيات المادية وعدم توافر الكادر العلمي القادر على صناعة البدائل التعليمية الجديدة.

من هنا جاءت بعض محاولات الإصلاح والتجديد متصلة بالمعطى العلمي القديم من جهة محتوى المادة وأساليبها إلا في بعض صور منهجها وتنظيمها لكون المجدد أو المصلح يرى نفسه بحاجة إلى مؤسسة تعينه في مشروعه الإصلاحي التجديدي ، وهذا مما لم يكن متوافرا . لذلك جاءت مثل هذه الجهود فردية اتخذت لها صبغة مست الهيكل العام للمادة ذاتها وأساليب عرضها وكأن التجديد والإصلاح قد اتخذ منحى رفع التعقيد اللفظي في المؤلفات القديمة وإخراجه عن دائرة الإيجاز في العبارة مع اختصار بعض المباحث والتوسع في أخرى والتدرج في عرض بعض المباحث وفق نسق علمي آخذ في الاعتبار ذهنية الطالب ومدى استيعابه للمادة وقواعدها .

وقررت في ذلك عدة مؤلفات في مواد الأصول الفلسفية وعلم الكلام واللغة ، كان من بينها: كتابا (أصول الفقه) و(المنطق) للشيخ محمد رضا المظفر ، وكتاب (دروس في علم أصول الفقه) للسيد محمد باقر الصدر ، وكتابا (بداية الحكمة) و(نهاية الحكمة) للسيد الطباطبائي ، وكتب (شرح المنظومة) و(الأصول) و(القول السديد) وسلسلة مؤلفة من عشرة كتب سميت بالـ (المقدمات) كل كتاب منها في مادة معينة للمرجع السيد محمد الشيرازي ، وكتاب (الاشتقاق) للسيد حسن الشيرازي ، وكتاب (الموجز في المنطق) للمرجع السيد صادق الشيرازي ، وكتابا (العرفان الإسلامي) و(المنطق الإسلامي) للمرجع السيد محمد تقي المدرسي ، و(الأصول العامة للفقه المقارن) للسيد محمد تقي الحكيم ، بالإضافة إلى عدد من مؤلفات الشيخ د . عبد الهادي الفضلي.

وإلى جانب نظام الدراسة ومنهجه القديم أدخلت المؤسسة التعليمية في قم المقدسة ولبنان نظام التدرج في الفصول والتخصصات التي يتبعها نظام الامتحانات لتقدير مستوى الطالب بشهادات علمية تعطى له وتعادل بشهادات بعض الجامعات العلمية المدنية . بينما لم تدخل المؤسسة التعليمية العريقة كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة هذا المضمار حتى نهاية القرن الماضي ، وذلك بعد توقف هذه المؤسسة عن عطائها العلمي بشكله المستقر على مدى خمسة وثلاثين عاما تسلم خلالها حزب البعث مقاليد السلطة في العراق ، لكن بعض المؤسسات التعليمية على المستوى الجامعي والحوزوي أنشئت في سوريا والكويت وقم المقدسة وبريطانيا وبعض دول أفريقيا والهند على يد خريجي النجف وكربلاء وشكلت امتداد للمؤسسة التعليمية في النجف وكربلاء واتخذت طابعا تجديديا وإصلاحيا في مناهج الدراسات الدينية ، واعتمدت نظام الامتحانات والتدرج التعليمي إلى جانب النظام التقليدي الحر بشكليه المنفتح والمحافظ . بينما بقيت مدارس دينية في بلاد أخرى كالبحرين والمنطقة الشرقية في السعودية على نمطها التقليدي الجامد بانتظار عودة المؤسسة التعليمية الأم في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة إلى مجدهما التعليمي .

المصادر


1-الثائر الإسلامي جمال الدين الأفغاني . ص 165-167
2- المصدر السابق .ص171
3- المصدر السابق . ص180


مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية
(2-5) القدسية والأنسنة في مناهج الدراسات الدينية

الأستاذ كريم المحروس

قسمت المادة المتداولة في المؤسسة التعليمية الدينية إلى صنفين من العلوم كان لها أثر كبير في وعي المسلمين وتوسيع مداركهم الإنسانية الوجدانية في مراحل نمو دور مدارس المؤسسة التعليمية الدينية ، "صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه"1.

فالعلوم النقلية هي علوم موروثة مصدرها الوحي الإلهي وتتداول في المؤسسة التعليمية الدينية كمادة أساسية ، وتضم أهم مصدرين تشريعين هما: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، ويتعلق بشؤونهما حمل الرواية ودراستها وتدوينها وتصحيحها أو تجريحها سندا ودلالة إلى جانب التفسير والاجتهاد لاستنباط أحكام الفقه والشرح والعرض في السير . وتصور بأنها "العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول "2.

وقد حظيت هذه العلوم بالنصيب الأساسي الأكبر في مناهج التدريس في المؤسسة التعليمية الدينية بشكل موسع بعد عهد التشريع الذي انتهى عند أتباع اتجاه الخلافة بوفاة الرسول الأكرم )صلى الله عليه وآله وسلم( حيث بدأ شعور يسري بوجوب كتابة القران والسنة وجمعهما على منهج الخلفاء ، ومن ثم دراسة أحكامهما والاجتهاد فيهما . بينما أقفل عهد التشريع بصورة مختلفة عند اتجاه التشيع بعد شهادة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري )عليه السلام( ، وبداية عهد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري )عليه السلام( .

وفي ذلك كتبت الكثير من مؤلفات التفسير والحديث وبمستويات متفاوتة من حيث وثاقتها وعمقها فيما عرف بعد ذلك بعلم التعديل والتجريح في السند والدلالة ، ونجم عن ذلك مسيرة علمية طويلة عمادها التحقيق والبحث والدراسة في هذه المؤلفات وتأسيس علوم الفقه والأصول والتفسير والسيرة والحديث والرجال . واتخذ التحقيق والدراسة والنقل في هذا المضمار طرقا في بدايات نشوء المؤسسة التعليمية الدينية لازال بعضها دارجا في منهج الدراسات الدينية . "ويحسن أن نشير إلى طرق التحميل إيضاحا لبعض أنواع التعليم في تلك الحضارة الواسعة . لقد فاز علماء الحديث ثمانية طرق . وهي السماع والعرض والإجازة والمناولة والمكاتبة والأعلام والوصية والوجادة . وغدت هذه الطرق تشمل فضلا عن الحديث تحمل أكثر العلوم النقلية كالفقه وأصول الفقه والتفسير . فالسماع أن يقرأ الشيخ الحديث من حفظه أو من كتاب ، والحضور يسمعون لفظه سواء كان للإملاء أم لغيره .. والعرض هو عرض القراءة ، وذلك أن المريد يعرض على العالم ما يقرؤه ، إما من حفظه وإما من كتاب مقابل مصحح... فالسماع من لفظ العالم ، والقراءة بلفظ الطالب المتحمل أو غيره بحضرة العالم . وإما الإجازة فهي أدق من ذلك . وهي إذن العالم لشخص أو أكثر برواية بعض مروياته أو كتبه لفظا وكتابة . والإجازة أنواع . وأعلى أشكالها أن يحمل العالم كتابا من كتبه ويقول للطالب ، وقد عرف إتقانه : أجيز لك روايتها عني . وهذه إجازة معيّن وهو الشيخ لمعين وهو الطالب في معين وهو الكتاب أو الكتب"3.

وعلى ذلك ، غلبت كثرة المؤلفات الفقهية في مناهج الدراسات الدينية وذلك للحاجة ولضرورة الاستفادة منها في معرفة الأحكام الشرعية المستخلصة من النص الشرعي ، بينما صنفت علوم أخرى كمادة مكملة ومساهمة في تطوير هذا العلم . ويعد الفقه أكثرها تميزا ، وهو "علم إسلامي خالص ، حيث لم يؤثر أنه تأثر بتجارب علمية سابقة ، أو أعمال تقدمته "4، لكونه جاء في إطار علوم شريعة جديدة لم تكن معروفة في الجزيرة العربية ، ونما وتطور تبعا للحاجة اليومية للناس واستعمالاتهم للنعم وتسخيرها في جميع مجالات حياتهم .

وأسفر عن تطور علم الفقه ومؤلفاته علم أصول الفقه الذي جمع القواعد الفقهية مع تفاوت في المرحلة الزمنية التي ولد فيها هذا العلم تبعا لفترة انتهاء عهد التشريع عند عالمي اتجاه التشيع واتجاه الخلافة . ويعتبر هذا العلم علما منبثقا عن علم الفقه ، وهو "من أهم العلوم الشرعية التي وضعها العلماء المسلمون دون أن يتأثروا بتجارب مماثلة سابقة ، ودون أن يحذوا حذو محاولات متقدمة . وهو علم إسلامي خالص أيضا كما الفقه ، لأنه نشأ من بين النصوص الفقهية"5 ، وهو ما يشير إلى الذهنية الإسلامية المتطورة في كشف القواعد وجمعها ضمن علم عقلي نقلي أسس جديدا .
ربما كان علم الفقه أكثر العلوم تطورا وأكثرها تأثيرا في حياة المجتمع ، وفاق بذلك بقية المواد النقلية كالتفسير الذي جمدت علومه في المؤسسة التعليمية على تاريخ جمع القرآن ورجال ومراحل تدوينه وعلى الحساب الرياضي في مضمون القرآن ومنهجه في العرض وعلى القراءات السبع والبسملات وعلى قصص وظروف الوحي ونزول الآيات وعلى الهوية المكية والمدنية وعلى الناسخ والمنسوخ وعلى اللغة والآداب وما أشبه ، أي أن تفسير القرآن اتجه إلى موضوعات ذاتية متعلقة بما بين دفتي القرآن بعيدا عن الواقع الإنساني ووعيه الشامل لنظم الفكر والسلوك ، على خلاف وظيفة القرآن التي عرفته ككتاب حياة .

وإذا ما رصدنا حركة التطور في الفقه في المؤسسة التعليمية الدينية نجد أن علم الفقه كان متحركا بشكل واسع في مجالات العبادات حتى أنه غار في مجالات محتملة متصورة في المستقبل ، بينما كان هناك شبه توقف في مجالات المعاملات كالقروض والمضاربة والشراكة والمزارعة والوكالة والهبات والحجر والرهن الأطعمة والأشربة وعقود الدول وما أشبه ، وكانت جل معاملات الدولة تجرى بشكل منفصل عن المؤسسة التعليمية بلا أي تأثير متبادل ، وكانت القوانين الدولية في شأن المعاملات هي الحاكمة حتى بدء عهد النهضة حيث وضعت نظريات ومؤلفات إسلامية جديدة في الاقتصاد والسياسية والاجتماعي ونظم الدولة ومنشئها ، فاعتمدت المؤسسة التعليمية بعض هذه المؤلفات كمادة دراسية مضافة للمنهج.

وعلى ذلك أيضا جرى في شأن علوم الحديث والسيرة ، حيث تطور علم الحديث والرجال ونمت أساليب الوثاقة والجرح والتعديل ، لكن الأسس الأولى المفترض إتباعها في ذلك كانت محل خلاف ، خصوصا في مسألة تنزيه وتعديل الصحابة أو تجريحهم ، كما أن مسألة دلالة الأحاديث أيضا ظلت خاضعة لقيود كانت بحاجة إلى إصلاح وتطوير لأن الدلالات الخاطئة التي توصلت إليها بعض الجهات الدينية المتزمتة والمتطرفة كانت سببا مباشر في التناحر بين المذاهب والاتجاهات الدينية.

وإما في مسألة السيرة النبوية فقد كادت أن تفقد أثرها في الحياة اليومية للناس ، بل أن هناك من المختصين من ظل يجهل أكثر ما في السيرة أو حقائقها . وإما كتبها وكتابتها فهي بحاجة إلى تحقيق وإصلاح وتجديد وتنقية من كل ما علق بها من باطل دول بني أمية ودولة بني العباس ومن كان على هداهم . فهذان العلمان (الحديث والسيرة) هما من أكثر العلوم الدينية التي لعبت فيها أيدي الوضع والاختلاق ، وبحاجة إلى دور مؤسسي يخضعهما لنظر ووعي يحدد بموجبهما رؤى جديدة للمسلمين مميزة للعلم والمعرفة حق تمييز.

وأما العلوم العقلية فهي تشتمل على مادة العقائد أو ما يعرف بأصول الدين إضافة إلى أصول الفقه والحكمة والفلسفة والمنطق والإلهيات ، وأضافت إليها بعض المدارس الدينية مواد التصوف والتصوف الفلسفي ، والرياضيات كالهندسة والحساب والفلك ، بالإضافة إلى الطبيعيات كالكيمياء والفيزياء والحيوان والطب، والإنسانيات كالتاريخ والجغرافيا والاجتماع والنفس واللغة وآدابها . وفصلت بعض المدارس بعض العلوم العقلية كأصول الفقه وأصول الدين والفلسفة والتصوف مثلا ووضعتها في خانة العلوم الجامعة بين (النقلية والعقلية) . وتوصف العلوم العقلية بأنها "هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر"6.

وقد استفاد المسلمون من العلوم العقلية الوافدة عن الحضارات الأخرى عن طريق الترجمة من اليونانية بواسطة السريانية والفارسية إلى العربية بعد محاولاتهم الحثيثة للإطلاع على علوم تلك الحضارات "على أن دراسة العلوم الفلسفية والمنطق والكلام قسمة مألوفة في منهج المسلمين التعليمي والتربوي منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري ، ولقد تأكدت هذه القسمة في القرن الثاني ، وخاصة بعد ترجمة العلوم الفلسفية في عصر المأمون (170-218م ، 786-833م)"7.

ولم يكن إطلاع المسلمين على العلوم العقلية إطلاعا جامدا دون معالجة أو تمحيص وإمعان نظر وتحقيق ، ذلك أن بعض تلك العلوم وخاصة الأوروبية منها كانت جامدة على منهج أرسطو في الاستنباط القائم على استخراج النتائج من المقدمات والتزام الحدود والرسوم في التعريف والقياس والاستنباط والتمثيل في الاستدلال . "وقد عدل فيه المناطقة المسلمون ، فالتزموا في التعريف ما سموه بـ (شرح الاسم) ، وابتعدوا عن الأخذ بالحد والرسم ، وعللوا هذا بعدم وجود فصول لحقائق الأشياء يمكن الوصول إليها ومعرفتها . كما أضافوا إلى مادة الاستقراء في كثير من مؤلفات المنطق الحديثة ، الطرق الخمس التي وضعها (جون ستيورات مل) ، والتي تسمى (طرق الاستقراء) و (قوانين الاستقراء) ، وموضوعات أخرى رأوا من اللازم إضافتها .

ومنذ أن ترجم هذا المنطق من اليونانية إلى العربية عن طريق السريانية والفارسية ، كان ولازال هو المنهج المعتمد في الدراسات الإسلامية ، وبخاصة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام وأصول الفقه . ومد رواقه أيضا على الدراسات اللغوية العربية فاعتمد إلى حد بعيد في علم النحو وعلوم البلاغة . وهو المنهج المعتمد حاليا في الدرس الفلسفي والدرس الكلامي والدرس الأصولي في الحوزات العلمية (مركز الدراسات الدينية) عند الشيعة الإمامية ، وكذلك في الحوزات العلمية السنية في مثل أفغانستان وباكستان وهندستان واليمن ومصر ودول المغرب العربي"8. وأن هناك الكثير من رجال العلم القدماء من المسلمين انبهروا بالفلسفة اليونانية كالكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم ، وراح بعضهم إلى النظر في العلوم الإسلامية النقلية ونصوصها بعين فلسفية ومقولات فكرية يونانية صرفة ، فأنتجوا نظريات في مجالات الاجتماع اعتمادا على ألفاظ ومفاهيم فلسفية يونانية . وأرجع بعض المحققين علوم المسلمين في المجال النقلي إلى أسس ومناهج يونانية فلسفية ليؤكد على تأييد مذهبه الفلسفي أو الصوفي ، بينما ذهبت أكثر التحقيقات والدراسات إلى نقض هذا المذهب ودعت إلى تجريد العلوم النقلية والعقلية الإسلامية من أي اثر يوناني فكري فلسفي أو صوفي. وهناك من المحققين من اعترف بالالتقاط الفلسفي عن اليونان ولكنه استحسنه واستعمله في بناء قاعدته الفكرية الفلسفية.
وقد ظهر من خلال الحياة العلمية في المؤسسة التعليمية الدينية عند اتجاهي الخلافة والتشيع ، أن بعض العلوم العقلية قد تداخلت في العلوم النقلية وفرضت نتاج العقل على النقل أو العكس كما هو الحال في أصول الفقه ، كما تداخلت بعض العلوم في بعضها كما هو الحال في أصول الدين والتصوف والفلسفة والحكمة . ولذلك تشكلت في المؤسسة التعليمية الدينية مخاطر على العلوم الأصيلة وعلى فكر وسلوك ووجدان المنتسبين إليها ، خصوصا في مجال مبحث التوحيد . فنشأت عن ذلك فرق دينية لها عقائدها وفلسفاتها وتصوفها ، ولها نزعاتها وتصوراتها الخاصة في تنزيه الإله بين التجسيم والتشبيه والاتحاد والحلول والوحدة الوجودية ، ما أدى إلى الكثير من النزاعات والمشكلات التي استنزفت الطاقات البشرية والاقتصادية والاجتماعية في تطرف سلفي غريب الأطوار أو تطرف فكري مثير للشكوك .

والى جانب ذلك ، أسس متبنو بعض العلوم النقلية والعقلية طرقا كثيرة مفصلة في كيفية تحمل وتلقي تلك العلوم . فمنذ القرن الثاني للهجرة ألفت الكثير من الكتب المهمة الكاشفة عن علاقة الطالب بالأستاذ في حال الاستعداد لتلقي مثل هذه العلوم ، وسميت بالآداب ، وكان من بينها: كتاب (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد) لزين الدين بن علي العاملي الملقب بالشهيد الثاني (966هـ ) ، وكتاب (الدر النضيد في آداب المفيد والمستفيد) لبدر الدين الغزي (984هـ) ، وكتاب (آداب المتعلمين) لنصير الدين الطوسي (672هـ) ، وكتاب (آداب المعلمين) لمحمد بن سحنون (256هـ) ، وكتاب (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم أو المتعلم) لبدر الدين ابن جماعة الكناني (733هـ) .

وقد فصلت هذه المؤلفات الشيء الكثير والمنظم في كيفية سير الحياة العلمية في المؤسسة التعليمية الدينية وتقاليد النظر والتحقيق والبحث والاجتهاد فضلا عن كيفية الاستفادة من الأستاذ ، وأخلاق الكسب العلمي ، وطرق التعاطي مع المادة العلمية ، وأحوال حلقات الدراسة وطقوس حضورها ، وفن التدريس والدراسة والاستعداد لهما.

وربما كانت أكثر الكتب المتخصصة دقة وتفصيلا في شأن العلاقة المتبادلة بين الطالب ومدرسيه ، هو كتاب (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد) حيث أولى الشهيد الثاني رعاية واهتماما للعلاقة بين الأستاذ والطالب وما يتصل بينهما من اشتراك في كيفية تداول المادة وكسبها والبحث فيها . ففي آداب الأستاذ قسم الكتاب الآداب إلى آداب تخص الأستاذ ذاته ، وآداب علاقته مع طلابه ، وآداب تخص حلقة الدرس . وإما آداب الطالب فهي مقسمة كذلك إلى آدابه مع نفسه وآدابه مع أستاذه وآدابه مع حلقة الدرس . وأما الآداب التي يشترك فيها الطالب مع المدرس فهي: الإخلاص وبذل الجهد في كسب العلم وتعليمه ، والأخلاق المتبادلة ، واحترام مادة العلم ، والاستمرار في التعلم والتعليم ودوام العمل بالعلم ، وتجنب الجدال والمراء وغيره .

ولم يغفل علماء المؤسسة التعليمية الدينية التفاصيل الدقيقة في مجال حفظ العلم وتقييده في الذهن ، وفنون الكتابة والتأليف وطرقهما حتى انتشرت مصطلحات مميزة ومصنفة للمؤلفات ، كمصطلح (المبسوط) و(الإملاء) و(المختصر) و(الحاشية) و(الشرح) و(التعليق) و(الفهرست) و(الكليات) و(المبادئ) و(المعاجم) و(المقباس) و(الوجيزة) و(التنقيح) و(المنظومة) وغيرها.

وقد تراجعت العلوم العقلية كثيرا خلال حكم السلطنة العثمانية تحت ضغط قيود الكثير من دوائر المؤسسة الدينية الخاضعة لهيمنة شيوخ السلطنة الرسميين الذين حرّموا أو منعوا أكثر العلوم العقلية جريا على منهج الشيخ الغزالي الصوفي الذي ناهض الفلسفة على وجه التحديد . وقد ظلت المؤسسة التعليمية الدينية على اتجاه التشيع محافظة على استقلالها في رعاية بعض العلوم العقلية وتجنب الاستجابة لتحولات السلطنة العثمانية في شأن أدائها التعليمي ، على عكس الكثير من مؤسسات اتجاه الخلافة "ودون أن نقلل من اهتمام إخوتنا ونحن نعترف بأنهم ظلوا الممثلين لاهتمام التيار العقلاني الإسلامي بهذه الدراسات"9 .

وقد حاول شيخ السلطنة العثمانية أبو الهدى الصيادي ( 1849-1909م) النيل من اتجاه التشيع وصوره اتجاها دينيا يتعاطى مع بعض العلوم العقلية إلى جانب علومه النقلية السائدة في مؤسسته التعليمية ، فاصطنع العقبات والموانع أمام مسيرة السيد جمال الأفغاني وتصدى له وقاومه بحجة تشيعه وتعاطيه العلوم العقلية . فقد كانت دراسة الأفغاني للعلوم العقلية في كل من العراق والهند على غير منهج السلطنة العثمانية التي كانت تميل إلى فكر التصوف ، أحد أسباب بلوغه هذه المرتبة ، وبذلك استطاع أن يتحرر من قيود المنهج العثماني التقليدي الجامد " فلقد كان طرازا من الرجال لا يمكن فهمهم حق الفهم إلا إذا نحن تخيلنا الصورة التي يمكن أن يكون عليها مفكر عبقري عملاق جمع في عقله ما بين الحكمة الفلسفية والإيمان - على طريقة الفلاسفة - بجوهريات الإسلام وحقائقه الأولية ، في صورتها النقية المبرأة من الخرافات والإضافات "10

- تحديات المنهج ورموزه

استمرت المؤسسة التعليمية الدينية في التدريس وفق المنهج التقليدي المتقيد بالعرض والشرح التفصيلي الممل لمختصرات المادة وفك عباراتها وألفاظها ومصطلحاتها ومحاكمة مضامينها ومقاصدها اللغوية . ولكن هذا الأسلوب التعليمي القديم لا يخلو من بعض الإيجابيات من نحو: "غزارة المادة العلمية والتعمق في قضاياها ، فيأتي المدرس فيدرس الموضوع فينزل في أعماق الأرض ويرتفع إلى عنان السماء في كل شيء ، لماذا وكيف والأبعاد المتعلقة به والجوانب والاحتمالات ، فيحاول أن يعطي غزارة وعمق أكثر مما يقتضيه الموضوع نفسه ، ومعرفة الجذور والأغصان كلها بشجرة العلم "11.

ومع مثل هذه الأساليب التقليدية القديمة كان على المدرس أن يتميز بحصيلة علمية واسعة جدا تمكنه من إدراك ومعرفة العلوم المختلفة كالفقه والتفسير والدراية والحديث والمنطق والحكمة وعلوم اللغة والرياضيات والطبيعيات والإنسانيات وغيرها من العلوم النقلية والعقلية ، ما يؤكد على أهمية دور الذاكرة والحفظ ، ويزيد من حصيلة الطالب والمدرس العلمية ويرفع من قدرتهما معا على " تبين مواطن الضعف في المادة العلمية ... ومعالجتها من خلال منهج : إن قلت: قلت ، وان قلت: قلت"12.

وهنا مثال واحد على طريقة التدريس كانت متبعة في حوزات العراق إلى عهد قريب: "فإذا أراد الأستاذ أن يثبت كروية الأرض تساءل: هي كروية أو مسطحة ؟ . ثم يقول: ذهب العلماء القدماء إلى أنها مسطحة ، وقال الجدد: إنها كروية ، واستدلوا بأن الإنسان إذا سار من نقطة معينة وواصل السير في خط مستقيم ينتهي إلى المكان الذي ابتدأ منه ، ثم يعقب الأستاذ - من عنده - بأن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأرض كروية لسبب من الأسباب كما هي سني التطور .

ويجيب – من عنده - بأن كروية الأرض لا تحتاج إلى الاستدلال بعد أن اثبت العلم أن الأصل في كل جرم أن يوجد أول ما يوجد كروية الشكل ، وليس من شك أن الأرض جرم فهي إذن كروية ، ومن قال بهذا لا يطالب بالبينة لأن قوله موافق للأصل ، على أن الوجدان يؤيد هذا ويعززه ، وعليه فالقول المعاكس لا يبتنى على أساس . وهكذا تدرس جميع القضايا والمسائل"13.

فهذا الأسلوب التعليمي الذي تميزت به المؤسسة التعليمية في العراق له الكثير من المحاسن أتي على رأسها فن التوسع والتمكن من العديد من المعارف المختلفة ، وفن الحوار والنقاش والجدل . وعلى ذلك يتخرج الطالب مدعم بالمادة المناسبة المحيطة بأبعاد علمية متنوعة ، فيزيد من ثقة الطالب بنفسه وبعلومه المختلفة ويساهم مساهمة كبيرة في نمو الذكاء والحنكة أمام حجج الآخرين وآرائهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم واعتراضاتهم ، كما يساهم في نمو مقدرة الطالب على دراسة العلوم الأخرى غير المقررة في المؤسسة التعليمية والتمكن منها والاستفادة منها ونقدها في حال خلافها مع المعتقد والفكر الأصيل ، فتتبلور شخصيته وينمو حسه الاستقرائي البحثي في حال اختلاطه بنظرائه وزملائه وببيئته العلمية وبعامة الناس .

والى جانب كل ذلك ، هناك ميزات أخرى مهمة في منهج التعليم القديم أتى في مقدمتها: الارتباط بالقيم الروحية ووثوق العلاقة بين الطالب والأستاذ ، وبقاء الأبواب مفتوحة للطالب لاكتساب ما يمكنه من التعليم وفقا لما يملك من ذهنية علمية وبعد زمني "فلا يوجد فاشل في ميدان التعليم الديني ، لأنه يتيح مجالا لكل القدرات . فإذا حفظت القرآن واكتفيت بذلك يمكنك أن تفيد الناس شيئا ، وإذا حفظت شيئا من علوم الفقه فيمكنك أن تنفع الناس في هذه الحدود ، وإذا تعمقت في الحديث والأصول فيمكنك أن تعطي شيئا أكثر وهكذا" 14

ومع بروز هذه النقاط الإيجابية التي تصب في صالح المنهج القديم وفي فن التدريس موضوعا وأسلوبا ؛ إلا أن هنالك الكثير من نقاط الضعف الأساسية تسجل على تلك المناهج والأساليب التعليمية لا يمكن لها أن تجعل من التعليم القديم منسجما ومتسقا مع الظروف الحالية والمتقدمة علميا وإنسانيا ، كما أنها لا تستطيع أن تخرج للمجتمع إنسانا قادرا على الانسجام مع فئات المجتمع المختلفة والتفاعل مع تحولاته السريعة جدا في مجالات التنمية وتقنية الاتصال والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والثقافية العظمى إلا بمبادرات فردية. ولو أردنا أن نمثل للوضع السائد فإننا سنجد أن هناك مسافة واسعة تفصلنا عن عالم اليوم في الشأن التعليمي تشابه إلى حد ما المسافة والزمن الفاصلة بين أوضاع عالمنا الإسلامي على عهد السلطنة وأوضاع أوروبا بعد تطور نهضتها . فيوم توقف المسلمون اكتسحتهم مناهج الغرب .

وعلى الرغم من بقاء المنهج التعليمي القديم قادرا على أداء رسالته من حيث البناء الروحي والوجداني للطالب وزيادة ثقته في علمه ومؤسسته التي ينتمي إليها؛ إلا أن الدور الذي يمكّن الطالب من تأدية وظيفته في حال تخرجه هو دور محدود ومقصور على الجانب الروحي الوجداني بجانب أثر ليس بالريادي في مجال الضرورات الحياتية والتحديات التي تعترض مسيرة المجتمع الناتجة عن المدنية سريعة التغير والتحول في المجالات العلمية والتنمية التعليمية على وجه الخصوص.

وقد استطاعت مناهج الدراسات والتعليم في المؤسسة التعليمية الدينية حتى عهد تطورها إلى مستوى منهجي ومؤسسي مناسب أن تخرج العديد من العلماء والمراجع الكبار الذين ساهموا في تطوير المناهج الدينية ومؤسساتها ، سواء بالبحث والتحقيق أو إصدار مؤلفات متقدمة زادت في ثراء تراث المؤسسة التعليمية وألقت بظلالها على المادة العلمية ومناهج الدراسات وأوصلت المؤسسة التعليمية الدينية بالأوضاع الاجتماعية ورفعت من درجة تفاعلها نسبيا . كما ساهمت في الحفاظ على تراث أهل البيت (عليهم السلام) وتزويده بعوامل البقاء، ولكن ذلك جاء في صور فردية. وكان من بين أشهر هؤلاء العلماء الكبار الذين برزوا في هذا المضمار من بعد نشوء وتطور المؤسسة التعليمية الدينية على يد الشيخ الطوسي في النجف الأشرف كل من : أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (602- 676هـ) المشهور بـ (المحقق الحليّّ) ، وله مؤلفات مميزة منها: كتاب (شرائع الإسلام) وكتاب (المختصر النافع) . ونصير الدين محمد بن الحسن الطوسي المتوفى في سنة (672هـ) المشهور بـ (المحقق الطوسي) وله كتابه الشهير (تجريد الاعتقاد) في علم الكلام . والحسن بن يوسف بن علي المطهّر المتوفى في سنة (726هـ) المشهور بـ ( العلامّة الحليّّ) وله (تذكرة الفقهاء) مؤلف من عشرين مجلداً ، وله أيضا (قواعد الأحكام) . وابن العلاّمة الحلّي المشهور بـ (فخر المحققين) المتوفى في سنة (771هـ) وله كتاب (إيضاح الفوائد في شرح إشكالات الفوائد) المؤلف من أربع مجلدات . وأبو عبد الله محمد بن مكي العاملي المشهور بـ (الشهيد الأول) المستشهد في سنة (786هـ) وله (اللمعة الدمشقية) و(القواعد والفوائد) . وجمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن فهد الحليّّّ المشهور بـ (ابن فهد الحليّّ) المتوفى في سنة (841هـ) وله (المهذَب البارع في شرح المختصر النافع) المؤلف من خمسة مجلدات . والشيخ علي بن الحسين الكركي المشهور بـ (المحقق الثاني) المتوفى في سنة (941 هـ) وله (جامع المقاصد في شرح القواعد) المؤلف من ثلاثة عشر جزء . وزين الدين بن علي الجبعي العاملي المشهور بـ (الشهيد الثاني) المستشهد في سنة (966هـ) وله (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) و(مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام) المؤلف من خمسة عشر مجلداً . والمولى أحمد بن محمّد الشهير بـ (المقدّس الأردبيلي) والمتوفى في سنة (993هـ) وله (مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان) المؤلف من أربعة عشر مجلداً . ومحمد محسن الشهير بـ (الفيض الكاشاني) المتوفى في سنة (1091هـ) وله (الوافي والصافي ومفاتيح الشرايع) . ومحمد بن الحسن المشهور بـ (الحر العاملي) المتوفى في سنة (1104هـ) وله (وسائل الشيعة) المؤلف من ثلاثين مجلداً . والمولى محمد باقر بن المولى محمد تقي المجلسي المشهور بـ (العلامّة المجلسي) المتوفى في سنة (1111هـ) وله (بحار الأنوار الجامعة لدرر الأخبار) المؤلف من مائة مجلد . والشيخ يوسف البحراني المشهور بـ (البحراني) المتوفى في سنة (1186هـ) وله (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) المؤلف من خمسة وعشرين مجلداً . والمحقق السيد علي الطباطبائي الشهير بـ (مير سيد علي) والمتوفى في سنة (1213هـ) وله (رياض المسائل) . والسيد محمد جواد الحسيني العاملي المتوفى في سنة (1226هـ) وله (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة في بيان الأحكام بالدلائل) المؤلف من عشرين مجلداً . والمولى أحمد بن المولى محمد مهدي النراقي المشهور بـ (النراقي) المتوفى في سنة (1244هـ) وله (مستند الشيعة في أحكام الشريعة) المؤلف من تسعة عشر مجلداً . وجعفر بن خضر بن يحيى المشهور بـ (كاشف الغطاء) المتوفى في سنة (1228هـ) وله (كشف الغطاء) . ومحمد حسن النجفي المتوفى في سنة (1266هـ) وله (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) المؤلف من ثلاثة وأربعين مجلداً . ومرتضى بن محمد أمين المشهور بـ (الشيخ الأعظم) المتوفى في سنة (1281هـ) وله (المكاسب وفرائد الأصول) . والسيد محمد حسن الشيرازي المشهور بـ (المجدد) وصاحب انتفاضة التنباك المتوفى في (1312هـ) وله (تحريرات في الأصول) و(تحريرات في الفقه) و(رسالة في الرضاع) و(رسالة في اجتماع الأمر والنهي) . والميرزا محمد تقي الشيرازي المشهور بـ (قائد ثورة العشرين) المتوفى في سنة ( 1338هـ) وله (حاشية المكاسب المحرمة) و(مباحث الأصول) (حاشية كتاب البيع) . والميرزا حسين النوري الطبرسي المشهور بـ (النوري الطبرسي) المتوفى في سنة (1320هـ) وله (مستدرك وسائل الشيعة) . والشيخ محمد كاظم الخراساني المشهور بـ (الآخوند الخراساني) المتوفى في سنة (1329هـ) وله (كفاية الأصول) . والسيد محمد كاظم اليزدي المتوفي في سنة (1337هـ) وله (العروة الوثقى) و(حاشية المكاسب) و(كتاب التعادل والترجيح) . والسيد أبو الحسن الأصفهاني المتوفي في سنة (1365هـ) . والسيد محسن الطباطبائي الحكيم المتوفى في سنة (1390هـ) وله (مستمسك العروة الوثقى) المؤلف من أربعة عشر مجلداً . والشيخ محمد رضا المظفر المتوفى في سنة (1963م) وله (علم أصول الفقه) و(علم المنطق) . والسيد أبو القاسم الخوئي المتوفى في سنة (1413هـ) وله (بحوث في شرح العروة الوثقى) و(معجم رجال الحديث) و(البيان في تفسير القرآن) . والسيد محمد باقر الصدر وله (دروس في علم الأصول) و(فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقية للاستقراء) . والسيد محمد الحسيني الشيرازي المتوفى في سنة (1422هـ/2000م) وله أكبر موسوعة فقهية في العالم الشيعي مؤلفة من 160 مجلدا ، ويعد أكبر مؤلف في العالم وله 1500 كتابا قيما في أصول الدين وأصول الفقه وفي مجالات مختلفة . والسيد محمد تقي الحكيم المتوفى في سنة (1423 هـ) عميد كلية الفقه (1965- 1970م) له (الأصول العامة للفقه المقارن) و (مناهج البحث في التاريخ).

إن هناك شبه إجماع في المؤسسة التعليمية الدينية على أن نتاج منهجها الراهن بحاجة إلى انطلاقة كبيرة وحديثة على طريق تخريج مستويات علمية رفيعة مؤهلة لسد حاجات الأمة الإسلامية في مثل هذا العصر المعقد في ثقافته وعلومه واقتصاده وسياسته وتطوره العلمي والتكنولوجي . وربما كان المنهج التقليدي القديم قادرا على إنتاج مراجع وفقهاء ومؤلفين ومدرسين يسدون حاجات المؤسسة التعليمية الدينية ذاتها في مجالات المنهج التعليمي وبعض الحاجات المتعلقة بشؤون الشريعة ومادتها ؛ لكن هذا التوسع الكبير في الحياة العلمية والحضارية وحاجة المجتمع المسلم إلى قيادات ورموز مرجعية وفقهية تدير كل شؤون حياته في هذا البحر المتلاطم من الثقافات والأفكار والمناهج المتطورة المخالفة أو المناهضة للدين أو المتقدمة جدا على كل ما هو متاح من فكر إسلامي؛ يتطلب المئات وليس العشرات من المراجع والفقهاء الذين يحملون في ذواتهم مؤهلات زعامة الأمة على مختلف الصعد إلى جانب إدارة دفة الحواضر العلمية الفقهية .

وقد مثلت الثغرة التعليمية أو ما عرف بقضية الفصل بين التعليم الديني والمدني انفصاما حقيقيا في العقل الإسلامي ، والى جانبها برزت نظريات حديثة ومتطورة في مناهج التاريخ واللغة والحضارة والميتافيزيقا ونظرية المعرفة (الابتستمولوجيا) وما يعرف بالأنسنة في وقت انشغلت فيه المؤسسة التعليمية الدينية بشكل رئيسي بعلوم أخرى متعلقة بمفاهيم التأصيل وباللغة خاصة وبجدل الثابت والمتغير ، وبمقولات عدت خليطا ومزيجا بين فلسفات نشأت على عهد سقراط وأفلاطون وأرسطو كمقولات ابن سينا والمشائين والسهروردي والاشراقيين وملا صدرا ، مع إعراض عن الاستجابة للتحولات المستجدة في المحيط الاجتماعي والثقافي والعلمي الحضاري .

وإذا ما شاءت المؤسسات التعليمية الدينية المنشغلة بجدل تلك المقولات العزم على الإصلاح والتجديد فإنها ستظل رهينة بأصول تلك الفلسفات ومفاهيمها ونظرياتها بلا نتاج لها حينئذ إلا استقراء شكليا مباينا للصورية الاستنباطية ومغلفا بها في نفس الوقت ، ثم تتحول مادة الفلسفة في المؤسسة التعليمية الدينية إلى جدل العلة والمعلول ثم تتكشف في النهاية مظاهر السقوط في وحل ديانة وحدة الوجود والموجود ، وربما يعاد التحقيق في وحدة الوجود بعد تعاظم أخطائها القاتلة ليخلص النظر إلى مبنى ما يعرف اليوم بـ (السلطنة والهيمنة) في الخالقية.

ولكون منهج المؤسسة التعليمية لا يملك ضوابط التوجيه في علاقته مع المحيط التعليمي ومتطلباته العصرية ؛ فإن معايير التعاطي السليم والمثمر مع المحيط الخارجي بتفاعلاته تظل غائبة أيضا . وقد تتفاعل المؤسسة التعليمية مع هذا المحيط بشكل حر فتصيب في تشخيص موضوع الفقه مثلا وقد تخطئ في مجال التعاطي مع نتاج العلوم الإنسانية والطبيعية والرياضية . لذلك تتبنى بعض مدارس المؤسسة التعليمية اتجاهات ومباني مختلفة قد تصل في علاقاتها البينية إلى حد النزاع ونبذ الآخر ، كما هو الحال في منهج التعاطي مع فصول الفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) أو حتى مبدأ الاجتهاد ذاته ومفاهيمه وأصوله وقواعده ، فذلك من الدواعي الضرورية لتغيير المنهج وقواعد المؤسسة ونظم علاقتها الداخلية وعلاقاتها بالمجتمع وبحواضرها العلمية وبنظرياتها الاجتماعية لكي تتحاشى اضطرار منتسبي هذه المؤسسة إلى الاقتباس والالتقاط على مبدأ التعويض أمام الإحساس بالعجز والنقص المنهجي أو العلمي أو الثقافي .

ومع توافر بعض الجهود المسئولة التي راحت تهذب في المادة المتداولة وتصوغها صياغة علمية منهجية مناسبة لسد حاجات المؤسسة التعليمية الدينية ؛ إلا أن حركتها مازالت بطيئة جدا وتنحصر أغلبيتها في علوم الآلة وبعض مواد مرحلة المقدمات فقط ، ولم تمس جوهر بعض المواد التي ظلت محلا للجدل الطويل في المؤسسة التعليمية الدينية كالفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمنطق والتاريخ والسيرة وما أشبه ، ولم تضف مواد جديدة أخرى إلى المنهج التعليمي أو تميز مضامينها على منهج شك المتخصصين من رواد المؤسسة التعليمية القديمة الذين يعتقدون بأن المنهج التقليدي القديم مازال يتسم بالتقدمية والتميز على أية مناهج جديدة أخرى ، وأن محاولات الإصلاح والتجديد المستمرة في المنهج تفتقد الاستقرار والثبات فضلا عن الكفاءة .

وربما يكون الإصلاح والتجديد في مراحل متقدمة من الدراسة في المؤسسة التعليمية على صعيد المنهج مقبولا لأن الطالب عندها يكون مؤهلا لمرحلة الاستدلال التي تتطلب ذهنا بحثيا منقبا ، كما أن الطالب في هذه المرحلة قادر على تقييم المنهج ، وقادر على متابعة أثر أية نظرية جديدة تنبثق عن اجتياز الطالب لمراحله الأولى والثانية وكشف صوابها أو خطئها , وربما يكون الفقيه في هذه المرحلة أيضا منفتحا على أشكال وألوان من النظريات والثقافات التي تجول في الساحة الإسلامية فيتعرف من خلالها بسهولة على أي معطى جديد ، "لذا نجد مثل نظرية (الاستجابة الشرطية) للعالم الروسي (بافلوف) قد دخلت في مجال اللغة أيضا واستخدمها بعض العلماء في مسألة (الوضع) ، وهي بصدد الإجابة عن سؤال يتعلق بتفسير العلاقة (التلازم ، السببية ، الاندماج) بين الألفاظ والمعاني ، إذ أن اختيار الإنسان لفظا محددا لمعنى معين لا يفسر التلازم بينهما ، وقد ذكرت نظريات متعددة كالتعهد والمناسبة الاعتبارية والقرن الأكيد ، وهذه الأخيرة اعتمدت على نظرية (الاستجابة الشرطية) حيث أن هناك حالة استجابة شرطية ما بين سماع كلمة والانتقال إلى معنى تلك الكلمة من خلال التكرار ، ولذلك يتعلم الناس اللفات من خلال التكرار . وهذه استفادة جيدة ونموذج لتداخل العلوم "15.

