احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > مفهوم السلطة وتأريخ الحقيقة

مفهوم السلطة وتأريخ الحقيقة

استراتيجية صراع وإرادة هيمنة

١٤ آذار (مارس) ٢٠٠٧بقلم مروة كريديه

حمل مفهوم السلطة عبر العصور، الكثير من المخلّفات الميتافيزيقية، وحتى اللاهوتية، وبقي هذا التصوّر هو السائد المسيطر، الأمر الذي جعل الفكر السياسي هو المحتكر الوحيد، للحديث عن السلطة،إذ كان غالبًا ما تُعَرَّف السُلطة، بأنَّها سلطة الدّولة ، أو السلطة السياسية ، وأنَّها عبارة عن مؤسساتٍ وأنظمةٍ وأجهزةٍ، تُخضِع المواطنين أو الرعايا لقوانينها داخل حدود دولة ما .
لذلك فإن مفهوم السلطة بهذا المعنى يُشَكِّلُ نظامًا من السيطرة، والهيمنة، التي تمارسه فئة ما على فئة أخرى، مُتَّخِذَةً بذلك صُورًا عدّة ، منهاصورة العنف تارة وصورة القانون تارة .

بهذا الوصف، تبدو السلطة كظاهرة، أداة إيديولوجيِّة، وأداة قمعيِّة، تسعى لإعادة إنتاج شروط الانتاج وعلاقاته، بهدف تغليف تناقضات مجتمع ما، وربطه وتوحيده.
هذا المفهوم الذي ساد عن السلطة في أذهان الناس، أخذ يتفكك مع بعض الفلسفات المعاصرة، ويُعد نيتشه من أوائل من حاول تفكيك مفهوم السلطة، مركِّزًا على العنصر التفاضلي , لتحديد و توليد القيم أيًّا كانت، الأمر الذي يقسِّم البشر والمجتمعات, بكل موضوعاتها المتعلقة بها ورموزها، الى تعارضات متنوعة ومُختلفة ، فيغدو العالم من وجهة نظر نيتشه، مجموعات متنافرة متناحرة، تتصارع بهدف الاستحواذ على كميّات الواقع.
كما ان بعض التيارات الفكرية والاتجاهات السوسيولوجية، حاولت أن تنتزع من الفكر السياسي ، إحتكار مفهوم السلطة، ومع هذه التوجهات السلطة السياسية ماهي إلا أحد أوجه السلطة، وما هي إلا الأشكال التي تنتهي اليها السلطة، فهناك سلطة الأسرة، والعمل، والمال، والعقائد، وتأويل النصوص, والمعرفة ........

لقد استطاع ميشال فوكو ، أن يَستلهم نيتشه، في حديثه عن القيم والأخلاق، ليتكلَّم عن السلطة، متجاوزًا الطرح المنهجي نحو الطرح الأركيولوجي، من خلال ماعُرف بال"جينيولوجيا" أي تاريخ الحقيقة، فهذه الأخيرة تُعدُّ الأداة التي تسمح للفلسفة بأن تلتقي بالتاريخ؛ بجعل الفلسفة تتخلى عن منطلقاتها الميتافيزيقية، والدفع بالتاريخ إلى أن يكون اهتماما بما يحدث فعلا في جميع مستوياته المختلفة.

لقد انطلق فوكو من أرضيّة متحركة لعلائق القوى، التي تُولَدُ دونما انقطاع، وبهذا المنظور، فليست السلطة بالضرورة هي رأس الهرم وحسب، وليست هي نابعة دائمًا من الأعلى، فهي ليست فوقية دائما، بل هي "محيطة" تأتي من كلّ صوب ، وذلك بسبب انها متولّدة، تتفاعل في كل لحظة، فالكائن يقع تحت سلطة مكوَّنَة من شبكة علائقية من مجموعة سلطات متفاعلة فيما بينها بشكل دائم ومستمر.

فالفرد محكوم بسلطة الادارة التي يعمل بها، وسلطة منظومته العقائدية التي يؤمن بها، وسلطة العادات والتقاليد التي يمارسها، وسلطة الأسرة التي ينتمي اليها، وسلطة الدولة التي يعيش فيها، وهكذا فالإنسان محكوم بسلسلة لا متناهية من السلطة المحيطة به بشكل دائم، ومستمر، ومتفاعل و"مولد" ومركب في آن، مجموعة هذه التفاعلات تشكِّل له واقعه .
وبهذا التوصيف فإن التركيبات المجتمعية، لا تقوم على الثنائية الضدية ، فالمجتمع لا ينقسم الى أقوياء وضعفاء ، رؤساء ومرؤوسين ، بل هناك مجموعة علائقية لقوى متنوعة متعددة، تتكوّن منها أجهزة الانتاج وتعمل من خلالها، وتُشكِّل المؤسسات الحامل للانقسامات والنزاعات والرابط بينها .
والسلطة بهذا الاعتبار ليست إلا حركة، بواستطها تُحوّل القوى فتخفف من حدَّة قوى لحساب قوى أخرى، أو تزيد من حدّة قوى، أو تعمل على قلب موازين بفعل الصراعات التي لا تتوقف .إذن السلطة هي الاستراتيجيات التي تؤثر في القوى وتجسد أهدافها، وتتبلور من خلال مؤسسات الدولة وأجهزتها كما تتبلور في القوانيين وكافة أشكال الهيمنة المجتمعية الأخرى .
يمكن القول أن السلطة بهذا المعنى ليست "منصبًا" او شيئًا ملموسًا، نمسك به، ونحتكره، ونتصارع عليه، فالسلطة استراتيجية ممارسة ، تنطلق من نقاط لا تنحصر في خضم بحر من العلاقات المتحركة، وغير المتكافئة، مهمتها الأساس أن تنتج الواقع في أحدى مستوياته بكل تعقيداته وتعدده وغليانه .

إنّ أهمية جنيالوجية الحقيقة هذه، تكمن في كونها، أبرزت علاقة الحقيقة بالسلطة، فهذا الجانب هو الذي استعاده فوكو من نيتشه، وطبقه على موضوعات لم يكن تاريخ الفلسفة يحفل بها. فلقد لاحظ فوكو أن ما ندعوه حقيقة، هو نتاج لصراع القوى، ودخول قوة في علاقات مختلفة تتسم بالصراع، ومن ثم بالهيمنة، وبالسيطرة لأن ما يسمى بالواقع ليس ذلك المجال الساكن والهادئ الذي ينتظر فاعلا من الخارج لكي يؤثر فيه، بل الواقع يعج بالصراعات التي لا تنتهي . إذ حينما يلتقي فعل بفعل آخر ينتج عنه صراع القوى، فتنزع كل قوة إلى الهيمنة والسيطرة. لهذا من العبث إقامة تاريخ للحقيقة دون الاهتمام بصراع القوى؛ فما يسمى، عادة، حقيقة ما هو إلا تجسيد لقوة انتصرت على قوة أخرى. وبالتالي فإن السلطة هي هيمنة وسيطرة قوة على أخرى، هذا ما يجعلها تأتي من كل مكان، وتنتج بمجرد ما يقع هناك التقاء لقوة بأخرى.

إذ أن كل نقطة في الواقع قادرة على إنتاج السلطة، أي علاقات قوى. لهذا يتحدث فوكو، في سياق الفكر النيتشوي، عن إرادة للحقيقة همُّها إقامة فَصل بين ما يعتبر حقيقة، وبين ما يعتبر خطأ ووهما وضلالا. ولن نفهم شيئا من تاريخ الحقيقة، إذا نحن اكتفينا بالنظر إلى الحقيقة باعتبارها الصدق والحق الذي انتصر على الخطأ، لأن هناك ماهية تميِّز كل واحد في ذاته، وتجعل كل طرف من أطراف "بنية" الحقيقة ينفصل عن الآخر بمجرد ما نعرف أن الحق حق، والخطأ خطأ. بيد أنّ الفصل ليس فصلا تامًّا ونهائيًّا، فما يُعتبرُ حقيقة يمكن أن ينقلب وينتقل إلى ما يناقضه؛ وهذا ما يظهره تاريخ الحقيقة. حيث نلاحظ، أن حقيقة ما لا تبقى ثابتة ولا أزلية.

فالحقائق متعددة في التاريخ، تبعًا لتعدد القوى المُشكِّلَة له من جهة، ولنمط العلاقات التي تقوم بين القوى من جهة أخرى. فعندما نتابع، في التاريخ، كيف انتصرت قوة على قوة أخرى، وكيف أنّ استراتيجية تحكَّمت في صراع القوى، نفهم لماذا تمَّ الرفع من مكانة حقيقة ما، واعتبرت صدقًا على حساب ما تمَّ إقصاؤه على أنه خطأ.

فِي هذا المنحى، فإن إقامة تاريخ للحقيقة، انطلاقا من صراع القوى، ما كان ليتم لولا الربط "الحدث الأركيولوجي"
وبهذه المعاني المتقدمة ستتخذ إشكاليات السياسة والسلطة والحقيقة والمعرفة ، معاني أُخَر فلن تعود المسألة تحديد مواقع الحقيقة والسيادة الطبقية، بل إنّ مفهوم الحقيقة ذاته سيصبح عبارة عن مجموع الاستراتيجيات والعمليات التي يتم بفضلها إنتاج العبارات وتوزيعها وتداولها ، فالأمر لا يتعلّق بتحديد منهج الوصول الى الحقيقة، وإنَّما بتحديد الجهات التي تنتمي اليها هذه الحقيقة اوتلك ، فالأركولوجيا لا تعني الانتصار لقيمة على قيمة أخرى ، وإنما البحث في قيمة القيم وتحديد نظام الخطاب وسياسة الحقيقة .

والسؤال الذي يُراود الأذهان هو: هل يمكن إيجاد واقع لا سُلطَةَ فيه؟ وهل هناك كيفية يمكن للفرد أن يعتمدها للالتفاف على السلطة التي تواجهه في كل مكان، والتي تقيم سياجًا من الضبط والمراقبة، يحيط بكل سلوكاته وتصرّفاته ؟

إن على الفرد عدم التوَّهم أنّ هناك واقِعًا لا سلطة فيه . إن عملية التحرر الفعلِّي من السلطة لا تتمّ إلا عندما يخضع القوة، من أجل امتلاكها، لذاته؛ انطلاقا من الذات نفسها، مما يعني أن على الفرد أن يجعل من قوته قوة تؤسس الحقيقة، عندما يطوي الخارج عنه لكي يصبح داخلا فيه.

والحقيقة عندها ، هي استعادة لما سبق أن وقع، ولكن بشكل مختلف. ذلك أنّ التنوّع في تلك الحالة ،هو محرك التحوّل الذي تعرفه الحقيقة، والذي يجعل من الحقائق التي يتمُّ الرَّفع من مكانتها كحقائق، حصيلة ثني واستيعاب قوة لقوة أخرى.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.