الأحد ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦
النقد بين عدم الانصاف وهروب الآخر
بقلم صادق مجبل الموسوي

عوامل الضعف في النقد الادبي الحديث

ثمة معايير ونظم وموازين تجتمع لتكوّن عملية تقيميّة تسمى " النقد "وهذه العملية لا تقترن بأي مؤثرات أو تأثيرات ولا تقتصر على شخصية الناقد, إنما هي نظرات متقابلة تضع نصاً ما وتبين محاسنه وعيوبه وتطرح طرق معالجتها مؤيدة ذلك بالأدلة وما يؤكدها..

هنالك عدة عوامل تتجلى لك عند متابعتك لعملية النقد هناك الأهواء والميول وعدم الإنصاف وهنالك هروب من قبل الطرف الآخر الذي يخضع نصه لتعاليم النقد، هذا الهروب ينم عن أسباب عدة حيث إن كاتب النص يأخذه الغرور بما يكتب ويضع بعض الشهادات كمؤيد له ويتولد لديه انغلاق تجاه الآخر، أما الناقد فيكون في موقف لا يرَ فيه سبيل لبيان رأيه في النص " المغرور"، لكن هناك شيء مهم يستحق الوقوف عليه وهو الأهواء والميول في جدلية النقد واللانقد، فحين تعرف النقد ووظيفته فوَظيفة النقد النظر في الأعماقِ، ودراسة الأبعاد والمكونات وتحليل العناصر ذات العلاقة**

كما عُرف النقد ومصطلح النقد بأنه فــَن التمييز بين الأساليب أو هو الكشف عن ميزات الأعمال الأدبية وعيوبها، ومن دراسة النصوص الأدبية وتقويمها، كما أن كلمة النقد تعني بالغة تمييز الدراهم و إخراج الزائف منها وتأتى تبعا لذلك بمعنى الكشف عن المحاسن والمساوئ عموما فليس القصد هو التعريف بالنقد والشرح عن المعنى بقدر ما أريد أن أبين " الأهواء والميول التي تحصل في" النقد ". فالنقد يمثل الميزان المعادل والحاسم بمعايره في تحديد ماهية النص أو الأطروحة وتناولها بطريقة النقد من كل جوانبها وتحتاج عملية تقويم النص إلى رأي موحد بين النقاد وقد تختلف بعض الأشياء الشكلية في النص حسب مزاج الناقد وذوقه الخاص، لكن تبقى الأسس العامة في النص ذات قدسية وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها للناقد مهما كان.
وقد برزت حالة الأهواء والميول وعدم صواب الري عند إعطائه للنص وتجتمع عدة عوامل وتكون السبب في عدم صواب رأي الناقد والتي منها :- عدم اطلاع الناقد على الأسس التي تقوم عليها المجالات الأدبية.

قلة التجربة في المجال النقدي والأدبي. طغيان الجانب العاطفي اثناء عملية النقد أو التقيّم. بروز روح المجاملة والمهاجمة لدى شخصية الناقد. نقص المناعة الثقافية والأدبية المكتسبة عند الناقد مما سبب فيما بعد مرض خطير اسمه نقص المناعة الثقافية المكتسبة " إيدز ثقافي " وهذه الأسباب الخمسة تنعكس سلبا على العملية النقدية وتشكل مؤثرا خطيرا يسهم في إخماد جذوة الطاقات الشابة التي تكاد لا تميز بَيْنَ لُجة الآراء وتفاوتها وتضيع بَيْنَ الاختلاف. وهنالك عدة قصص واقعية حول الظلم الذي تعرضت له هذه الأقلام بسبب عدم معرفة الناقد. وسأروى قصتان إحداهما من الواقع المحلي والأخرى عالمية.

القصة الأولى.

يروي لي أحد الأصدقاء يقول ( عندما كنت أنا في المرحلة الإعدادية من الدراسة في تلك الفترة كنت اكتب الشعر تواصل وكذلك أقرا العديد من الكتب والدواوين.. ذات مرة عرضت على أحد الأساتذة الذي ظننت به ما لم أجده فيما بعد إذ كنت اعتقد انهُ من المطلعين في المجال النقدي.. عرضت عليه أحد النصوص التي كَتَبتها.. لكن فوجئت بإجابته وهو ضاحكا " أو هذا هو الشعر.. ؟ حينها خجلت وخابت كل الآمال بالكتابة وقلت له حسناً.. أنها محاولة..بعدها فكرت في خطة اكشف فيها نقطة الضعف في النص أو في الناقد. عدت بعد أيام فعرضت عليه نصاً من أروع كتاباتي وقلت له هذا نصا للشاعر الفُلاني _ أحد الشعراء المعروفين _ قال لي بجواب كنت أشبه بالمتأكد منه.. هذا الشعر حقا وليس ما جئت به أمس. نترك لك التعليق عزيزي القارئ..

القصة الثانية
في مطلع الخمسينات من القرن الماضي ظهرت رواية إيطالية اسمها " الفهد " من تأليف ( تومازي دي لا ميدوز ) وهذا الكاتب مات قبل روايته بأشهر. لَمْ يكن هذا المؤلف معروفاً في الأوساط الأدبية أو لدى القراء إذ لم يكن قد نشر شيئا أو اصدر مطبوعاً إلا هذه الرواية التي لم تر النور في حياته. لكنها وهو يائس من رؤيتها مطبوعة بعد لا سيما بعض مقالاته ومواضيع رفضتها الصحف والمجلات بلا استثناء فزاده ذلك يأس من قبول إحدى دور النشر لروايته.

وقد كان محقا في يأسه لكونها لا ترتقي إلى مستوى الأعمال الإبداعية المهمة لكن ما حدث بعد وفاته ان أحد النقاد الإيطاليين واسمه ( جورجيوساني ) علم بأمر هذا الكاتب فاتصل بأرملته وطلب منها المخطوطة لقراءتها وحين قراها بعناية الناقد المخلص. وجد فيها دلالات و أبعاد فكــرية هامة جديرة بالاهتمام والقراءة فكتب فيها مقدمة منوها لها كاشفا عن روح الإنسانية فيها ثم دفع بالمخطوطة إلى الناشر (ولتربدللي ) في ميلانو لتظهر – الرواية في زمن وجيز وتكون بأيدي القراء الذين لم يسمعوا بهذا المؤلف من قبل ولكن ما إن مضى على ظهورها شهرا واحدا حتى بلغت طباعتها ثلاث طبعات أما في الشهور الستة اللاحقة فقد بلغ معـــــدل طباعتها ثماني عشر طبعة وترجمت إلى اللغات الحية وظهرت في فيلم سينمائي ***

لا حظ.... في هاتين القصتين النموذج الذي يتضح لكَ حول السلبيات الكثيرة والتي تحصل جراء عملية النقد بسبب الأسباب الخمسة التي ذكرتها في البداية وعدم الإنصاف والإخلاص وغياب الوعي الكامل والتجربة الحية من واقع الأدب والإدراك الكامل ووضع وتوفير كافة الأدوات النقدية اللازمة لدى الناقد في عملية النقد.. كما يتطلب دراسة واقعية للمحيط الذي يعيشه الكاتب والبحث عن أسباب الكتابة والدوافع التي تكمن خلفها بالإضافة إلى دراسة ذات الكاتب والعوامل والمؤثرات والتداخلات في شخصيته ودراستها سايكلوجيا وتحليلها هي وماهية النص الذي كتب حينها تكون الصورة قد اتضحت للناقد وبات على قرب من وينبغي على الناقد إن يقف موقفا بعيدا عن المجاملة والأهواء والميول ويكون رأيه بعيدا عن تأثيرات البعد الخارجي.

وتسبب الأهواء والميول في النقد عدة أمور أشرنا البعض منها في بداية المقال والأبرز الإسهام في إخماد جذوة الطاقة الواعدة والتقليل من عزيمتها خصوصا اذا كانت الطاقة شاه ولا تمتلك من الممارسة في مجال الأدب الكثير كما تسبب الظلم بحق الأعمال الأدبية التي بذل كاتبوها الجهد الكثير من اجلها خصوصا إذا قيمت في مسالة تمييز او تقيم وترشيح وانتقاء فإنها تجحف بعضا وتسبب الظلم إليه لجهل الناقد بخصائص هذا الجنس الأدبي أو ذاك وقلة معرفته فانعكست سلبا على الاقلام التي تنشد الإبداع والتحليق في فضائه ورفد الثقافة والأدب بالمزيد سأطلق حملة عبر نشرة الأديب التي أترأس تحريرها حملة من اجل إنصاف المبدع وعدم جحوده من اجل توحيد الرأي النقدي وعدم فقدان معياره..

* كاتب وشاعر من مواليد الرفاعي رئيس تحرير نشرة الأديب وعضو اتحاد كتاب الانترنت العرب **كتاب النقد الأدبي للصف السادس الإعدادي

*** د. محمد سمارة النقد واللانقد في المعايير الأخلاقية


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى