الأحد ٢٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٧
بقلم حسين الهنداوي

الذات من سومر الى ديكارت

مضطربة، أزعم، هذه الصياغة العربية المعتمدة من قبل الجميع، قطعاً كما يبدو، كترجمة لما يعرف بـ "الكوجيتو" الديكارتي. فـ ( (Sum Cogito Ergo ، لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تعني، بنظرنا المتواضع, مجرد "انا افكر اذن انا موجود". بل تعني، حرفيا، افكر اذن أنا". او،كما نقترح، "افكراذن ذاتٌ أنا".

لا ريب، اننا نكن تقديرا عظيما للمترجم العربي الاول الذي اقدم على ترجمة "الكوجيتو"، لكن، لا ريب ايضا، من انه خان ديكارت في مكان ما منها والا بربكم، ما معنى هذا اللغو: "انا افكر اذن انا موجود"!. والحال، ان ديكارت نفسه عندما اشرف-او قام- على ترجمتها من اللاتينية، لغة الكتابة في اوربا في عصره، الى الفرنسية، لغته، جعلها (Je pense donc Je suis) ولم يجعلها (Je pense donc J’existe ) ولو عاش الرجل، نتخيل، حتى هذا القرن وعرف كيف اصبحت الكوجيتو في لغة الضاد، لوجدناه الان يعاني هول الاسى.

لان مقايضة الكوجيتو بـ "انا افكر اذن انا موجود" يمثل طعنة نجلاء لروح الفلسفة الديكارتية، هذه الفلسفة التي لم يكن يشغلها شاغل الا البرهنة على ان الانسان، والانسان موجود بداهة، هو، ولانه يفكر: ذات حرة، قائمة بذاتها وسامية اي البرهنة على "انني" (وليس "انا" لان الجملة الاسمية فضفاضة بحكم البنية) عقلٌ، وبصفتي عقلا احوز على يقين قاطع بامتلاكي-نعم بامتلاكي-"انا" او "ذات" ثبت وجودي ام لم يثبت. اي دون ادنى حاجة لي ان اعرف ما اذا كنت موجودا وجودا حسيا ام لا. بعبارة اخرى، ان الانسان موجود بالنسبة لديكارت، والحيوان موجود، والنبات موجود، والهواء موجود. فهذه يقائن لا ينكرها الا مازح او معتوه. لكن الانسان وحده الذي يتميز كموجود عن كافة الموجودات الاخرى، وذلك لانه وحده الذي يستطيع ان يتذهن. ولانه كذلك فهو يمتلك بالضرورة ماهية مختلفة، اسمى واشرف، مقرونة بوجوده الحسي، ممثلة بـ "انا"، او "ذات"، التي بسلبها او نفيها او تأجيلها او ترميزها او جهلها، لا يعود الانسان انسانا، انما يصبح "شيئا" اخر موجودا وحسب.

وهنا، في هذا الربط، ينبغي ان نموضع روح ودينامية الشك الديكارتي كمنهج، وعلى هذا الانجاز تحديدا استحقت الديكارتية مكانتها الريادية في تاريخ الفلسفة لتصبح، زمنيا، لحظة فاصلة بين عصر وسيط محوره الحط من قيمة الذات الانسانية، كفردية وحقيقية وملموسة في وجودها الموضوعي، عصر رمزه الافخم هرطقلوجيا ابن تيميه وابن ميمون وابن الاكويني ومحاكم تفتيش واصوليات سوداء، وبين عصر محوره اعلاء تلك القيمة وان نظريا حتى هذه الساعة.
لنلق اذن هذه الـ "انا افكر اذن انا موجود" في سلة المهملات. فديكارت لم يشك لحظة في كونه موجودا ويفكر. وكل ما اراد ان يثبته هو انه موجود ويفكر كذات لا تحتاج الى قوة اسمى، خارجها، تمنحها سبب وجودها ثم تسحبه منها حتى تشاء. وعندما نقول هذا فاننا نضع امامنا الان المادة الاولى من تأملات ديكارت الميتافيزيقية الثالثة حيث يقول لنا هذا الفيلسوف "الموجود" قبل واثناء وبعد ان يفكر: انني، والترجمة على ذمتنا، "لو اعمد الان الى اغماض عيوني واغلاق مسامعي وتعطيل كافة حواسي، ولو امسح من ذهني كل صور الاشياء الجسمية، او، على الاقل لصعوبة ذلك، اعاملها كما لو كانت وهمية وباطلة، عندئذ سأجد نفسي مخاطبا ذاتي وحدها، متاملا داخليتي، مزدادا معرفة وألفة بهما اكثر فاكثر".

ودون الدخول هنا في تلافيف الفلسفة الديكارتية حول الذات، نستطيع القول ان الانسان بالنسبة لها ليس مجرد عقل وضع بتصرفه وجود معين، انما هو وجود حي يمتلك ذاتا عاقلة. وهذه الذات تعرف نفسها مباشرة كموجودة حتى دون وساطة للحواس والانفعالات. وديكارت هنا يتجاوز المفاهيم الارسطية ويحطمها. فلقد كان ارسطو يحب ان يقول بان الانسان حيوان عاقل وان النفس لا يمكن ان تعرف نفسها مباشرة، انما تتعرف عليها عبر الانعكاسات فقط. فالعين ترى كل شيئ لكنها لا تستطيع ان ترى نفسها الا عبر الانعكاس في المرآة. كذلك الروح لا تتعرف على نفسها الا عبر النتائج التي تولدها. والحال "هذا كلام فارغ" سيقول ديكارت مساجلا: ليست العين هي التي ترى نفسها في المرآة فهي لا ترى حتى المرآة، انما العقل ،بذاته المستقلة- هو الذي يدرك وحده المرآة والعين ونفسه والوجود واللاوجود.

2- بلا شك ان صيغة "انا افكر اذن موجود" تحمل جزءا جوهريا من الحقيقة التي ينطلق منها الكوجيتو الديكارتي. لكن هذا الجزء ليس الا نقطة انطلاق ولا فضل لديكارت فيه بشيء، لانه معروف قبل ديكارت بزمن طويل. فمنذ طلائع التأسيس الفلسفي في سومر وبابل ومصر والاعتراف بسمو الذات الانسانية في وجودها الموضوعي يعبر عن نفسه بصيغة او باخرى. ان العجالة الشديدة هنا تحرمنا من الاستعانة بالنصوص السومرية والبابلية والمصرية المليئة بالامثلة‎. لكنننا نصادف دائما فيها هذا المفهوم الذي يؤكد خصوصية الوجود الانساني وسموه بفضل ملكة التذهن. فصورة الالهة في الفكر العراقي والمصري القديمين هي بشكل او بآخر استنساخا لصورة الانسان. وان كانت الضرورة تفرض على المفكر قلب الاولويات، وجعل الانسان مخلوقا على صورة الالهة، من اجل صياغة منظومته لتفسير الوجود بكونيته الشاملة. ففي احد النصوص السومرية هكذا نستمع الى انليل وهو يأمر الالهة بخلق الانسان:

"خذي حفنة من طين من فوق مياه الاعماق
واجعلي الصناع الالهيين يعجنون الطين ويكثفونه
ثم قومي انت بتكوين شكله واعضائه
وسنعلق عليه صورة الالهة
على انه الانسان"

وهو نص لاشك من ان كتاب "العهد القديم" استلهموه عن قرب حين نقرأ في سفر التكوين (الاصحاح الاول) ما يلي:
"قال الرب نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا
فخلق الرب الانسان على صورته
على صورة الرب الانسان خلقه.."

وفكرة "الله يعلق صورته على الانسان" نجدها في العديد من النصوص البابلية والفينيقية، كما نجد لها موازيات في النصوص المصرية حيث يقول احدها بان الانسان هو "صورة لله انطلقت من جسده".

ولا يمكن ان نغلق هذه الفقرة دون الاشارة الى ان المتفلسف العراقي القديم لم يلبث ان طور هذا المبدأ بشكل ألمعي عندما قلب اتجاه التماهي بين الالهة والانسان الملموس ونقصد هنا فكرة طبيعة كلكامش "الذي ثلثاه اله وثلثه الاخر بشر". وكما لو ان الانسان صار ضجرا من قدرية ان الالهة هي التي تتكرم عليه بمنحه صورتها، نجده تطلع هو نفسه، بنفسه الى ركوب سلم السماء والارتقاء الى منزلة الالهة.

صفوة القول، ودون الخوض في تفاصيل تطور معركة الذات، من سومر الى ديكارت، لانتزاع الاعتراف والمعرفة بها، اننا نستطيع التيقن من ان مفهوم "انا افكر اذن انا موجود" يجد اصوله في اقدم ازمنة التفلسف. حتى فكرة "انا افكر اذن انا ذات" يمكن ان نعثر عليها قبل ديكارت لاسيما لدى ابن سينا فيما هو معروف بنظرية "الرجل المعلق في الفراغ" حيث نجد ابن سينا في "الشفاء" وفي نصوص اخرى يقترح على الواحد منا ان يتصور ذهنيا انه خُلق دفعة واحدة وخُلق كاملا لكنه حجب على بصره مشاهدة الموجودات الخارجية، وان يتوهم بانه خُلق يهوي في فراغ او خلاء حيث لا مقاومة يحس بها وحيث اطرافه متباعدة فلا تلاقي ولا تماس بينها ثم يتساءل "هل يثبت وجود ذاته"؟ ان الجواب هو لا شك في ذلك لأنه بالسؤال (والسؤال فكرة) حقق اثباته لذاته بانه موجود. لأن الذات عندئذ تكون "قد غفلت عن كل شيء الا عن ثبوت انيتها"، ولا شرطا من ذاته اي لا حاجة له لان يثبت لذاته بانه موجود جسميا كي يثبت بانه موجود كذات. ولا شرط لوجود الـ "انا" سوى ذاتها. وكما نرى فانه لا شك بالنسبة لنا من ان كوجتو ديكارت مدين بجوهره وروحه لابن سينا.

لن نذهب ابعد من ذلك لاثبات اضطرابية ترجمة الكوجيتو لديكارت الى العربية. ومع ذلك يظل غريبا ان نتباهى بهذه الترجمة لحد الان. اذ ربما نجد طواعية الف عذر للمترجم الاول الذي اقترحها، لكن ما بالنا وكل تاريخ الفلسفة الغربية اللاحق لديكارت يفرض نبذها، ونكتفي هنا ببعض اضاءات هيغل الذي يدفع الكوجيتو الديكارتي الى اقصى حدوده عندما يعطي اهمية مطلقة لفكرة لزوم ان اعرف انني موجود كـ "انا". وهذه الفكرة لا تعني فقط بانني موجود كعقل وكذات فقط، بل تعني انني مجرد "مشروع" غير محقق: "انا حر في ذاتي ولذاتي، ولست موجودا الا بقدر معرفتي بوجودي كحر".

وهكذا، فـ "انا افكر اذن انا موجود"، هي صيغة يمكن ان تذهب في الاتجاه المضاد للبشارة التي اطلقها المفكر السومري والمصري في الازمنة القديمة، وابن سينا وديكارت وهيغل في الازمنة المتأخرة. ولعل هذا ما يفسر قبول الايديولوجيا بها كجزء من اثاث البيت، بل واستخدامها في نفي الذات التي جهد ديكارت لاعلائها واطلقها هيغل من كل اسر.

لأن الاعتراف بي كموجود وحسب يعني بالضرورة ان علي واجبات وحسب، وانني رأس بين رؤوس الرعية وهذا يسمح، وسمح اصلا لدموي شهير لا يعرف ايضا بانه ذات ان يرسل نصف مليون منا الى المحرقة، بل ووجد "فلاسفة" يطلفحون بعظمته و"انسانيته". اما عندما اعرف بانني موجود كذات فان فكرة الحقوق هي التي تحضر.

ان هذه الفكرة البسيطة ليست كذلك بالفعل اذ يؤكد تاريخ "الذات" ان العقائد الجامدة والايديولوجيات هي عدوها الاول والاشرس، حيث عملت دائما على سحقها باسم "ذات" وهمية، تسمى القبيلة مرة او الامة او الشعب او الوطن او التاريخ او الانسانية مرة اخرى. اذ حتى داخل تاريخ الفلسفة تسلل بعض انبياء الايديولوجيا ليوقفوا تقدم الذات وتحجيمها وتهميشها وقتل شفافيتها ورحيقها.

انتهى

انا افكر اذن انا موجود

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى