صهيونية الخزر وصراع الحضارات ـ الحلقة الثانية وليد محمد علي

، بقلم وليد محمد علي

يقول توينبي: "إنه من سخرية القدر أن شعب الجليل الذي تهود بالقوة أنجب يسوع المسيح الذي عارضه زعماء اليهود في ذلك العصر مما أضاع على اليهودية مستقبلها" (1).

من نماذج التهوّد البارزة كان تهوّد أنتي جونوس الذي قبل اليهودية مجبراً، بهدف استرضاء اليهود والاحتفاظ بحكم أورشليم، والذي كان قد تسلمه بمساعدة الفرس (43-40 ق.م.) (2) وبسقوط أنتي جونسون انتهت السيادة الاسمية لليهود على أورشليم وهي السيادة التي بدأت بعد مجيء اليهود من بابل بدعم وإشراف الملك أرتحششتا ملك الفرس (كما أشرنا سابقاً) وكانت سيادة منقوصة تابعة لدول أخرى (الفرس، اليونان، الهلينيين).

من نماذج التهود الجماعي كان نموذج التهود في اليمن كان ذلك في القرن الرابع ميلادي حيث الحياة الاقتصادية والتجارة رائجة في بلاد اليمن فحاول اليهود بحكم الحس التجاري عندهم التغلغل في تلك البلاد. فعملوا للتقرب من الملك (تبع بن أسعد كرب) ملك الحميريين، وبعد أن أوضح حبران من أحبار يثرب مدى الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها من جرّاء تهوّده اعتنق تبع اليهودية. وأدخلها الى اليمن في القرن الرابع الميلادي بالقوة والإجبار. وكان جزاء كل من يعارض سياسة ذلك الملك ويرفض التهود، السجن والعذاب الشديد وصولاً الى حرق الأحياء وما قصة أصحاب الأخدود الواردة في القرآن الكريم إلا نموذجاً لذلك العذاب. وبفضل ذلك الملك الحميري انتشرت اليهودية في بلاد اليمن (3).

ويبقى تهوّد مملكة الخزر من أبرز حالات التهود في التاريخ، وكان لها الأثر البارز في مصير اليهود الى يومنا هذا.

يقول بنيامين فريدمان:

"إن ما تفضحه أصول 327 مرجعاً ودراسة من حقائق عنا لخزر التي تضمها مكتبة نيويورك العامة، وغيرها من المراجع والدراسات (...) مختصر في "الموسوعة اليهودية" طبعة 1903 تشير الى أن الخزر: شعب خليط تركي، فنلندي، مغولاني (شبيه بالغول) غامض الأصول بالنسبة لوجوده التاريخي في قلب آسيا، شق طريقه بحروب دموية في حوالي القرن الأول قبل الميلاد نحو أوروبا الشرقية، حيث أقام مملكة الخزر ... "وامتزحت حياته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا ... أكرهته القبائل البدوية في السهول من جهة، دفعه توقه الى السلب والانتقام من جهة أخرى ... على توطيد أسس مملكة الخزر في معظم أجزاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفارانجيين (سنة 855م) بتأسيس المملكة الروسية ... في هذا الوقت (855م) كانت مملكة الخزر في أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة ... وعند نهاية القرن الثامن .. تحول ملك الخزر ونبلاؤه وعدد كبير من شعبه الوثنيين الى الديانة اليهودية ... كان عدد السكان اليهود ضخماً في جميع أنحاء مقاطعة الخزر، خلال الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر... بدا عند حوالي القرن التاسع، أن جميع الخزر أصبحوا يهوداً، وأنهم اعتنقوا اليهودية قبل وقت قصير فقط" (4).

ويقول المسعودي: "وقد كان تهود ملك الخزر في خلافة الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود وردوا إليه من سائر أمصار المسلمين ومن بلاد الروم، وذلك أن ملك الروم في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة (هجرية) وهو أرمنوس نقل من في ملكه من اليهود الى دين النصرانية وأكرههم" (5) لقد أكد المؤرخون الحديثون وعلى اختلاف جنسياتهم – مع استقلالهم عن بعضهم – "أن الغالبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطيني، وإنما هم من أصل قوقازي، وأن التيار الرئيسي للهجرات اليهودية لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا توجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية، ولكنه تحرك في اتجاه ثابت دائم نحو الغرب، بادئاً من القوقاز، عابراً أوكرانيا الى بولندا ومنها الى أوروبا (...) وإذا كان عسيراً أن نحدد نسبة الخزر العددية الى العناصر السامية وغيرها، فإن الدلائل المتراكمة تجعل المرء ميالاً الى الأخذ بالإحصاء الموثوق الذي قدمه المؤرخون البولنديون، والدال على أن "الغالبية العظمى في العصور السابقة كان أصلها من بلاد الخزر "ومن ثم الى قبول أن الخزر قد أسهموا في البنية التحتية السلالية لليهود إسهاماً جوهرياً بالضرورة وله السيادة والغلبة وفق أقوى الحالات" (6).

"والحقيقة أن من يزعمون أنفسهم "يهودا"، المتحدرين تاريخياً من سلالة الخزر، يشكلون أكثر من 92 بالمائة من جميع من يسمون أنفسهم "يهودا" في كل مكان من العالم اليوم (...). ويؤيد أكثر مشاهير العالم وعلماء علم الإنسان وعلماء الآثار وعلماء اللاهوت والمؤرخون والعلماء عامة في كل حقل من حقول البحث العلمي. المختصون بموضوع خزر أمس "ويهود" اليوم، والمراجع والأسانيد التي تبرهن بدون أي شك عن حقائق وأرقام تظهر ما وراء هذه المسألة، مؤكدة على أن ما لا يقل عن 92 بالمائة من جميع من يزعمون أنفسهم "يهودا" في العالم اليوم، يتحدرون ممن عرفوا بـ "يهود" السلالة الخزرية تاريخياً. وهؤلاء العلماء المشاهير يقدمون أيضاً حقائق وأرقاماً تؤكد على أن 8 بالمائة المتبقية ممن يزعمون أنفسهم "يهودا". يتحدرون من السكان الوثنيين البدو القدامى في أفريقيا وآسيا وحوض البحر المتوسط. الذين تحولوا الى عبادة يهوه، قبل تحول الخزر من عبادة قضيب الرجل الى عبادة يهوه" (7).

"وثمة مصدر مهم آخر لعملية التهود هو العدد الكبير من الناس الذين تحولوا الى اليهودية، وكانوا من أجناس شديدة الاختلاف، وممن يمثلون الهوس الديني لليهود في العصور القديمة: فلاشا الحبشة السود البشرة ويهود كاي – فنج الصينيون الذين يشبهون مواطنيهم، واليهود اليمنيون ببشرتهم الزيتونية الداكنة (كنا قد أشرنا الى كيفية تهودهم بالقوة) وقبائل برابرة الصحراء اليهود الذين يشبهون الطوارق" (8).

1) جي نوبيرغر: الفرق بين اليهودية والصهيونية ضمن أبحاث ندوة طرابلس – ليبيا ص 192
2) أرنولد تيبني –دراسة في التاريخ – مطبعة أكسفورد. 1960 نقلاً عن عبد الوهاب الكيالي تاريخ فلسطين الحديث ص 17
3) للتوسع: ثريا منقوش – التوحد في تطوره التاريخي
4) بنيامين فريدمان : يهود اليوم ليسوا يهوداً ص 19
5) المسعودي: مروج الذهب الجزء الأول ص 212
6) أرثر كوستلر: القبيلة الثالثة عشر ص 226
7) بنيامين فريدمان – يهود اليوم ليسوا يهوداً ص 45

أسباب تهود الخزر

ونعود الى مناقشة الأسباب التي كانت وراء تهود أجداد من يشكلون الغالبية الساحقة من يهود اليوم وفق تواتر المصادر التاريخية.

وهناك عدة روايات حول تلك الأسباب:
فالمسعودي مثلاً يعيد ذلك الى هرب اليهود من الإمبراطورية الرومانية التي كانت ترغمهم على التحول الى الديانة اليهودية، فهرب هؤلاء الى بلاد الخزر الواقعة على مصب نهر الفولغا وجواره فوجدوا هناك جنساً ذكياً ولكنه غير متعلم وقد عرضوا عليه دينهم. فاقتنع أبناء الجنس بمحاسن الدين اليهودي وأنه أفضل من دينهم الوثني فاعتنقوه.