المصادر


1- مقدمة ابن خلدون . ص435
2 - المصدر السابق . ص435
3 - مجلة الجامعة الإسلامية . ع1 . 1994 ص47-48 .
4 - د.عبد الهادي الفضلي . أصول البحث . ص96
5 - المصدر السابق . ص71
6 - مقدمة ابن خلدون . ص435
7 - د محمد عمارة.جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام . ص 24.
8 - أصول البحث . ص 53-54
9 -جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام . محمد عمارة .ص25
10 - المصدر السابق ص268
11 - مقابلة . الامين العام للجامعة الاسلامية د.السيد محمد علي الشهرستاني
12 - مجلة الجامعة الإسلامية . ع1 كانون الثاني 1994م . ص226-227 .
13 - مع علماء النجف الأشرف . محمد جواد مغنية .ص197
14 - مجلة الجامعة الإسلامية . ع1 كانون الثاني 1994 . ص226-227 .
15 - مجلة (البصائر) الفصلية.العدد (32).

• باحث وكاتب بحريني - (الرأي الاخر للدراسات- لندن)
K_almhroos@hotmail.com

مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية
(3-5) تبعات مناهج التجديد الفلسفي في الحوزات الدينية

لم تستقر المؤسسة التعليمية على حال واحدة ، وشهدت تنقلات كثيرة منذ نشوء أول مدارسها في المدينة المنورة مرورا بالكوفة وقم والري وبغداد ثم النجف الأشرف وحلب والحلة والشام ثم عودتها مرة أخرى إلى سامراء والنجف ثم انتقالها إلى كربلاء وأصفهان ومن ثم أخير عودتها إلى النجف وقم المقدسة وكربلاء المقدسة حتى مجيء نظام حزب البعث الذي أوقف الحياة التعليمية في النجف وكربلاء لتزدهر في قم المقدسة مع تغير النظام السياسي في إيران وتشتت المرجعية الدينية في كربلاء والنجف . كل ذلك جرى بفعل عدد من الظروف السياسية و الاجتماعية والاقتصادية الموضوعية والعلمية والثقافية الموضوعية والذاتية التي تركت آثارا ايجابية وسلبية على الحياة التعليمية في هذه الحواضر العلمية..

لقد كان الشكل المؤسسي التاريخي للجهة التعليمية في العراق قد تبلور على عهد الشيخ الطوسي في النجف الأشرف في عام (448هـ) ، وتبعه نشوء عدد من المدارس الكبرى والصغرى في بلاد إسلامية مختلفة . واثر تقلبات أحداث ثورة العشرين التي قادتها المؤسسة التعليمية في العراق وانخرطت فيها بكل إمكانياتها العلمية ونفوذها البشري الاجتماعي أبعد عدد من رجال الدين من النجف الأشرف إلى إيران ، وكان من بينهم الشيخ عبد الكريم الحائري الذي طور المؤسسة التعليمية في قم المقدسة وتبعه على منهجه في التجديد التطوير السيد البروجردي حتى مجيئ عهد تطور العلوم العقلية على يد السيد محمد حسين الطباطبائي في مطلع الخمسينات من القرن الماضي ، فصعد نجم قم المقدسة ونمت فيها ظاهرة الجدل والنقد إلى جانب موجة الرفض المطلق لبعض العلوم العقلية بشكل مثير معاصر لدخول قم المقدسة في مرحلة الصراع السياسي الكبير في عهد الشاه محمد رضا بهلوي في عام (1963م) . فكان من بين أساليب الشاه في الشأن الثقافي رعاية طباعة كتب البحث العقلي المؤلفة في قم المقدسة بقصد تغليب هذا البعد المخالف لمنهج المرجعية الدينية العليا المتمثلة في السيد البروجردي ذي النفوذ الواسع جدا بين فئات الشعب الإيراني المناهضة لسياسات الشاه . فحظيت مؤلفات السيد الطباطبائي بالنصيب الأكبر من نفقات الطباعة الرسمية للدولة ، وتقدم الشاه في بجائزة مالية للشيخ المطهري على ما قدمه من مادة فلسفية شارحة لكتاب (أصول الفلسفة الواقعية) لمؤلفه السيد الطباطبائي الذي ناصف الشيخ المطهري جائزته هذه .

ويعد كتاب (أصول الفلسفة الواقعية) كتابا عصريا في الفلسفة أنجز الطباطبائي تأليفه خضوعا عند طلب بعض مقربيه ، فصدر في عدة مجلدات تخطى مشروع الطباعة أحد أجزائها الأولى لما كان يضمه هذا الجزء من عبارات فلسفية لا تتسق ومنهج البروجردي زعيم المؤسسة التعليمية المناهض للفلسفة والعرفان والرافض لمنهجهما الذي شرع في محاولاته الأولى لغزو مقررات الدراسة الدينية . وقد حدث أن رفض السيد البروجردي قبول هوامش وتعليقات الطباطبائي على كتاب (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي وحرم حلقات دروسه . ما يشير إلى مقاصد الشاه الإيراني ومنافعه في سيادة البيئة الفلسفية والعرفانية في الحوزة على حساب العلوم النقلية التي درجت المدرسة التعليمية الدينية على تنميتها والتوسع في مناهجها اصر البروجردي على سيادتها.

ومع تطور مشروع قم المقدسة في العلوم الفلسفية بعد وفاة زعيمها ومرجعها الأعلى البروجردي ، ظهر تميزها جليا عن بقية مدارس المؤسسة التعليمية الدينية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة اللتان أشرفتا على الجمود والتوقف في مشروعهما التعليمي بعد اتساع هيمنة النظام السياسي وتسلطه وتدخله في الحياة التعليمية اليومية وتقويضه للكثير من مظاهرها الدراسية . وكان للعلوم الفلسفية قبيل توقف الحياة التعليمية نصيب غير وافر في كربلاء والنجف ، إذ كانت تدرس بشكل محدود جدا في مرحلة المقدمات . وبعد ظهور بوادر الإصلاح والتجديد في المناهج انتقلت هذه العلوم إلى مرحلة السطوح في وقت متأخر تأثرا بمسار منهج قم المقدسة ، إلا أن المؤسسة التعليمية في قم المقدسة أولت اهتماما واسعا للعرفان النظري (التصوف الفلسفي) إلى جانب بعض مدارس مدينة أصفهان جريا على منهجي ابن سينا في الفلسفة ومنهج صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) في التصوف الفلسفي ، وتداولت في ذلك مؤلفات ابن سينا ، وملا صدرا ، ومحي الدين بن عربي التي دمجت بين التصوف والفلسفة في شكل صريح ، حتى رُجح منهج ملا صدرا وابن عربي في بعض مدارس قم المعروفة بتصوفها الفلسفي ومناهضتها لمنهج ابن سينا الفلسفي الذي حطت من قدره وأرجعته إلى تخلف مدارس أصفهان الفلسفية!.

وظهر تميز بعض رجال الدين الكبار في المؤسسة التعليمية في قم المقدسة بعد ذلك وبان تفوقهم في العلوم العقلية على منهج ملا صدرا ومحي الدين ابن عربي على خلاف مدرسة ابن سينا الفلسفية في أصفهان ، حتى عد هذا التميز منهجا إصلاحيا وتجديديا في بعض مدارس المؤسسة التعليمية وساد في قواعد أساسية لتنمية التفكير والوجدان والتغلب على أخطاء الفلسفة وتعقيدها اللفظي واللغوي ولتصحيح منهج التدريس في مواد مختلفة أتي على مقدمتها مادة أصول العقيدة والأصول الفقهية والتفسير والمنطق واللغة ، فعشق طلاب وأساتذة هذه المدارس هذا المنهج واستخرجوا لهم فيه الأتباع الكثيرين ودافعوا عنه بكل ما أوتوا من معارف فلسفية مكتسبة وأحوال وجدانية مدعاة.

يقول أحد المتعاطين مع هذا المنهج والمتتلمذين على السيد الطباطبائي: "أجد انشدادا قويا إلى العرفان ، أنا من عشاق المذهب الطاوي ، وأهوى "جوانغ تزو" للغاية . قضينا دورة بأستاذية العلامة الطباطبائي ، وكان يبدي رغبة أكيدة في الإطلاع على كتاباتهم ، ولأنها لم تكن مترجمة ؛ عكفنا على ترجمتها . كان يفسر "شانكارا" كأنه أستاذ بالضبط ، ويتركنا في حيرة من الأمر . فمثلا في أحد "الأوبانشادات" عبارة تنطوي على مفارقة (الذي يفهم لا يفهم ، والذي لا يفهم يفهم) وقد فسّر الطباطبائي هذه العبارة ، وأجلى غشاوتها ، وحلل مضمونها ، بنحو أدهشني . بعد ذلك ترجمنا كتيبا صغيرا من تأليف "لاوتسه" ، اسمه "داود جينغ" كله مفارقات . نقلناه من النص الإنجليزي إلى الفارسية . وحينما قرأه العلامة الطباطبائي قال: «هذه أهم رسالة قرأتها في عمري» وصار من عشاق «داود جينغ»"1 .

لقد تصور البعض من مناهضي التجديد والإصلاح في المؤسسة التعليمية الدينية ومناهجها أن هناك خشية من طغيان شعور عام بفساد مناهج الدراسات الدينية ومؤلفاتها وأساليبها بشكل مطلق ، كما هو الحال بالنسبة لمرحلة دخول المؤسسة التعليمية إلى مبدأ وخاصية الاجتهاد والاعتقاد المفرط فيه بغلبة العقل على النص مطلقا إلى حد مشابه لمآل النص والعقل عند اتجاه الخلافة ، وعلى ذلك تزداد الخشية من ميل المؤسسة التعليمية بكل كيانها التعليمي العريق إلى مدرسة عقلية صرفة لا مكان فيها للنص إلا بمقدار خضوعه للعقل وقواعده المنطقية . من هنا نشأت الخشية أيضا من تميز المؤسسة التعليمية في قم المقدسة في العلوم العقلية على نظيرتيها في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف ، إذا ما أخذ بعين الاعتبار التجربة العلمية التاريخية التي جعلت من مؤسستي التعليم في كربلاء والنجف يتناقضان ويتضاربان في تأويل مفهومي مبدأ الاجتهاد ودور العقل والنص والعلاقة بينهما على وجه الخصوص .

فالنجف الأشرف في تلك المرحلة المهمة والحساسة كانت تعد القاعدة الأساسية التي ناهضت المؤسسة التعليمية للمحدثين (الأخبارية) في كربلاء المقدسة التي رأسها المحدث الأسترابادي في منتصف القرن الثاني عشر ، وتميزت برفضها المطلق لمبدأ الاجتهاد وأدواته إضافة إلى مختلف العلوم العقلية كالفلسفة وموصلاتها وكل ما كان يعتقد أنها قائمة على المفاهيم الفلسفية أو خلاصة لها كالتصوف وأصول الفقه والعرفان والمنطق حتى وضعت هذه المفاهيم والعلوم في خانة المؤثرات العكسية السلبية للتوافق مع اتجاهي الخلافة ومدارس اليونان المسيحية . لكن المؤسسة التعليمية في النجف هذه ألزمت نفسها بمنهج تطوير الفقه وأصوله وهدفت وضع مبدأ الاجتهاد أساسا للحركة العلمية الشيعية ، وعالجت بحججها مؤسسة المحدثين التعليمية في كربلاء فاستطاعت بقيادة الوحيد البهبهاني على عهد المحدث الشيخ يوسف البحراني المتوفى في سنة (1186هـ) أن تحد من منهج المحدثين الأخبارية وتعيد الكثير من منتسبيها في كربلاء المقدسة إلى الإيمان والأخذ بمبدأ الاجتهاد بمفهومه الصحيح ذي الأسانيد والأدلة السليمة لا بمفهومه عند اتجاه الخلافة القائم على الأخذ بالرأي والعقل المباشر . وعلى ذلك أٌخذ العقل بفاعلية كبيرة كرابع مصدر من مصادر التشريع في مقابل الجمود على النص عند كربلاء ، ما أوحى للمؤسسة التعليمية في قم المقدسة لأن تنمو بلا ضوابط وموانع في مجالات العلوم العقلية في عصرنا الحديث بعد انخراط رجال الدين في مراحل متقدمة من التعلم إلى جانب خريجي العلوم العقلية في جامعات التعليم المدني استجابة لما سمي بالمشروع السياسي الثقافي الموحد المناهض لنظام الشاه رضا بهلوي تحت رعاية قيادة مدمجة تتعاطى التصوف الفلسفي ، فكانت هذه الاستجابة تعزيزا علميا للمشروع الانتقالي من الفلسفة المجردة إلى التصوف الفلسفي المدمج القائم على الوجدان من بعد تخطي الدور المرحلي للعقل ، فاتحد التعليم الديني الحوزوي والمدني الجامعي في التعاطي مع المادة الفلسفية الصوفية خلال العشرين عاما المنصرمة ، وتكاثرت في ذلك المؤلفات في هذا الشأن ، وطبعت كتب عرفانية إيرانية زاد عمرها على الخمسين عاما لم يجرأ مؤلفوها على طباعتها على عهد المرجع الأعلى السيد البروجردي ، واحتفظوا بها مخطوطات طوال هذه المدة.

كل ذلك ساهم في التأثير المباشر للعلوم العقلية الإنسانية والطبيعية والرياضية على مادة المؤسسة التعليمية في قم المقدسة ، فطغت الاهتمامات الفلسفية والوجدانية التصوفية وشاعت بين مدارس علمية كانت أكثر جرأة على توجيه سهام النقد لمناهج ومواد هذه المؤسسة التعليمية الأساسية كالفقه وعلم الكلام والأصول وغيرها ، فنتج عن ذلك هم علمي يدعو إلى ما يسمى اليوم بـ(فلسفة الفقه) و(فلسفة العقيدة) و(فلسفة التاريخ) و(فلسفة النص) و(فلسفة الحضارة) وما أشبه ، مثلما كان يدعو هذا الهم من قبل إلى إعادة النظر في علوم الآلة المستخدمة في المؤسسة التعليمية الدينية كاللغة العربية وآدابها على قول بأن اللغة الآرامية واليونانية لم تصنعا حضارة أوروبا حتى تنازعتهما اللغات القومية المحلية ، في ظاهرة قومية واضحة داعية إلى نبذ اللغة العربية وعزلها عن منهج الدراسات الدينية وإحلال اللغة الفارسية ولهجاتها المحلية محلها.

وقد طال جدل الإصلاح والتجديد في مناهج العلوم النقلية التاريخية والمقارنة وكذلك بقية العلوم العقلية وعلاقتها بالحياة اليومية ، حتى تمظهرت كل مناهج علوم المؤسسة التعليمية الدينية عند هذا الاتجاه العقلي الجديد بمظهر الضعف والهزال وقلة الفائدة وعدم القدرة على إيصال المتعلمين من رجال الدين إلى الأهداف التي يمكنها من تكريس توازن بين مقاصد الدين ومقاصد الدنيا في دولة إسلامية لها نظامها الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي الخاص ولها كادرها العلمي المناسب والمستجيب لمتطلبات تحدي الصرع الدولي وتطوراته التقنية.

لقد حدثت مقدمات هذا المنشأ العلمي العقلي الوجداني بعدما كانت المؤسسة التعليمية في النجف الأشرف متمسكة بالفقه والأصول الفقهية وبقية العلوم الشرعية التقليدية أساسا منهجيا برغم كون مدينة النجف الأشرف القاعدة المتقدمة ورأس الحربة في مشروع معالجة الحركة الأخبارية في كربلاء المقدسة في مرحلة متقدمة ، إضافة إلى إطلاعها الواسع ومعرفتها التامة بالتحولات الجديدة في مدارس قم المقدسة بحكم الانتقال القسري لبعض رموز المنهج العقلي والتصوف الفلسفي القمي الجديد إلى النجف الأشرف بعد حوادث الصراع مع شاه إيران .

من هنا ، لم تكن المؤسسة التعليمية في النجف بمنأى عن النقد في منهجها التعليمي الذي تداخلت فيه بعض الألفاظ والمفاهيم والنظريات الفلسفية والعبارات الموجزة والمعقدة والأساليب القديمة في الدراسة والتدريس ، وذلك بعد اتصالها بالوافد الجديد عن مدارس قم العقلية ، حتى نادى بعض المنتسبين للدراسة والتدريس في النجف الأشرف بضرورة إعادة صياغة المناهج والمواد وتعديل الأساليب التعليمية على الرغم من شدة الاتجاه المحافظ الذي شكل امتدادا تاريخيا لقضايا صراع مبدأ الاجتهاد في مقابل المحدثين ، فتمسك هذا الاتجاه بالمنهج القديم إلى حد التشدد. ولم يكن أحد حينئذ يمتلك الجرأة على اقتراح التطوير أو التجديد فكيف بالإصلاح .

ويصف الشيخ المظفر الشعور بالخوف الذي كان يغلب مفكري الإصلاح التجديد في النجف الأشرف ، فهم " أشبه بجمعيات سرية أو مجالس تمهيدية في طريق الإصلاح... وهي على بساطتها تمثل لي – والكلام للشيخ المظفر- مقدار التكتم والخوف الذي كان يساورنا ، وكان عملنا وتفكيرنا مقتصرا على تفقد المفكرين من أصحابنا ، الذين يحسون بالداء مثلنا ، وبالرغم من مواصلة الجلسات والتفكير طيلة عام واحد ، لم نستطع أن نخرج صوتنا من غرفتنا إلا بعض الشيء"2.

وإما الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936 - 2001 م) الذي أمضى ثلاث وثلاثين سنة من عمره في تحصيل العلم على منهج المؤسسة التعليمية في العراق وأسس كلية إسلامية حديثة في لبنان متقدمة في المنهج والوسائل ، فإنه يصف الدراسة في النجف بأنها غير واقعية وفوضوية (إنه نظام لا يفشل فيه طالب ، ولا يرسب فيه طالب ، وأن جميع المنتسبين إليه يتخرجون علماء . هذا النظام لا يزال حتى كتابة هذه الكلمات على الحال التي كان عليها منذ مئات السنين ، فهو يقوم على لا نظام . إنه فوضى . ففيما عدا الكتب المقررة - بقوة التقليد ، وليس لأنها أصلح الكتب - لا يوجد أي نظام يحكم الحياة الدراسية على الإطلاق ، وإنما هي الفوضى الكاملة الشاملة ، وما أكثر «المشايخ» الذين يكتسبون صفتهم الدينية «والعلمية؟!» من عدد السنين التي قضوها في النجف دون أن يكتسبوا منها شيئا سوى بعض الحذلقة الكلامية . وكثيرا ما ينادى بأن هذا النظام «الدراسة الحرة!!» - وأحرى أن يسمى الدراسة السائبة ـ لـه فضيلة كبيرة ، هي إتاحة الفرصة أمام الطلبة للمناقشة والبحث . ولكن أي فضيلة هي هذه التي بسبب ما يدعى من المحافظة عليها تتسيب مؤسسة تدريسية بكاملها . إن هذه الفضيلة الإفلاطونية لا تساوي التضحية المبذولة من أجلها ، على أنه ليس ثمة ما يمنع أبدا من المحافظة على هذه الفضيلة مع الأخذ بأسباب النظام"3.

وربما كان تشدد المحافظين وتمسكهم بالقديم منهجا وزعامة ومرجعية سببا وجيها ، بعدما تطورت صور الإصلاح والتجديد إلى حد تبنيها الصريح للمنهج العقلي الوافد من قم المقدسة والقبول بسيادته وهيمنته على مؤسستهم التعليمية الدينية في النجف الأشرف في وقت اتسم فيه شعور النجفيين بالحساسية المفرطة والمرهفة باتجاه مدرستهم فزاد ذلك من تمسكهم بمنهجها وبزعامتها للحياة التعليمية في العالم الشيعي وصعّد من درجة رفضهم لمبدأ انتقال هذه الزعامة إلى بلد آخر والخضوع لمنهجه المباين لمنهجهم التعليمي العريق ، حتى أنهم ناهضوا فكرة انتقال رمزية المرجعية إلى كربلاء المقدسة في مرحلة تاريخية منصرمة ، وهي المدينة التي تبعد عن النجف مسافة لا تتجاوز الـ110 كيلومتر ، فكيف بتحول منهجي وزعامي إلى بلاد أخرى.

فكانت التكهنات كلها قد وضعت حدا لإمكانية انعكاس التطور المنهجي العقلي والوجداني القمي على الحياة التعليمية في النجف الأشرف ، فلم يأخذ المنهج الفلسفي ولا التصوف الفلسفي طريقهما سهلا يسيرا معبدا إلى النجف برغم صدور بعض المؤلفات في عصر متقدم في الفلسفة بأقلام شخصيات دينية معتبرة ، كـ (الفلسفة الإسلامية) للشيخ المظفر و(فلسفتنا) للسيد محمد باقر الصدر ، المتأثران بمناخ المنهج العقلي التعليمي في قم المقدسة الذي قاده في النجف الأشرف مدرس البحث الخارج الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني الغروي ، وبمؤلفات كل من الطباطبائي صاحب مؤلفات (أصول الفلسفة الواقعية) و (بداية الحكمة ونهاية الحكمة) و (تفسير الميزان) ، وبمحمد تقي الجعفري صاحب كتاب (شرح المثنوي) لجلال الدين الرومي .

وقد ظل التأثير المتبادل بين قم والنجف محدودا جدا حتى مرحلة نشوء "دار النشر" التي أسسها الشيخ المظفر التي شهدت بعض حلقات الدراسات الفلسفية والعرفانية في دوائر سرية مغلقة وشيئا من العلنية في بعض الأحيان . فقد كان السيد علي قاضي الطباطبائي خريج قم المقدسة يروج للعرفان في النجف بشكل سري في مرحلة مرجعية أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ) . وإما الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني الغروي مدرس العرفان فلم يعمر طويلا في حوزة النجف الأشرف ، فقد توفى في النجف في وقت مبكر وتفرق تلامذته إلى مدينة كربلاء ومشهد وقم ، بينما بقي الشيخ المظفر الذي تلقى دروسه في العرفان على الكمباني الغروي في مدة قصيرة لا تزيد على ثلاث سنوات تقريبا في النجف الأشرف وهي مدة غير كافية للتمكن من مادة العرفان بحسب رأي دارسيه .

لقد نشأ في العصر الحديث ما يسمى بـ (فلسفة الفقه) بعد تطور المنهج التعليمي العقلي في قم المقدسة وانفتاح أبواب هذه المؤسسة على التصوف الفلسفي درسا ومذهبا . وكان رواد هذه الفلسفة الحديثة من دعاة نقد مادة الفقه وإعادة النظر في كل مسلمات هذا العلم الإسلامي القديم بالإضافة إلى مباني الاجتهاد وأصول الفقه وقواعد علمي الرجال والحديث والسيرة انطلاقا من مبدأ (الشك) ووظائفه في معالجة ذات العلم وجذوره ومنهجه من بعد الانتهاء من معالجة مادتي أصول الدين ومصادر التشريع بصورة فلسفية خالصة بمعزل عن موضوعاتهما ، وتحديد ماهيتها وغاياتها وما إذا كانت هذه العلوم علوما وصفية أم معيارية .

وقد نشأ في قم أيضا ما يعرف اليوم بـمفهوم (علم الكلام الجديد) الذي دعا إلى معالجة الفلسفات الحديثة والقديمة لإثبات أصول الدين والشبهات الدينية الحديثة الواردة في عالم الحداثة والمعاصرة انطلاقا من قواعد منهجية فلسفية تعيد تأويل النص الديني وأسسه الفلسفية وفق معطيات علمية متقدمة بعد أن جمد علم الكلام على موروث قديم لم يعد صالحا للتداول . وتعد أطروحة (علم الكلام الجديد) هذه امتدادا علميا لأطروحة اتجاه السير أحمد خان التي نشأت وترعرعت في الهند ودعت إلى إصلاح مناهج الدراسات الدينية وفق منهج طبيعي علمي حاربه السيد جمال الدين الأفغاني ، وقد عبر عن منهج هذه الأطروحة شبلي النعماني رئيس (ندوة العلماء) واحد مفكري هذا الاتجاه الذي يعد الرجال الثاني في مراتب حركة أحمد خان الهندية ، وذلك من خلال كتابه (علم الكلام الجديد) الصادر في مطلع القرن العشرين .

إن مثل هذه التصورات الفلسفية الداعية إلى وجوب إعادة النظر في مناهج المؤسسة التعليمية الدينية في قم المقدسة جرت وأخذت طريقها للانتشار والسيادة بعد ان بعثت فكرة "التوفيق" من جديد ، وهي فكرة جمعت بين منهج "التصوف الفلسفي" المتبنى من قبل بعض كبار فقهاء المؤسسة التعليمية الدينية وبين منهج البحث والتحقيق في العلوم الإنسانية والطبيعية والرياضية القائم في الجامعات الإيرانية الذي تزعمه بعض المفكرين المعاصرين . فكانت خلاصة مبدأ التوفيق هذا بروز عدد من المفكرين الجدد الداعين إلى إعادة صياغة المؤسسة التعليمية الدينية ومناهجها وعلومها ووسائلها صياغة جديدة شاملة مكرسة للنزعة العقلية الخالصة ومناهجها في البحث التاريخي والواقعي العلمي ، فتحولت بعض مدارس المؤسسة التعليمية في قم المقدسة إلى هيئة ومنهج مختلف عن أكثرية مدارس المؤسسة التعليمية الشيعية ، وتميزت بتفسيرها المختلف للكثير من المناهج وفق هذا السير حتى عد منهج القدماء في علم الكلام في نظرها منهجا فلسفيا متصوفا ، كما فسرت مسار العلوم الأخرى على هذا النهج في مناخ تسوده مدارس "التصوف الفلسفي" على منهج محي الدين بن عربي وصدر الدين الشيرازي ، على النقيض من مناخ الفلسفة التي تبنتها مدارس أخرى كأصفهان المتبنية لابن سينا منهجا علميا حتى عدها رواد"التصوف الفلسفي" مدارس متخلفة ومتأخرة عن منهج العرفاء الجدد.

ويبدو أن منهج" التوفيق" قد بدأ ينقلب عند بعض مفكري المؤسسة التعليمية المدنية في جامعات إيران إلى مناهضة ونقد صريح لمناهج ملا صدرا الشيرازي المتأثر بشكل كبير جدا بالمتصوف ابن عربي والمتبني لنظريته في وحدة الموجود ، وهي نظرية ذهبت المذاهب النقدية فيها إلى بعد خطير كَفّرَ ابن ملا صدرا على أثره والده وطعن في فكرة وحدة الموجود الصادرة عنه.

لقد اتسع مشروع إخراج الدين عن أثره الاجتماعي القدسي الذي أطلق عليه في مفاهيم هؤلاء المفكرين الجدد مصطلح (النزعة الأيدلوجية المتعصبة) فدعوا إلى إعادة النظر في كل مناهج الدراسات الدينية وصياغتها من جديد في إطار منهج واقعي علمي مجرد عن مؤثرات التقديس ، كما هو الحال في منهج عبد الكريم سروش صاحب نظرية (القبض والبسط) القائمة على منهج الشك الذاتي عند الفيلسوف الألماني (عمانوئيل كانت) القائل (الشيء في ذاته وقعا بقياس العقل المحض) ، حيث اجتاح سروش بعض مدارس قم وكسب جيلا جديدا من المثقفين في الجامعات والمؤسسات التعليمية الدينية .

ويأتي فكر سروش الحديث ليشكل رجعة للدور الفلسفي المجرد عن التصوف ، فناهض مسار "التصوف الفلسفي" الذي اعتبره سروش تطرفا في الايدولوجيا على حساب مناهج الفلسفة وعلومها وفروعها وخروجا على المسار الفلسفي الخالص للعلوم المدنية المقررة في الجامعات الإيرانية ، ونقد نتاج العلاقة الجديدة التي نشأت بين علوم المؤسسة التعليمية المدنية ومثلتها الجامعات وبين تصوف المؤسسة التعليمية الدينية ومثلتها بعض مدارس حوزة قم المقدسة ، فدعا من جديد إلى أنسنة علوم المؤسسة التعليمية الدينية للاستجابة إلى نظم ومتطلبات وحاجات الدولة ومشروع بنائها إداريا وعلميا .

إن فكرة الأنسنة الجديدة الوافدة على المؤسسة التعليمية المدنية ترى في مبدأ الاجتهاد ممارسة فلسفية إنسانية صرفة غير مستقلة عقليا وخاضعة لتصرف الظروف المحيطة بالفقيه قبل أثر النص . وتؤكد فكرة الأنسنة أيضا على أن الفقيه المجتهد يرى الأحكام ومفاهيم النصوص في بلاد عيون المياه المفورة على غير رؤيته في البلاد الجدباء التي لا مياه ولا زراعة فيها ، فللمحيط والبيئة ورؤية الإنسان للحياة وقيمها ومعطياتها العلمية والحضارية تداخل كبير في عملية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها التفصيلية ، ما يجرد النص عن دلالته ومضمونه ومغزاه الحقيقي والواقعي . وترجع فكرة الأنسنة هذه إلى الواقع الخارجي على صعيد تحول النظام السياسي في إيران بعد الثورة إلى نظام إسلامي ؛ فكان ذلك من دواعي النظر إلى فكر الأنسنة كقاعدة أساسية لتأويل النصوص الدينية والأحكام والمناهج تأويلا واقعيا مجديا ومفيدا حتى تتحد رؤى المؤسسات التعليمية الدينية والمدنية ومخرجاتهما! .

إن التحول المؤسسي الذي اتخذ الطابع الحديث في النظام ساهم بشكل كبير في بلورة ونمو وتطور مثل هذا الاتجاه نحو الأنسنة ، حيث انتقلت حوزة قم المقدسة من مؤسسة تعليمية تعتمد المنهج القديم في الدراسة إلى مؤسسة تعليمية معتمدة على منهج موجه يراعي متطلبات خريجي الجامعات والمعاهد المدنية ، وكان لمؤسسات البحث والإعلام وتنقيح المؤلفات واستيرادها الحصة الكبرى من الرعاية والاهتمام . فقد وصل عدد مؤسسات البحث الكبرى إلى 185 مؤسسة ، ووصل عدد المجلات إلى 150 مجلة ، وإما مؤسسات التنقيح والاستيراد للمؤلفات فقد وصل عددها إلى 100 مؤسسة تقريبا ، كلها أقيمت لتغطي جهتين علميتين رئيسيتين كانتا مدار حاجة الدولة في قم المقدسة: السياسة ، والفلسفة والعرفان. إلى جانب ذلك أسست عدة جامعات وكليات في مدينتي قم ومشهد المقدستين إضافة إلى العاصمة طهران تبنت المنهج الجامع بين العلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة العرفان وبين العلوم الفقهية والأصولية وما تتطلبه هذه العلوم من علوم آلة أتت اللغة العربية في الدرجة الثانية بعد أن كانت اللغة الرئيسية في الدراسة . وكان من بين تلك المؤسسات التعليمية: الجامعة الرضوية ، وجامعة الشيخ المفيد ، وجامعة الشيخ المطهري ، وجامعة الإمام الصادق (عليه السلام) ، وجامعة السيد الخميني .

وصنفت مخرجات هذه الألوان من الكليات أو الجامعات من حيث المنهج والنظام على غير ما كانت تبدو عليه المؤسسات التعليمية الدينية التقليدية ، فليست تعتمد نظاما ومنهجا جامعيا حديثا في مدى الأثر الذي تتركه مخرجاتها والفائدة على صعيد البحث العلمي والتنموي ، فلا تشبه النظام والمنهج الحوزوي من حيث الصورة العامة للمؤسسة التعليمية الدينية التقليدية ، وتغلبها حقول مختلفة من العلوم الإنسانية المبسطة جدا استجابة لدواعي الاندماج بالعلوم الشرعية ، فلم تتشكل في مخرجاتها ثمرة علمية أو شرعية مشابهة لنتاج المؤسسة التقليدية ، كما أن النفس العرفاني الفلسفي الصوفي المستقى من نتاج فكر ابن عربي يعد الطابع العام الغالب في الكثير من مساقات العلوم الشرعية المدمجة بالعلوم الإنسانية الأخرى في هذه الجامعات .

ويقف المسار التعليمي في المؤسسة التعليمية في قم المقدسة منذ عشرين عاما أمام امتحان وتحدي صعب ، ومعقد ، وجدل وافد من بيئة العاصمة طهران على أيدي مفكرين دينيين متفلسفين وجامعيين شهروا سيوف الإصلاح والتجديد بطريقتهم ووجهوها إلى حيث كانت الحياة العلمية المنزوية والمنعزلة عن العالم الخارجي وثقافاته الحديثة ، واقتصروا في نتاجهم العلمي على نظريات إسلامية جديدة غير موفقة لمعالجة التحول السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي الجديد ، وتعاطوا معه نقدا أو إصلاحا أو تشييدا أو تجديدا بعد الثورة في إيران . فكان ذلك من العوامل الرئيسية في نشوء تكتلات علمية دعت إلى أنسنة الدين وفق فلسفة وجدل عقليين جديدين ، وطالبت بإعادة النظر في العلوم العقلية ومخرجاتها كالفلسفة والعرفان وعلم الكلام ، وتجديد فلسفة الدين وعلاقته بالمجتمع وعلاقة علوم المؤسسة التعليمية الدينية بالمحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي ، ومعالجة ذات النص الديني وقدسيته ومنهج التعاطي معه لإنتاج المسائل الفقهية والأصولية ، ومراجعة مسميات وتعريفات المواد التعليمية الحوزوية وفوائدها وموضوعاتها وعلاقاتها بالعلوم الأخرى الشرعية منها والإنسانية والطبيعية والرياضية ، فضلا عن مراجعة نشأة هذه العلوم وتاريخها وأثر الفكر الإنساني في ولادتها أو صناعتها أو صياغتها.

وكسب هذا الاتجاه الفلسفي الجديد تضامنا ثقافيا وإعلاميا كبيرا ساهم في تغطيته نشاط واسع لدور النشر التي تسابقت على طباعة ونشر نتاج هذا الاتجاه جماهيريا ومناولته نخبويا وترجمته إلى لغات أجنبية غير الفارسية ، فعالجت عناوين مثيرة كـ (فلسفة الفقه) و(فلسفة العلوم) و(فلسفة اللغة ودور الألسنيات) و(فلسفة الدين) و(اللاهوت الحديث) و(الأنسنة في اللاهوت الديني) و(وعي ولا وعي الفقيه) و(العقل الفقهي الجديد) و(الإيمان النقي من الموروث التاريخي) و(تجريد الوحي المقدس وتفكيك الموروث الديني) .

إن كل ذلك بات يشكل ضاغطا خطيرا على المسار العلمي في المؤسسة التعليمية الدينية باتجاهاته العلمية الجديدة والقديمة في منهجها ومادتها أو نظامها الجامعي الديني الحديث . ونجح هذا اللون من الاتجاه الإصلاحي في تأسيس كليات وجامعات دينية حديثة في مدن قم وطهران ومشهد ، وأصبح المصدر الأكثر تأثرا بالضغوط الجديدة الناشئة عن الرغبة العارمة السائدة بين رموزه المطالبة بالاستمرار على هذا المنهج وتطويره وممارسة فكرة الدمج المطلق مع الجامعات المدنية الرسمية عمليا .

فعبد الكريم سروش الذي يمثل اتجاه طهران في نظرية (القبض والبسط في الشريعة) وغيرها احتل مكانة علمية كبيرة بين طلاب المؤسسة التعليمية في قم المقدسة بعد أن انتقل إليها من طهران بمجالسه وحواراته وبحوثه ونشاطاته في (علم الكلام الجديد) المركب من نظريات فلسفية علمية ودينية مدمجة ، مثلما نقل إليها حواراته الخطرة في مباحث العلوم الدينية ومناهجها الدراسية حتى استطاع أن يحشر منتجه النظري الفلسفي وآراءه الفكرية والعلمية بين كلا الجهتين: المؤسسة التعليمية الدينية التقليدية والكليات والجامعات الدينية الحديثة . فهيمن بجدله على الكثير من المنتديات الثقافية وحلقات البحث والحوار الفكري .

المصادر


1 - انظر مجلة لغة العرب (بغداد) س2: ج10 . شباط 1913.
2 - محمد مهدي الآصفي . " مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها" . ص113
3 - الشيخ محمد مهدي شمس الدين . مواقف وتأملات في قضايا الفكر والسياسة . ص216

لقراءة القسم الثاني من النص


مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية

(4-5) انقلاب الكشف والشهود في منهج الدراسات الدينية

الأستاذ كريم المحروس

إن جدل الاتجاهات العقلية الموروثة في علم الكلام والفلسفة والعرفان ليس حديثا ، إنما احتل مكانا واسعا بين المسلمين في فترات تاريخية متقدمة ربما تسجل ولادتها الأولى كظاهرة مثيرة على عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ووصلت ذروتها في نهاية القرن الرابع الهجري ، وما لبثت هذه الاتجاهات العقلية أن طبعت آثارها على الكثير من الأشكال التعليمية ومناهجها حتى أصبحت محل ريبة وشك بعدما اجتاحت الكثير من علوم المسلمين وتقاسمتها وساهمت في جمودها حينا على منطق القياس الأرسطي المتشكل من مقدمتين ونتيجة ، وحينا آخر ساهمت في خروجها على الدليل العقلي لتألف من نتائجها بنيانا قائما على قواعد غير منظورة من الكشف والشهود على الطريقة الصوفية (الأكبرية) التي اتخذها محي الدين بن عربي مدرسة وأسس عليها كشفه وشهوده ليتجاوز بذلك المتقدم من علوم الكلام والفلسفة ونصوص الشريعة وأسس استنطاقها وتأويلها وليكتسب به مشروعا اندماجيا جامعا بين سائر الأديان على مبدأ (وحدة وجود) الذي يتلقى كشوفه وشهوده عن طريق الاتصال المباشر بمصدر الوحي والإلهام بلا واسطة وكأنه يؤكد اختصاصه بنبوة خارقة.

وربما كان نشوء علم الكلام واتساع رقعته نتيجة اختلاط المسلمين بأجناس وأعراق وثقافات وفلسفات أخرى باعثا كبيرا على فتح أبواب العلم والشريعة على العلوم العقلية والوجدانية التي كانت تجوب دوائر العلم التابعة للأديان الأخرى بحكم وظيفة هذا العلم التي انحصرت في بادئ الأمر في رد الشبهات واثبات عقائد المسلمين . ولأن ولادة هذه الوظيفة كانت بحاجة إلى منهج عقلي جدلي قادر على إلزام الخصم بما الزم به نفسه من براهين فلسفية عقلية حتى يصل في المنتهى إلى غايته ومقاصده الدفاعية ؛ كان على علماء الكلام اتخاذ نفس منهج الخصم ، فقلد المتكلمون منهج خصومهم الفلاسفة واستخدموا أسلحتهم ووسائلهم في الجدل لإثبات العقائد بالبراهين العقلية ، وتبنوا بعض الآراء والنظريات والمصطلحات الفلسفية الأجنبية المقبولة عقلا في إثبات حججهم ، فكان ذلك بداية ولوجهم في الطريقة العلمية الخاطئة ، الأمر الذي أفقد علم الكلام خصائصه الأولى التي نشأ عليها كعلم إسلامي خالص مميز ظهر اثر تعاطي المسلمين مع الآيات المتشابهة في القرآن ودخولهم دائرة النزاع حول فكر الجبر والاختيار ووقفية أسماء الله وصفاته ، إضافة إلى النتائج السلبية التي أفضى إليها تلاعب السلطات وقوى النفوذ بمراكز القوى الاجتماعية عبر الاستفادة من ثقافة التشكيك في العقائد الثابتة . فزاد ذلك من شكوك فقهاء المسلمين في هذا اللون من الالتقاط والخلط المعرفي الذي برز فيه أول من برز في القرن الثاني الهجري الحسن البصري ومن تبعه من فرق قدرية ومرجئة .

وقد ناوش أئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) هؤلاء المشككين والفلاسفة، وحاربوا تكلفهم وقياسهم ودعواهم بما لا يمكن للعقول إدراكه واستيعابه أو بما هو خارج وظيفة العقل ، كالتكلم في ذات الله والجدل في صفاته وأسمائه بلا علم ، والتفلسف بطرق النصارى واليهود والمجوس الفرس واليونان .

لقد عد المسلمون المتكلمون أنفسهم فريقا مناوئا لغيرهم من أصحاب الطرق الفلسفية والبدع والزندقة ، ولكنهم تأثروا بهم فكرا ومنهجا وسلوكا مع تقدم الأزمان حتى قال القائل بأن للمسلمين فلسفة اشتقت مما لحق بعلم الكلام من مناهج ونظريات وافدة . وكان أول من ترك الآثار الفلسفية واضحة وأشاعها هم الأمويون وعلى رأسهم أبو سفيان الذي ذكر بأنه أول من اعتنق (الغنوصية) في الإسلام ، ثم تبعه على ذلك معاوية ابنه الذي يعد أول من أثار فكر الجبر في الإسلام لأسباب سياسية وتفاعل مع فلاسفة بلاد البحر المتوسط واعتنق نظامهم السياسي والإداري . وتبعهما خالد بن يزيد بن معاوية في محاولاته المكثفة والدءوبة لنشر الفلسفات بين المسلمين عبر دعم وتشجيع ترجمة المؤلفات النصرانية اليونانية لمعالجة الشكوك الواردة في فكرة الجبر الأموي التي أشاعها جده معاوية بين المسلمين آنذاك.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.