فيلم بابل يُبنى الفيلم على أربع قصصٍ متداخلةٍ،

، بقلم محمود ماضي

يقال واللَّه أعلم: إنّ اللَّه عزّ وجلّ لما أراد أن يُخالِفَ بين أَلْسِنة بني آدمَ بعث ريحاً فحشرتهم من كلِّ أُفُق إلى بابل فبلبل اللَّه بها ألسنتهم، ثمّ فرَّقتهم تلك الرِّيحُ في البلاد. هذا ما أورده الخليل بن أحمد الفراهيدي في "العين"، وقصّة بابل والبلبلة واختلاف الألسن أسطوريّة يردُ ذكرها في العهد القديم، سفر التكوين. ولا يختلف المعنى كثيراً حين ننظرُ إلى القاموس تحت كلمة "Babel" التي تعني في واحدة من معانيها "الجلبة، أو اختلاط أصوات".

هذا المعنى لكلمة بابل Babel يجعلنا نقف أمام الفكرة التي يرغب المخرج المكسيكي "أليخاندرو جونزاليس" بطرحها في فيلمه الأخير "بابل" الذي تدور أحداثه في المغرب والمكسيك واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وتتداخل لغات ممثليه اعتماداً على التنوّع الجغرافي من اللغة العربيّة، الإنجليزيّة، المكسيكيّة، واليابانيّة. لتتحقق فكرة الإختلاف والتنوّع الثقافي من ناحيّة وارتباط مصير هؤلاء الممثلين (البشر) جميعاً في قصَّةٍ كونيّةٍ واحدةٍ ينسجها المخرج جونزاليس.

يُبنى الفيلم على أربع قصصٍ متداخلةٍ، يربطُ بين القصّة والأخرى خيطٌ ليخلصَ المُشاهِد في نهاية الفيلم إلى سؤالٍ عن جوهر الإختلاف بين ثقافات العالم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، وكيف يمكن لمثل هذه الثقافات المختلفة إنتاج قصّة الفيلم المدهش والإنسانيّ. يقوم المخرج إذن بتفكيك القصص الأربعة المكوّنة لنسيج الفيلم وتقطيعها، ويعرضها بشكل متشظي ومتداخل الأمر الذي يزيد من توتّر المشاهد.

القصة الأولى، قصّة عائلة مغربيّة يشترى الأب بندقية صيد لتساعده وأبناءه على إبعاد ابن آوى عن أغنامه، البندقيّة التي تصبحُ في يد أبنائه يوسف وأحمد، الغارقان في صمت الصّحراء وفتنتها وهدوئها، يحاول كلّ منهما إظهار البراعة في استخدام البندقيّة وأيهما الأكثر قدرة على القنص، فيطلق الأصغر رصاصةً نحو حافلة سياحيّة. تصيب الرصاصة الطائشة والعبثيّة سائحة أمريكيّة، لتبدأ وسائل الإعلام بالحديث عن وجود "إرهابيين" في المنطقة، وبالتأكيد ستبدأ الشرطة المغربيّة في بحثها عن الواقفين وراء الحادث المأساويّ، وإلى أن تصلَ الشرطةُ إلى "مرتكبي الجريمة" سيعرضُ المخرجُ بعض المشاهد التي تعكس العنف غير المبرر ضد أحد الرعاة واتهامه بالوقوف وراء الحادث!

تصل الشرطة في النهاية إلى الفاعلَين الحقيقيين، وتقتل الطفل الأكبر يوسف في اشتباكٍ مسلّح، فيما أخوه يسلّم نفسه للشرطة.
وبتداخلٍ مع قصّة العائلة المغربيّة، تدور قصّة الأمريكي ريتشارد وزوجته سوزان اللذين يشتركان في رحلةٍ سياحيّة في المغرب، سيفهم المشاهِد أن العلاقة بين الزوجين متأزّمة، وتبدو الزوجة الأمريكية عنيفة ومحتجّة لوجودها بين هؤلاء "العرب الإرهابيين".. وفيما هما جالسان في الحافلة تُصاب سوزان برصاصة طائشة، مما يجعلها تنزف وتفقد الكثير من الدماء، تتعقد الأمور حيث أن الحافلة متوقفة وسط الصحراء، لكنّ المترجم المرافق للرحلة يقنع السيّاح بالتوجه إلى إحدى القرى، ومن هناك يتصل الزوج بالسفارة الأمريكيّة بواسطة الهاتف الوحيد في القرية لطلب المساعدة.
الزوجة التي كانت تتأفف منذ قليل، من الوحش العربيّ الإرهابي، تُعالج على يدِ البيطري الوحيد في القرية، الذي لن يستطيع إلا خياطة جرحها دون استخدام المخدّر في مشهدٍ مؤلم جداً.. تتوتر الأحداث حين يقرر باقي السيّاح مغادرة القرية خوفاً من سكان القرية الإرهابيين من وجهة نظر السيّاح، ليبقى الزوج وزوجته المصابة وحدهما في القرية. إلى أن تصل طائرة هليكوبتر لتقل الزوجين إلى إحدى المستشفيات. قبل اقلاع الطائرة وفي وسط عاصفة الرمال يعرضُ الزوج المال على المترجم الذي يرفضُ بدوره أخذ المال حيث أنه يعتبر مساعدته ووقفته مع "الأمريكي" نتاج تاريخ عربيّ طويل من الكرم أو مساعدة المحتاج.

أيضاً، تدور أحداث قصّة ثالثة، حيث ترك الزوجان الأمريكيان طفليهما في رعاية المربية المكسيكية "أميليا" التي تقيم في الولايات المتحدة الامريكية بشكل غير شرعي، وحيث لا يمكنها أن تترك الطفلين وحدهما، تقرر إصطحابهما معها إلى المكسيك لحضور حفل زفاف ابنها. وهنا لا تخلو المشاهد من بعض اللقطات "المزعجة" كقطع رقبة دجاجة أو إطلاق الرصاص في حفل الزفاف الذي يثير رعب الطفلين غير المعتادين على مثل هذه المناظر أو التصرفات!

تعود المربية مع الطفلين في سيارة يقودها أخوها "سانتياغو" لكن شرطة الحدود توقف السيارة للاشتباه مما يدفع "سانتياغو" إلى الهرب واقتحام الحدود. بعد ذلك يقوم بانزال أخته والطفلين من السيّارة ليهربَ وحيداً من الشرطة. صباحاً ستجد "إميليا" نفسها وسط صحراء شاسعة. يتدخل القدر ليتم انقاذ الأطفال ومربيتهم في آخر لحظات، المربية أميليا يتم طردها من الولايات المتحدة الأمريكية لإقامتها غير الشرعية، فيما الطفلان يعودان إلى والديهما العائدين من تجربة قاسية جداً في المغرب.

اليابان هي مركز أحداث القصة الرابعة، حيث الأب "ياسوجيرو" الذي انتحرت زوجته بإطلاق النار على نفسها، يحاول جاهداً التقرب من ابنته "شيكو" المراهقة. الفتاة "شيكو" الصّماء والبكماء تحاول جهدها إقتناص أيّة فرصة لممارسة الجنس، لإشباع رغباتها. كأنها تحاول التواصل من خلال جسدها مع العالم بعد أن فقدت وسائل الاتصال العاديّة والطبيعيّة معه. الملفت أن المشهد الأخير يُظهر الفتاة اليابانية عاريةً في شرفة الشّقة، كأنها من ناحية ستلقي بنفسها منتحرة، أو لعلّها تعرضُ جسدها العاري إلى المدينة وسكّانها، علّ أحدهم يستطيع أن يلتقط زهرة جسدها لتشعر بالنشوة لمرّة واحدة.

الرابط بين القصّة اليابانيّة والقصّة المركزية الحادثة في المغرب، هي أنّ الياباني "ياسوجيرو" أهدى بندقيته إلى دليله المغربي. نفس البندقيّة التي أطلِقَتْ منها الرصاصة التي أصابت "سوزان" الأمريكية.

طلقة طائشة، فعل عبثيّ غير مقصود يفجِّرُ سلسلة أحداث متراكمة تجعلُ المتلقي يثق –بعد مشاهدة الفيلم- بأنّ الأحداث الكبيرة في العالم ناتجة عن تصرفات عبثيّة وغير مبررة من صنّاع القرار في العالم. فمثلاً، هذه الطلقة الطائشة من الطفل المغربي تساوي في عبثيتها إحراق نيرون لروما عام 68. لكن المخرج يريد أن يصل –بإعتقادي- إلى أبعد من ذلك، فهذه الرصاصة العبثيّة هي التي جعلت الزوجان يقتربان من بعضهما بشكل حميمي، وهي التي جعلت من السيدة الأمريكيّة تسمح لعجوزٍ مغربيّة أن تمسّد شعرها وتقرأ على رأسها سورة الفاتحة، وهي –بشكل غير مباشر- التي تصدم الوالدَ حين يرى ابنته المراهقة عُريانة في الشرفة فيحتضنها ويكسر هذه الجفاء القائم بينهما..

يحاول الفيلم إذن من خلال التشظي في عرض القصص، والاختلاف الجغرافي والتباين المعرفي، واختلاف اللغة والأعراق، أن يطرقَ الفكرة الأكثر جوهريّة، فكما أن الممثلين (البشر) رغم الاختلاف بينهم، قد توحّد مصيرهم في مثل هذه القصة، فإنهم قادرون على إنتاج قصّتهم الكونيّة الواحدة غير الناتجة عن العبث، بل الناتجة عن قرار مسبق يكون جوهره الحبّ والتواصل بين الجميع. لأن القاتلَ لا ينتمي لفئة عرقيّة واحدة، كما أن المخلِّصَ لا ينتمي إلى عرقٍ آخر.

الإيمان بالآخر واحترامه، وعدم نعته "بالإرهاب" والتقليل من قيمة انجازه التاريخي، الإيمان بأن الاختلاف قيمة جوهريّة تساعد على فهم الذات أولاً للوصول إلى فهم الآخر، الإيمان المطلق بأن مصير البشر في هذا الكون واحد، يرفع من قيمة المشاركة والإنتماء والحبّ.
يبقى أن المخرج "أليخاندرو جونزاليس" الذي حصل عن فيلمه هذا على جائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي 2006، قد أهدى فيلمه "إلى أطفالي الذين يمثّلون النور الوحيد في هذا الظلام".