أما البكري في كتابه الممالك والمسالك فيقول ما ملخصه أن ملك الخزر (الخاقان بولان) كان قد اعتنق المسيحية ثم تخلى عنها بعد أن اكتشف زيفها. فطلب من أتباع الكتب المقدسة (التوراة – الإنجيل – القرآن) أن يرسلوا عنهم ممثلين ليشرحوا له حسنات كل من الديانات الثلاثة، وكان له أن اقتنع بالدين اليهودي، نتيجة لخدعة، وتلاعب على الحديث بطريقة تذكرنا برواية خداع عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في التحيكم بين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان.

إلا أننا إذا ما استعرضنا واقع مملكة الخزر بين بلاد المسلمين وبلاد المسيحيين وتذكرنا عقلية اليهود ودورهم في التجارة الدولية نستطيع أن نستنتج أن ملك الخزر في ذلك الزمان (الخاقان بولان) كان قد أدرك أن الوسيلة الأنجح التي تمكنه من التفلت من التبعية للإمبراطورية المسيحية أو الخلافة الإسلامية وبالتالي عدم دفع الضرائب لأي منهما، هو اعتناق دين ثالث يجعله مميزاً عن كل منهما ومقبولاً منهما في آن. خاصة وأن الوثنية التي كان عليها أبناء الخزر ممقوتة ومكروهة من المسيحيين والإسلام على حد سواء.

فكان التهود هو الخيار الثالث، فهو إضافة لما سبق يمنحهم فرصة ذهبية للدخول الى عالم التجارة الدولية التي كان يسيطر عليها اليهود ويمكنهم من لعب دور الوسيط التجاري بين الإمبراطوريتين المسيحية والإسلامية.

هذا الأمر تقاطع مع مصالح اليهود. فقد كانوا يبحثون عن بلاد يلجؤون إليها وتحقق لهم مصلحة مزدوجة:

1- الخروج من كنف الإمبراطورية الرومانية حيث كان يفرض عليهم اعتناق المسيحية بالقوة.
2- يمكنهم من الركون الى دولة قوية يعتمدون عليها وتشكل قاعدة ارتكاز وحماية لهم وتساعدهم في فتح أسواق تجارية في العديد من البلدان التي تقيم علاقات مع تلك الدولة.

التهود في الإمبراطورية الرومانية

بلغ اعتناق اليهودية ذروته في الإمبراطورية الرومانية فيما بين سقوط الدولة اليهودية وظهور المسيحية، فقد تهودت كثير من العائلات النبيلة في إيطاليا ... ويتحدث فيلو عن التحول الضخم الى اليهودية في اليونان... ويكتب المؤرخ اليهودي ريناك "لقد كان الهوس الديني حقاً إحدى أبرز سمات اليهودية خلال العصر الإغريقي – الروماني، ولا شك أن اليهودية حققت بهذه الطريقة تحولاً ضخماً إليها خلال قرنين أو ثلاثة ... ولا يمكن تفسير التزايد السريع لليهود في مصر وقبرص ... بدون افتراض امتصاص دماء غير يهودية وفيرة، وقد تماثلت سيطرة الهداية الدينية على كل الطبقات العليا والدنيا في المجتمع" (1).

واستمر التهود على هذه الوتيرة حتى ظهور الديانة المسيحية وتعاليمها ذات الطبيعة الإنسانية الحضارية المتناقضة مع تعاليم ديانة يهوه القبلية.

ثم كان الحظر الكنسي على الزيجات المختلطة مع اليهود "من قبيل ما أصدره مجمع طليطلة سنة 580 م، ومجمع روما سنة 743 م ومجمع لاتيران الأول والثاني سنتي 1123 ، 1139" وقد توقف الأمر تماماً مع بداية ظاهرة الغيتو وأسواره العالية وإن كان قد عاد بعد انهيار تلك الأسوار، عبر ظاهرة الزواج المختلط والتهود الفردي عن طريق الحاخامين وهذا الأمر مستمر الى يومنا هذا.

أخيراً:

"فمع أن اليهودية لا تبشر بالدين اليهودي ... فإن عدداً من أبرز الحاخامين وأكثرهم تمتعاً بالاحترام هم ممن اعتنقوا اليهودية . ومعروف أن الآباء والأمهات اليهود في العالم كله يباركون أبناءهم كل يوم سبت ومساء كل يوم عطلة. ولقد دأبوا على فعل ذلك طيلة الأعوام الألف الماضية بالطريقة نفسها.

فإذا كان الأبناء إناثاً كان نص المباركة "فليجعلك الله مثل سارة وربيكا وراشيل وليا" مع العلم أن أياً من هؤلاء النسوة لم تولد يهودية كلهن اعتنقن اليهودية اعتناقاً بعد مولدهن. أما إذا كان الأبناء ذكوراً فإن نص الدعوة يكون: "فليجعلك الله مثل أفرايم ومناشة"، مع العلم أن كل واحد منهما كانت أمه عند مولدها مصرية ثم اعتنقت اليهودية .... وأخيراً فإن – تيناح – كتاب اليهود المقدس، يضم سفر – روث – وأصلها من الموآبيين أعداء اليهود التقليديين، ولكنها اعتنقت اليهودية فيما بعد ... وفي نهاية هذا السفر – سفر روث يذكر صراحة أن روث هي الجدة الأولى لداود أعظم ملوك اليهود" (2).

إن ما ذكرنا يؤكد بلا شك أن الدين اليهودي شأنه شأن معظم الديانات مفتوح أمام من يريد أن يعتنقه. وأن أهم النساء فيما يسمى التاريخ اليهودي هن نساء غير يهوديات بالمولد. إذن أضفنا الى هذا أن الأم في الديانة اليهودية هي من تحدد النسب لعرفنا ضحالة وخف القول إن هناك شعب يهودي يعود بأصوله الى أولئك اليهود الذين أقاموا في فلسطين في فترة قصيرة عبر التاريخ القديم.

8) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 62

9) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 139

إشكنازيم – سفارديم - مزراحيم

يقول المؤرخ أرثر كوستلر: "ينقسم يهود عصرنا الى قسمين السفرديم والاشكنازي .. وفي سنة 1960 قدر عدد السفرديم بخمسمائة ألف . وبلغ عدد الأشكنازي في الفترة نفسها حوالي 11 مليوناً" (1).

هذا التقسيم صحيح بالنسبة لليهود الأوروبيين، ولكن لماذا تجاهل كوستلر الحديث عن "المزراحيم" وهم اليهود الشرقيين الذين عاشوا في البلدان العربية بشكل أساسي. هل لأنه يرى أن معظم هؤلاء جاءوا من إسبانيا إثر سقوط الخلافة الإسلامية هناك أم هناك أمر آخر.

على كل حال فإن واقع الحال يقول أن يهود اليوم ينقسمون الى: أشكناز – سفارديم – مزراحيم ومجموعات عرقية أخرى. الفلاشا على سبيل المثال.

الاشكناز:

ورد في سفر التكوين وفي سفر أحبار الأيام الأولى، أن أشكناز هو أحد أبناء جومر بن يافث. وورد أيضاً أنه أخ توجارما وابن أخ ماجوج. كما ورد في سفر أرميا الأصحاح 51-27 أن النبي يدعو شعبه وحلفاءهم بأن يهبوا ويدمروا بابل "نادوا عليها ممالك أراراط ومنى وأشكناز".

وقد فسر هذه العبارة الزعيم الروحي لليهود الشرقيين في القرن العاشر "سادية جاوون" حيث قال أنها نبوءة تخص عصره: فبابل رمزت الى الخلافة العباسية. وأن الأشكناز الذين فرض عليهم مهاجمتها، كانوا إما الخزر أنفسهم أو قبيلة حليفة. وبناء على ذلك يقول المؤرخ بولياك:
"إن بعض المثقفين من اليهود الخزر الذين سمعوا حجج جاوون البارعة أطلقوا على أنفسهم إسم الاشكناز حين هاجروا الى بولندا" (2).

وأصبح اسم "الاشكناز" هو الاسم البديل عن "الخزر" وعلى حد قول "كوستلر" فإن لفظ يهودي هو مرادف فعلا لليهودي الأشكنازي".

لغة الييدش: تستخدم لغة الييدش من قبل اليهود الأشكناز ذو الأصول الخزرية، دون غيرهم وهي لغة ملتبسة يعتقد الكثيرون بأصولها الألمانية وهذا اعتقاد خاطئ لا أساس له.

وتكتب لغة الييدش بأحرف عبرية وهي مزيج من السلافية والعبرية والكثير من المصطلحات التي كانت رائجة في المناطق الشرقية من ألمانيا الملاصقة للبلاد السلافية.

يقول آرثر كوستلر:
"إن تطور لغة الييدش كان عملية طويلة ومركبة، يحتمل أنها بدأت في القرن الخامس عشر، إن لم يكن قبل ذلك. إلا أنها بقيت لمدة طويلة لغة الكلام، أو قل نوعاً من اللغة المشتركة ولم تظهر مطبوعة إلا في القرن التاسع عشر"(3).

وقد تكونت تلك اللغة الهجين بفعل عدة عوامل متداخلة في الدولة البولندية التي كانت تنبعث، وكان حكامها يشجعون الهجرة اليها بهدف إعمارها وتطويرها فكان المهاجرون الألمان خير من يقوم بذلك "ويقال إن مجموع الألمان الذين هاجروا الى بولندا لم يقل عن أربعة ملايين"(4).

وقد شكل هؤلاء المهاجرون مدن حضارية، فيما تواجد اليهود الذين هاجروا من خازريا بعد إنهيار إمبراطوريتهم مدن صغيرة خاصة بهم أطلق عليها اسم "اشتتل". وبسبب سيادة الثقافة الألمانية في بولندا، ودخول نظام التعليم الألماني إليها "راح البولنديون يقدرون مزايا الثقافة العليا التي جلبها الألمان إليهم وأخذوا يحاكون أساليبهم الأجنبية كما ولع أفراد الأرستقراطية البولندية بالعادات الألمانية ووجدوا الجمال والمتعة في كل ما جاء من ألمانيا"(5).

إذا كان هذا حال البولنديين أبناء البلاد، فكيف يكون حال مهاجرين جدد اقتلعوا من ديارهم وقدموا الى مجتمع جديد؟! لم يجد هؤلاء الخزر أمامهم من سبيل إذا أرادوا النجاح في وطنهم الجديد، إلا تعلم اللغة الألمانية السائدة في بولندا، كما كان لزاماً عليهم أن يتعلموا لغة الشعوب السلافية التي كانوا يحتكون بها، ويعيشون بين ظهرانيا، ويتعاملون في حياتهم اليومية مع أبنائها.

أضف الى ذلك ما كانوا يتلقونه من دروس دينية على أيدي الحاخامات واستماعهم الى التوراة باللغة العبرية.

فتشكلت من كل هذا لغة هجين استخدمها هؤلاء المتهودون الخزر هي لغة "اليديش" التي تشكلت بطريقة فوضوية غير قائمة على قواعد محددة "يمكن بيان الفوضى التي شابت الهجاء بالرجوع الى القواعد التي جاءت في الدليل اليهودي للشعب والذي ينص على ما يلي:

1- اكتب ما تتكلم

2- اكتب بحيث يمكن لليهود البولنديين واللتوانيين أن يفهموك
3- راع اختلاف هجاء الكلمات المتحدة في الصوت والمختلفة في المعنى" (6).

لغة اليدييش إنتشرت في أوساط المتهودين الخزر (الاشكناز) وشكلت لغتهم الخاصة. بإستثناء جزء من طائفة القرائين الذين استمروا في التحدث بلغتهم الخزرية الأصلية. ذلك ما جاء في أول إحصاء روسي أجري سنة 1897 (7).

السفارد:

"من أصل لاتيني إسباني برتغالي (من نسل المادانوس – أي يهود شبه جزيرة أيبريا المتخفين الذين ارتدوا عن اليهودية في الظاهر، وإن كانوا قد استمروا في ممارسة عقيدتهم في الخفاء)، يتحدثون اللادينو (وهي لهجة إسبانية دخلت عليها مفردات عبرية وتركية وبرتغالية) (8).

وتعتبر اللادينو المعادل السفاردي للغة الييدش عند الأشكناز. وقد تشكلت بطريقة قريبة من الطريقة التي تشكلت بها الييدش. وكان متحدثو اللادينو يكتبونها بالخط "الراشي" الذي ابتدعه "ربى شلومو يريتسحات في القرن الحادي عشر. واستخدام لغة اللادينو نادراً الآن وتكتب بالحرف اللاتيني.

ويجب ألا نقع في التسرع والاعتقاد أن اليهود السفارديم يعودون الى أصل عرقي محدد.
"فإن إقامتهم في إسبانيا لمدة تزيد على ألف سنة قد تركت عليهم وعلى مضيفهم بصماتها التي لا تمحى ... فقد كان والدا سبينوازا برتغاليين من المارانوس هاجرا الى أمستردام ثم أن الأسر اليهودية العريقة في إنجلترا (التي وصلت إليها منذ زمن طويل قبل التيار الذي تدفق إليها من الشرق في القرنين 19، 20) ومنها إسرة مونتيفيوري ولوسداس ... وساسون .. الخ جاءت كلها من الوعاء الايبيري الخليط ولا يمكنها الادعاء بالإنتساب الى أصل نقي أكثر نقاء من اليهود الأشكنازي" (9).

المزراحيم:

وهم اليهود الشرقيين الذين كانوا يقيمون في المغرب العربي والعراق وإيران وأفغانستان واليمن وكان هؤلاء يتحدثون كل بلغة بلده وموطنه.

ولا يمكن اعتبار كل اليهود الذين كانوا يقيمون في هذه البلدان من أبناء هذه البلاد أصلاً. بل أن أعدادا كبيرة منهم قدمت من بلاد الخزر "ففي العراق على سبيل المثال وصل تعداد اليهود في عام 1947 الى 18 ألف نسمة، بينما كان عددهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حوالي 50 ألف نسمة. وفي وسط آسيا كان تعداد اليهود في عام 1856 يقدر بعشرة آلاف نسمة، ثم قدر في عام 1921 بـ 45 ألف نسمة، ولم تحدث هذه الزيادة نتيجة للعوامل الطبيعية وإنما نتيجة لهجرة الكثيرين من اليهود الاشكناز من روسيا"(10).

فأعداد اليهود الحقيقية في تلك البلدان كانت تتناقص في الواقع فـ "تغيير أعداد كبيرة من اليهود لديانتهم واعتناقهم للإسلام قد أديا الى تضاؤل تعدادهم في المجتمع علاوة على هذا فإن حرص اليهود على تحديد النسل .. لعب دوراً مهماً في تضاؤل تعدادهم"(11).

ويضاف الى ذلك تحول الكثير من يهود بعض البلدان الأسلامية الى الديانة المسيحية نتيجة للنشاط التبشيري خاصة في إيران "حقاً فقد كانت ظاهرة إعتناق اليهود للديانة المسيحية شائعة في إيران أكثر من أي بلد آخر"(12).
ولولا بروز الظاهرة الاستعمارية، والحركة الصهيونية في القرن التاسع لكانت حركة الاندماج الطبيعي لليهود في مجتمعاتهم العربية والإسلامية قد أخذت دورتها الطبيعية .

فعلى سبيل المثال فـ "صدور مرسوم كرسية – الذي منح حق المواطنة الفرنسية ليهود الجزائر – وإقامة مدارس جماعة "كل شعب إسرائيل أصدقاء" في المغرب قضت على إمكانات إندماج اليهود في مجتمعاتهم"(13).

لقد تآمر الاستعمار الغربي والحركة الصهيونية على اليهود الشرقيين (المزراحيم) لإقتطاعهم من مجتمعاتهم، لاستغلالهم أبشع استغلال في مشروع صهيونية الخزر كما سنرى لاحقاً.

10) كوستلر : ص 148
11) كوستلر: ص 236 – 237
12) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 179
13) أنظر: المصدر السابق ص 180
14) كوستلر: ص 172
15) المرجع السابق ص 172 نقلاً عن كوتشلر
16) المرجع السابق ص 173 نقلاً عن كوتشلر أيضاً
17) كوستلر: ص 172 نقلاً عن مقال لـ سمث في مجلة جمعية الدراسات الشرقية لجامعة جلاسكو
18) أنظر كوستر ص 174
19) عبد الوهاب المسيري: الايديولوجية الصهيونية ص 61
20) كوستلر: القبيلة الثالثة عشر ص 186 – 187
21) تحرير: صموئيل أتينجر اليهود في البلدان الإسلامية ص 26
22) المصدر السابق ص 27


وليد محمد علي

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف