احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > من قضايا اللفظ والمعنى بين اللغويين والبلاغيين

من قضايا اللفظ والمعنى بين اللغويين والبلاغيين

١٦ آذار (مارس) ٢٠٠٧بقلم مليكة حفان

تقديم

القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة الذي انبثقت منه كل العلوم والمعارف الإسلامية، فهو الدافع الرئيسي لحفز الهمم وشحذ الأذهان للبحث والتحري والاستقصاء، فبفضله توسعت المدارك وتفجرت العلوم الهادفة إلى خدمته قصد استكشاف تشريعاته ومعانيه وأساليبه، فكان بحق النص المحوري في الثقافة العربية الإسلامية (1) .

فالمتأمل لأشكال الثقافة العربية الإسلامية يلاحظ أن العلوم الإسلامية جميعها لغوية وشرعية "على ما بينها من تفاوت واختلاف في التناول والأداء، وفي عرض الظواهر وتحليلها، وفي استعمال الأدوات والمصطلحات وضبطها وتحديدها، قد جعلت النص القرآني محط اهتمامها ومنطلقا لدراساتها"(2). فما من علم إلا وكان القرآن الكريم المحور الذي يتحرك حوله وبوحي منه، سعيا إلى فهم نصوصه والتعبير عن حقائقه، فالنحوي ينظر إلى القرآن من جهة ما تضمنه من قواعد النحو ومسائله وأصوله وفروعه وخلافاته، واللغوي ينظر إليه من جهة ما تضمنه من لغات العرب، والفقيه ينظر إليه من جهة ما تضمنه من أمور فقهية كالطهارة والصلاة والزكاة وأحكامها، والبلاغي ينظر إليه من جهة ما تضمنه من أساليب بلاغية كالحقيقة والمجاز والتشبيه والكناية والتورية والاستعارة.

وإذ غدا القرآن الكريم منطلق كل المجهودات الفكرية والعقائدية للمسلمين، وقطب الرحى الذي تدور حوله مختلف العلوم والدراسات، كان لابد لهذه العلوم أن تتداخل وتتواصل فيما بينها، ويفيد بعضها البعض الآخر في تكامل مثمر، انعكس أثره على كل فروع الثقافة العربية الإسلامية بالثراء والخصوبة، مما يجعل ميدان البحث في أي علم من هذه العلوم ميدانا فسيحا ومتشابكا وصعبا، كما كان العطاء فيه خصبا غزيرا. فلم تكن العلوم اللغوية على سبيل المثال مستقلة أو منفصلة عن غيرها من العلوم، بل كانت من المقدمات الضرورية للمفسر والأصولي والمتكلم والبلاغي، وقد تأثرت في المقابل بمناهج الفقه والكلام والفلسفة والأصول الخ. فالحدود الفاصلة بين البيئات العلمية ليست حدودا حاسمة تماما، فهناك دائما نقاط التلاقي والتداخل. فاللغويون رغم كل ما يمكن أن يقال عن المناظرات التي دارت بينهم وبين المناطقة، "لم يكونوا بمعزل عن الثقافة الفلسفية العامة، أو المنطق الأرسططاليسي بوجه خاص، ولا أدل على ذلك مما قاله لغويو البصرة ونحاتها من العلل والقياس، أو غيرها من موضوعات الأصول في النحو واللغة...أما المتكلمون فقد كانوا – رغم ثقافتهم الفلسفية الطابع – أصحاب اجتهادات وتأثيرات واضحة في اللغة والنحو وهل كان يمكن للمعتزلة أن يمضوا في تأويل المجاز القرآني دون استناد إلى أساس لغوي مكين"(3). وغني عن القول إن علماءنا القدامى كانوا موسوعيي الثقافة والفكر، إذ كان الواحد منهم على معرفة واسعة باللغة والنحو والبلاغة والتفسير، ولعل وحدة الثقافة العربية الإسلامية في تنوعها قد خلقت في علمائنا ميزة "الشمول الواعي البادي في المد الأفقي لدى العالم المسلم والتخصص البصير بدقائق العلم البادي في التدبر الرأسي لدى ذلك العالم"(4). وقد انعكس هذا التعدد والتنوع المعرفي على كتاباتهم ودراساتهم، فامتازت بخاصية الوحدة في التنوع: تنوع في مادة العلم وموضوعه، ووحدة في الغاية والمنهج، ومن ثم يجب أن تكون قراءتنا لمصنفات هؤلاء العلماء على أساس موسوعي، وأن نراعي ذلك الترابط بين الاختصاصات في ثقافة علمائنا القدامى، وأن نراعي كذلك انتماءاتهم السياسية والمذهبية باعتبار أن الثقافة العربية الإسلامية "لم تكن في يوم من الأيام مستقلة ولا متعالية عن الصراعات السياسية والاجتماعية، بل لقد كانت باستمرار الساحة الرئيسية التي تجري فيها هذه الصراعات"(5). فكل عالم (لغوي أو بلاغي أو متكلم أو أصولي أو ناقد) كان ينطلق من أصول مذهبية وفكرية ويحاول أن ينتصر لها وينقض آراء خصومه ومخالفيه، ولا أدل على ذلك ما كان قائما من صراعات فكرية ومذهبية بين المعتزلة والأشاعرة، انعكس أثرها على دراساتهم النحوية والبلاغية والنقدية.

1- ثنائية اللفظ والمعنى في التراث العربي الإسلامي
إذا كان القرآن الكريم هو النص المحوري في الثقافة العربية الإسلامية، فإن ثنائية اللفظ والمعنى تعد أبرز مبحث تنازعته علوم هذه الثقافة، والسبب في ذلك أن "علاقة اللفظ بالمعنى تمتد إلى أعماق بعيدة تنتظم النشاطات البشرية في المجال اللغوي، من كلام وإبداع ونظم وغير ذلك...فكان لابد أن يوجد مصطلح يمثل جهة اللغة ويعبر عنها وهو (اللفظ)، ومصطلح يعبر عن جهة المضامين وهو (المعنى)"(6).

واللفظ في –أصل اللغة– مصدر للفعل بمعنى الرمي، ويتناول ما لم يكن صوتا وحرفا، وما هو حرف واحد وأكثر، مهملا كان أو مستعملا، صادرا من الفم أولا، ثم خص في عرف اللغة بما صدر من الفم، من الصوت المعتمد على المخرج حرفا واحدا أو أكثر، مهملا أو مستعملا(7). وفي لسان العرب: لفظت الشيء من فمي ألفظه لفظا رميته. يقال أكلت الثمر ولفظت النواة أي رميتها(8). وفي القاموس المحيط: لفظ بالكلام نطق كتلفظ (9).

أما المعنى لغة: فهو ما يقصد بشيء، ولا يطلقون المعنى على شيء إلا إذا كان مقصودا، وأما إذا فهم الشيء على سبيل التبعية فيسمى معنى بالعرض لا بالذات(10). ومعنى كل كلام، ومعناته ومعنيته، مقصده (11).

فالمفهوم اللغوي للفظ أنه ما يتلفظ به الإنسان من الكلام، وللمعنى أنه المقصود باللفظ، فالقصد شرط في اللفظ والمعنى، إذ لو لم يعتبر القصد لا يسمى الملفوظ كلاما.

واللفظ في الاصطلاح هو ما يتلفظ به الإنسان أو في حكمه، مهملا كان، أو مستعملا (12).

وعلى مصطلح أرباب المعاني: هو عبارة عن صورة المعنى الأول الدال على المعنى الثاني على ما صرح به الشريف الجرجاني (13). حيث قال: "إذا وضعوا اللفظ بما يدل على تفخيمه لم يريدوا اللفظ المنطوق، ولكن معنى اللفظ الذي دل به على المعنى الثاني" (14).

أما المعاني فهي الصورة الذهنية إذ وقع بإزائها اللفظ من حيث إنها تقصد منه، وذلك ما يكون بالوضع، فإن عبر عنها بلفظ مفرد سمي معنى مفردا، وإن عبر عنها بلفظ مركب سمي معنى مركبا (15). والمعاني: هي الصورة الذهنية من حيث إنه وضع بإزائها الألفاظ والصور الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى، ومن حيث إنها تحصل من اللفظ في العقل سميت مفهوما (16). والمعنى هو المفهوم من ظاهر اللفظ الذي نصل إليه بغير واسطة (17).

يتضح إذن من خلال هذه التعريفات، أن طبيعة اللفظ والمعنى هو التلازم، فلا وجود للفظ بدون معنى، ولا وجود لمعنى بدون لفظ. فإذا كان المعنى صورة ذهنية فقد وضع بإزائه لفظ هو القصد من تلك الصورة أو هويتها.

وقد أدرك العلماء على نحو جيد قوة الترابط بين اللفظ والمعنى، وأدركوا قيمة المعنى في التعبير، ومكانة الألفاظ حين تنضم إلى بعضها، فالمعنى لا يقوم بغير لفظ، كما لا تقوم الروح بغير جسد، فهما متلازمان تلازم الروح والجسد في الأشخاص يقول العتابي "الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرا، أو أخرت منها مقدما، أفسدت الصورة وغيرت المعنى، كما لو حول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، ولتحولت الخلقة وتغيرت الحلية" (18).

ولأهمية هذه الثنائية في الثقافة العربية الإسلامية، فقد كانت محط اهتمام الباحثين والدارسين على اختلاف بيئاتهم ومعارفهم، فتعددت حولها النظريات وتضاربت حولها الآراء، واختلفت المناهج والمصطلحات من حقل لآخر. ونستطيع أن نقول إن التداخل والترابط الذي تتسم به ثقافتنا العربية الإسلامية، جعل من هذه الثنائية إرثا مشتركا بين جميع البيئات المعرفية، لأن الاهتمام بها كان يستهدف أساسا خدمة النص القرآني، ودراسته وتحليله، فكان لكل بيئة نصيبها من بحث هذه القضية ومعالجتها بما يتناسب وطبيعة المادة الموصوفة.

وإذا كانت هذه الثنائية قد عرفت تنوعا وتوسعا في البحث والدراسة، فإن وجودها داخل حقول معرفية متنوعة، ومعالجتها وفق مناهج ونظريات متباينة لم يتح لهذه الثنائية أن تصبح زوجا اصطلاحيا مفهوميا بحيث "يغدو كل طرف من طرفيه دالا على تصور محدد…ودالا على تصور لازم لعلاقته بالآخر، أو أن يكون حضور هذا الزوج بطرفيه مقترنا بتصور محدد لطبيعة العلاقة بينهما، سواء داخل المجالات المعرفية المختلفة، أو داخل مجال واحد"(19). فقد تعامل المتكلمون مع مشكلة اللفظ والمعنى على نحو يختلف عما كان عليه الأمر مع الأدباء أو النقاد، وتعرض لها الأصوليون في بحوثهم ودراساتهم على نحو آخر يختلف عما كان عليه الأمر مع الفقهاء واللغويين والفلاسفة، فكل بيئة كانت تعرض لهذه القضية وتتناولها من زاويتها الخاصة، وتذهب فيها مذاهب، وتؤلف حولها آراء ونظريات، وإن كان الأساس الذي ترتكز عليه جميع هاته البيئات يكاد يكون واحدا، وهو خدمة النص القرآني حيث هذه الغاية المحور الأساس لمسار جميع العلوم العربية والإسلامية.

وفي تقديري فإن الكشف عما توصلت إليه هذه البيئات -رغم ما بينها من تداخل وتشابك – من إنجازات تتصل بقضية اللفظ والمعنى، يعد خطوة أساسية للكشف عن الأساس النظري المتكامل لهذه الثنائية، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما تصور كل بيئة لثنائية اللفظ والمعنى؟ وما هو العنصر الذي ركزت عليه دون غيره؟ وما أسباب هذا التفضيل؟.

وحيث إن مجال هذه الدراسة لا يتسع للحديث عن كل الحقول المعرفية التي تناولت قضية اللفظ والمعنى بالدراسة والبحث (تفسيرا وفلسفة ونحوا وفقه لغة وبلاغة ونقدا وأدبا وفقها وأصولا)، فقد فضلنا أن نتناول بالدراسة جهود البلاغيين واللغويين الذين كانت لهم نظرات ثاقبة في هذه القضية تنم عن اتساع أفق معرفتهم بدليل ما خلفوه من أبحاث ومؤلفات، وما أرسوه من مبادئ علمية أصيلة بخصوص اللفظ والمعنى، ثم ربط هذه الجهود ومقارنتها بالدراسات اللغوية الحديثة، وبذلك نساهم في إعادة قراءة قضية اللفظ والمعنى تبعا لمعطيات الدراسة الدلالية الحديثة.

2- اللفظ والمعنى عند البلاغيين

نبدأ هذه الدراسة بالبلاغيين، فهم أصحاب الملاحظات الأولى لقضية اللفظ والمعنى التي مهدت الطريق أمام غيرهم من العلماء.

لقد شغلت قضية (اللفظ والمعنى) عددا كبيرا من البلاغيين، فبحثوا العلاقة بين اللفظ ومعناه، ونوع هذه العلاقة، والضوابط التي تحكمها، ولاشك أن أهم ما توقف عنده البلاغيون في دراستهم لهذه العلاقة هو مبحث الحقيقة والمجاز، فقد ميز البلاغيون بين لونين متقابلين من الكلام انطلاقا من الاستعمال العادي للفظة أو الكلمة وهو الحقيقة، والاستعمال غير العادي لها وهو المجاز، وهذا ما عبر عنه الدكتور محمد الحفناوي بقوله "إن الكلمات المستعملة في تعبير ما إما أن تستخدم في دلالاتها الموضوعة لها في اللغة فيكون الأسلوب من قبيل الحقيقة، وإما أن ينحرف المستعمل لتلك الكلمات عن تلك الدلالة الوضعية إلى دلالة أخرى يراها أكثر تمثيلا لمعناه، فيكون الأسلوب حينئذ من قبيل المجاز"(20). فإذا قلنا (جاء الأسد) وقصدنا الدلالة على الحيوان الذي اصطلح على تسميته بالأسد، فإن العلاقة بين لفظ الأسد والحيوان، أو بين اللفظ ومعناه علاقة مواضعة، أما إذا قلنا (جاء الأسد) وكنا نقصد وصف شجاعة (زيد) أو (عمرو)، فإن لفظ (أسد) يدل هنا على المجاز(21). والمجاز كما يعرفه عبد القاهر "كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز، وإن شئت قلت كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع، إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز بها إليه، وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز"(22).

والمجاز باعتباره مصطلحا بلاغيا، يعتبر وسيلة فنية يلتجأ إليها للتحرر من الضيق اللفظي، وللاتساع في المعنى وتعميقه، وإلباسه حلة جديدة غير التي عرفها عند التعبير الحقيقي، لذلك حظي بعناية فائقة من لدن العلماء القدامى من نقاد وأصوليين وبلاغيين لما له من خصائص فنية، أهمها تحميل اللفظ معاني مستحدثة لا يستوعبها اللفظ نفسه في أصل وضعه الحقيقي. ولذلك نجد البلاغين يفرقون بين المعاني الأولى والمعاني الثانية للألفاظ، فالمعاني الأولى هي دلالات اللغة قبل أن تتطور، أو قبل أن يتصرف الأدباء في استعمالاتها، وأما المعاني الثانية فترتبط بالحالات النفسية والاجتماعية التي يعيش فيها المجتمع أو بعض أفراده(23). فإذا تأملنا قوله تعالى ﴿والله محيط بالكافرين﴾(24). نجد كلمة (محيط) تتضمن معناها الأصلي وهو الإحاطة، ولكنها على الصعيد المجازي تحمل دلالة بارزة جديدة، تتعدى معنى الإحاطة التقليدية، فإحاطته تعالى هنا ليست إحاطة مكانية أو جسمية كإحاطة القلادة بالجيدة، أو السوار بالمعصم، وإنما هي إحاطة مجازية مطلقة خارجة عن حدود الإحاطات المتعارفة، فهي "إحاطة ذي القوة بمن ليس له قوة، وذي الحول بمن لا حول له، وكإحاطة ذي الشأن المتعالي، بمن لا يدانيه سيطرة وأعدادا"(25).

وكما بحث البلاغيون في نوع العلاقة التي تربط اللفظ بمعناه، بحثوا كذلك في الألفاظ وهيئاتها والمعاني وأحوالها، وحددوا أوصافا للمعنى وأخرى للفظ. وقل بلاغي لم يعرض لما ينبغي أن يتوافر لكل منهما من أسباب الجودة ومظاهر الإتقان، وتعتبر صحيفة (بشر بن المعتمر) المعتزلي (ت.210هـ) من أقدم النصوص البلاغية التي عالجت قضية اللفظ والمعنى وحددت أوصافا لكل منهما، وأمدت الشاعر والأديب بالتوجيهات التي يسير على هداها في كل حال، ومما جاء في هذه الصحيفة "وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف للفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما كما يفسدهما ويهجنهما...فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت"(26).

ويمكن أن يقال إن صحيفة بشر بن المعتمر قد حددت مجموعة من الأوصاف والشروط لكل من اللفظ والمعنى، يستحقان بها مرتبة الفصاحة والبلاغة. فلا يحسن الكلام حتى يكون قد جمع بين العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة، مع السلاسة والنصاعة والفخامة والشرف، ولعل أهم ما جاء في هذه الصحيفة تلك الفكرة التي صارت فيما بعد حجر الزاوية في مفهوم البلاغة عند النقاد والبلاغيين، ونعني بها فكرة (مطابقة الكلام لمقتضى الحال)، فالعبرة عند (بشر بن المعتمر) ليست بشرف اللفظ ولا بشرف المعنى، وإنما مدار الشرف هو مراعاة المقام والموازنة بين أقدار المعاني وأقدار المستمعين "فتجعل لكل طبقة كلاما، ولكل حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات"(27).

ما يستفاد من كلام (بشر بن المعتمر) و(أبي هلال العسكري) وغيرهما من البلاغيين في هذا الصدد، أن مطابقة الكلام لمقتضى الحال لا تتم إلا إذا وضع المتكلم أو الشاعر في حسبانه الموضوع أو الغرض الذي يتكلم فيه، بحيث يأتي كلامه متلائما معه مسايرا له، كما يضع في حسبانه المخاطب الذي يتوجه إليه بكلامه، فيكيف تعبيره اللغوي وفق الحال التي عليها هذا المخاطب، من علم بالموضوع أو جهل به أو إنكار له. ويمكن القول إن البلاغيين بمفهومهم السابق في رعاية المطابقة لمقتضى الحال قد أغفلوا مصدر الكلام نفسه، وهو المتكلم وما يمكن أن تضطرب به أعماقه "من مشاعر متباينة وأحاسيس معقدة تستحوذ عليه ولا يستطيع الإفلات منها، فيأتي كلامه تعبيرا عن ذاته، وتصويرا لمشاعره الكامنة في باطنه، والواقع أنه لا يمكن إغفال المتكلم أو التضحية به لحساب الموضوع أو المخاطب"(28).

ومن يبن الأوصاف التي حددها البلاغيون للفظ، الجزالة والاستقامة ومشاكلة اللفظ للمعنى، ويقصد البلاغيون بجزالة اللفظ أن لا يكون غريبا نابيا، ولا سوقيا مبتذلا، ومعياره أن يكون بحيث تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها(29).

أما الاستقامة، فأن يكون اللفظ مستقيما من ناحية الجرس أو الدلالة أو التجانس مع قرائنه من الألفاظ، فيلائم اللفظ ما يجاوره، ويتسق مع الألفاظ التي تحيط به من حيث الجرس الموسيقي، ومن حيث مطابقة معناه لمعاني ما حوله من الألفاظ، فيقرن الغريب بمثله، والمتداول بمثله، حتى يكون "العمل الأدبي بناء سليما متسق الأجزاء، متراص اللبنات، تتحقق فيه الوحدة الفنية بين أجزاء العمل الأدبي"(30).

وأما مشاكلة اللفظ للمعنى، فأن يكون اللفظ مشاكلا للمعنى إذا وقع موقعه من غير زيادة ولا نقصان، ولذا أخذ على الأعشى استخدام كلمة الرجل مكان الإنسان في قوله:

اسـتأثر الله بالوفاء وبالـعد *** ل وولى الـملامة الـرجلا (31).

لأن الملامة تتجه للإنسان رجلا كان أو امرأة، ولا تخص الرجل وحده، فذكره الرجل هنا في مكان الإنسان معيب(32).
ومن بين الأوصاف التي ارتضاها البلاغيون للمعنى، الشرف والصحة والإصابة في الوصف. أما شرف المعنى، فأن يقصد الشاعر إلى الإغراب واختيار الصفات الجيدة إذا وصف أو مدح، فإذا وصف وجب أن يكون موصوفه كريما، وإذا تغزل ذكر من أحوال محبوبه ما يمتدحه ذو الوجه الذي برح به الحب(33).

وأما الإصابة في الوصف، فأن يذكر المعاني التي هي ألصق بمثال الموصوف وينأى عن المعاني والصفات المجهولة.
وأما صحة المعنى فيقصد به خلو المعنى من الخطأ، والمقصود به مخالفة العرف اللغوي أو التقليدي الذي تفرضه كل لغة على أهلها في المجاز والحقيقة على السواء، فمن الخطأ الذي سببه الجهل بالعرف اللغوي قول الشاعر:
بل لـو رأتـني أخت جيرانـنا *** إذ أنـا في الدار كأني حـمار(34).

فالعرف اللغوي جار على تشبيه الرجل بالأسد في الشجاعة والقوة، ولذلك عيب على الشاعر تشبيه نفسه بالحمار، فالمعروف أن يشبه بالحمار في البلادة، لا في القوة (35).

ومن الخطأ الذي سببه الجهل بالعرف التقليدي قول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا *** وتسكب عيناي الدموع لتجمدا(36).

بدأ الشاعر فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد فأحسن وأصاب، لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله (لتجمدا)، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن...وغلط فيما ظن. وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين مع أن الحال حال بكاء، ويستراب في أن لا تبكي العين(37).

وهكذا يتضح أن نظرية الفصل بين اللفظ ومعناه، قد سيطرت على البلاغيين كما سيطرت على النقاد، فشرعوا لكل عنصر مقاييس للجودة والرداءة، وحددوا لكل طرف أوصافه الخاصة به التي تزيده بهاء وحسنا، أو قبحا وخشونة، بل لقد توسع البلاغيون في النظر إلى الألفاظ في علاقتها بمعانيها. فهناك اللفظ العذب، واللفظ القوي، واللفظ الرقيق المستحب، وهناك اللفظ النابي القلق المستكره. ومن الألفاظ ما يحسن في الرثاء ولا يملح في المديح، ويستحب في النسيب ويقبح في الرثاء أو الفخر أو المدح. وفي المقابل هناك المعنى العميق، والمعنى الخفيف، والمعنى البعيد، والمعنى السخيف، والمعنى الجزل، فلكل مقام مقال.(38) ولا أدل على هذا التقنين البلاغي لكل من اللفظ والمعنى من قول الجاحظ "أنذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا، وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم دلا متعشقا، صار في قلبك أحلى ولصدرك أملا. والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة وأكسبت الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما زينت وحسب ما زخرفت، فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض، وصارت المعاني في معنى الجواري"(39).

ومن المسائل التي شغلت البلاغيين ضمن قضية اللفظ والمعنى مسألة الفصاحة، وهل هي من عوارض الألفاظ، أم من عوارض المعاني، أم لمجموعهما. أما أنصار اللفظ فاعتبروها من صفات اللفظ وخصائصه، وهو ما يشير إليه كلام ابن سنان "أن الفصاحة على ما قدمنا نعت للألفاظ، إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ، وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف، وبوجود أضدادها تستحق الاطراح والذم"(40). وقد اشترط ابن سنان لفصاحة اللفظ شروطا ثمانية نجملها فيما يلي: أن تؤلف اللفظة من حروف متباعدة المخارج لتكون خفيفة على اللسان، وأن نجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية، وأن تكون اللفظة غير متوعرة وحشية، وغير ساقطة عامية، وأن تكون جارية على الصرف العربي الصحيح في التصريف والاستعمال، وألا تكون الكلمة قد عبر عنها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا أوردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وأن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف، فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت، وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة، وأن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو يجري مجرى ذلك(41).

وقد أنكر عبد القاهر الجرجاني أن تكون الفصاحة من عوارض اللفظ المفرد، لإيمانه بأن فصاحة اللفظ عائدة للمعنى، وأن هذه الفصاحة لا تظهر إلا بضم الكلام بعضه إلى بعض في جملة من القول، أو في نص من النصوص، وما يدل على ذلك أننا نرى اللفظة فصيحة في موضع وغير فصيحة في مواضع كثيرة، ومن ثم فإن المزية التي من أجلها استحق "اللفظ الوصف بأنه فصيح، هي في المعنى دون اللفظ لأنه لو كانت بها المزية التي من أجلها يستحق الوصف بأنه فصيح تكون فيه دون معناه، لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة إنها فصيحة، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها في كل حـال"(42). يربط عبد القاهر مفهوم الفصاحة بالنظم والتأليف والترتيب، ولا شيء من الاعتبار للفظ وحده قبل أن يدخل في هذا النظم الذي ينتظم به المعنى، فالنظم "عمل يعمله مؤلف الكلام في معاني الكلم لا في ألفاظها، وهو بما يصنع في سبيل من يأخذ الأصباغ المختلفة، فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضروب من النقش والوشي"(43).

والحقيقة أن الألفاظ المفردة لا يتصور أن يقع بينها تفاضل من حيث هي ألفاظ مفردة ومجردة دون أن تدخل في تركيب أو تأليف، ولكن ذلك لا ينفي أن للألفاظ المختارة فضل في معنى النظم وجمال التأليف. فالرأي المنصف أن النظم أو التركيب، يحسن بالألفاظ العذبة السلسة، ويقبح بالألفاظ القبيحة الخشنة، ثم إن الألفاظ الحسنة تزداد جمالا وحسنا بحسن موافقتها لما جاورها من الألفاظ، فيكشف التجاور عما فيها من حسن وجمال. ولعل في هذا القدر من الشرح والتوضيح كفاية لإبراز جهود البلاغيين في معالجة قضية اللفظ والمعنى، لننتقل إلى جهود اللغويين.

3 - اللفظ والمعنى عند اللغويين:
نزع اللغويون منزع النقاد والبلاغيين في محاولة عقد الصلة بين اللفظ والمعنى، وبحث طبيعة هذه الصلة، بما يتناسب ومناهج اللغويين واهتماماتهم، فهذا ابن جني يخصص فصلين في كتابه (الخصائص) لمعالجة هذه القضية هما (باب في تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني)(44)، و(باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني)(45). وعن هذه العلاقة الرابطة بين اللفظ والمعنى يقول في باب آخر سماه (في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني) "اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها وأعلاها وأنزهها، وإذا تأملته عرفت منه وبه ما يؤنقك، ويذهب في الاستحسان له كل مذهب بك، وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالخطب أخرى، وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها، وأفخم قدرا في نفوسها"(46).

وعلاقة اللفظ بمعناه عند اللغويين تحتمل أكثر من وجه، فقد تكون نوعا من التطابق التام بين اللفظ والمعنى، بحيث لا يحتمل اللفظ الواحد إلا معنى واحدا، وقد يحتمل اللفظ الواحد أنواعا من المعاني، والمعنى الواحد ألفاظا عديدة، وقد أشار(ابن فارس) في ملاحظة جامعة لأنواع هذه العلاقات بين اللفظ ومعناه بقوله "ويسمى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين، وذلك أكثر الكلام كرجل وفرس، وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو عين الماء وعين السحاب، ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة، نحو السيف والمهند والحسام...ومن سنن العرب في الأسماء أن يسموا المتضادين باسم واحد، سموا الجون للأسود والجون للأبيض"(47). يحدد ابن فارس بهذه الملاحظة علاقة اللفظ بمعناه في مستويات أربعة هي:
1- ألفاظ ذات معاني مختلفة كرجل وفرس وهو أكثر الكلام.
2- اللفظ الواحد يطلق على معاني متعددة ومتنوعة كعين الماء وعين السحاب، وهو ما يسمى بالمشترك اللفظي.
3- ألفاظ متعددة ومتباينة تطلق على معنى واحد كالسيف والمهند والحسام، وهو ما يسمى بالترادف.
4- اللفظ الواحد يطلق على معنيين مختلفين متناقضين كإطلاق لفظ الجون على الأبيض والأسود، وهو ما يسمى بالتضاد.

وقد اختلف اللغويون العرب اختلافا واسعا حول وقوع هذه الظواهر اللغوية التي تؤطر العلاقة بين اللفظ ومعناه، فأنكر فريق منهم وجودها في اللغة، وأثبتها فريق آخر.

فبخصوص قضية الترادف فقد اختلف اللغويون العرب اختلافا واسعا حول وقوعها في اللغة فأنكر فريق منهم وجودها وأثبتها فريق آخر. والواقع أن هذا الاختلاف بين اللغويين مرده إلى خلاف مذهبي بين الفريقين حول موضوع (نشأة اللغة). فقد انقسم علماء اللغة القدماء حول هذه النشأة إلى فرقين: فريق يمثله (ابن فارس) ويذهب إلى أن اللغة توقيف ووحي، وفريق آخر يمثله (ابن جني) ويذهب إلى أن اللغة تواضع واصطلاح. والقول بتوقيفية اللغة معناه أن الله تعالى قد أوحى لآدم وأوقفه على أسماء الأشياء كلها بكل اللغات مباشرة أو بواسطة بعد أن علمه النطق(48). ودليلهم على ذلك قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة﴾(49). ومعنى علم الله آدم الأسماء كلها، أي علمه هذه اللغة المألوفة لدينا، ومن ثم فالعلاقة بين الألفاظ ومعانيها هي من وضع الله تعالى ووحيه، ويستشهد ابن فارس على صحة مذهبه بتفسير(ابن عباس) للفظ (الأسماء) في الآية بقوله "فكان ابن عباس يقول علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس، من دابة وأرض وسهل وجبل وجمل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"(50).

أما نظرية الاتفاق أو المواضعة، فمؤداها أن اللغة ابتدعت واستحدثت بالتواضع والاتفاق، ومن ثم فالعلاقة بين الألفاظ ومعانيها علاقة اتفاقية تقوم على ما يتفق عليه الناس، أو يصطلحون على استخدامه، وذلك "كأن يجتمع حكيمان فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منهما سمة ولفظا إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غيره...فكأنهم جاؤوا إلى واحد من بني آدم، فأومأوا إليه وقالوا إنسان، إنسان، إنسان، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق"(51).

وقد كان لهذا الموقف من أصل اللغة أثر كبير في تحديد موقف كل فريق من قضية الترادف، فأصحاب التوقيف ينكرون وجود الترادف في اللغة، ومن هؤلاء (أحمد بن فارس) (ت.395هـ) ويعبر عن هذا الرأي بقوله "والذي نقوله في هذا، أن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات"(52). فحمل الترادف على الوصف، فجعل ألفاظا مثل المهند والحسام صفات تدل على خصائص السيف، لا على السيف نفسه، ولكل صفة منها معنى خاص يخالف معنى الصفة الأخرى. ولا ينطبق هذا على الأسماء وحدها، وإنما يشمل الأفعال كذلك، نحو معنى ذهب وقعد وجلس ونام ورقد، فلكل فعل معنى خاص متفرد، وإذا شارك فعل فعلا في جانب الدلالة خالفه في جانب، وهذه المخالفة تجعله فعلا آخر ذا مدلول آخر. ويوضح (ابن فارس) هذا الموقف من الترادف بقوله "ففي قعد معنى ليس في جلس، وكذلك القول فيما سواه، ألا ترى أنا نقول (قام ثم قعد) و(أخذه المقيم والمقعد) و(قعدت المرأة عن الحيض)، ونقول للناس من الخوارج (قعد)، ثم نقول (كان مضطجعا فجلس) فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون (الجلوس) لأن (الجلس) (المرتفع)، فالجلوس ارتفاع عما دونه، وعلى هذا يجري الباب كلـه"(53).

وتعود الأسباب الحقيقية لإنكار الترادف عند ابن فارس إلى إيمانه بتوقيفية اللغة واعتبارها إلهية المنشأ، فالله تعالى قد سمى الأشياء بأسمائها، فسمى كل شيء باسم واحد وليس أكثر، لأن تسمية الشيء بغير اسم واحد يدل على تعدد الواضع، وهذا يتنافى مع حكمة الوضع. فاللغة عند ابن فارس وضعت ناضجة بتاركيبها النحوية، وأوزانها الصرفية، مما قاده إلى نفي التطور والتجدد، وإغلاق باب الابتكار، واعتبار اللغة العربية أفضل اللغات، وبذلك حرم الوضع على الناس حفاظا على دلالات الألفاظ الأولى، وخوفا على المعاني من الاختلاط والضياع(54).

أما المثبتون للترادف فيرون أن أهم ما تتصف به لغتنا العربية تعدد المفردات الدالة على معنى واحد، وهذا ما وسع في طرق استعمالها، وجعلها تحتل الصدارة في التعبير، وفي توسيع دائرة التواصل، واحتجوا لوجودها بأن جميع أهل اللغة "إذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا هو العقل، أو الجرح قالوا هو الكسب، أو السكب قالوا هو الصب وما أشبه ذلك، وهذا يدل على أن اللب والعقل عندهم سواء، وكذلك الجرح والكسب والسكب والصب وما أشبه ذلك"(55). والقول بتعدد اللفظ للمعنى الواحد يتوافق مع النظرة الاصطلاحية للغة، فإذا كانت اللغة قد استحدثت بالتواضع والاتفاق، أي ما يتفق عليه الناس من ألفاظ إذا اجتمعوا فاحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فلا مانع أن يجتمع حكيمان أو أكثر في مكان ما، فيتواضعون على لفظ لمعنى ما، ويجتمع آخرون في مكان آخر فيتواضعون على لفظ آخر للمعنى نفسه. فنظرية الاصطلاح لا تتعارض مع إعطاء المعنى الواحد أكثر من اسم واحد لتعدد الواضع للأسماء.

وإلى جانب قضية الترادف، نجد قضية الاشتراك اللغوي التي لفتت أنظار علماء اللغة القدامى كظاهرة لغوية تتصل بعلاقة اللفظ بمعناه، وحدها "أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة، فتبحث عن أصل كل اسم منها، فتجده مفضي المعنى إلى معنى صاحبـه"(56).

وتعدد معاني اللفظ ظاهرة لغوية نجدها في جميع اللغات الشائعة، لأن منشأها وسبب وجودها في اللغة هو تنوع الاستعمال الذي يدفع حتما إلى تنوع المعنى، وذلك إما لتفاوت البيئة اللغوية، وإما لاختلاف المستعملين، ولا خلاف بين اللغويين حول وجود المشترك اللفظي في اللغة، وإن كان هناك من العلماء من لا يقر بوجوده إلا على نطاق ضيق، وحجتهم في ذلك أن الألفاظ إنما وضعت أصلا لتحديد المعنى وفهمه، فإذا وضع لفظ لمعان كثيرة حدث الإبهام وقلما يفهم المراد منها، ومن هؤلاء اللغويين (ابن درستويه) (ت.347هـ) الذي يقول "لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين أو أحدهما ضد الآخر، لما كان ذلك إبانة بل تعمية وتغطية، ولكن قد يجيء الشيء النادر من هذا العلل...فيتوهم من لا يعرف العلل أنهما لمعنيين مختلفين وإن اتفق اللفظان...وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف أو اختصار وقع في الكلام، حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع"(57).

فالاشتراك حسب ابن درستويه يعود لأسباب محددة لخصها في ثلاثة هي: اختلاف اللهجات، وعدم إدراك السامع للفروق الدلالية بين الكلمات، أو بسبب الحذف أو الاختصار في الكلام، وقد وافق الدكتور إبراهيم أنيس من اللغويين المحدثين (ابن درتسويه) في إنكاره معظم تلك الألفاظ التي عدت من الاشتراك، وحمل عددا منها على المجاز "فكلمة الهلال حين تعبر عن هلال السماء، وعن حديدة الصيد التي تشبه في شكلها الهلال، وعن قلامة الظفر التي تشبه في شكلها الهلال، وعن هلال النعل الذي يشبه في شكله الهلال، لا يصح أن تعد من المشترك اللفظي، لأن المعنى واحد في كل هذا، وقد لعب المجاز دوره في كل هذه الاستعمالات"(58).

وعلى العموم يمكن أن نجمل أسباب الاشتراك في اللغة في عوامل كثيرة نقتصر على ذكر بعضها:

1- الاختلاف في اللهجات، حيث تستعمل الكلمة بدلالتين في بيئتين أو لهجتين مختلفتين فينتج تعدد المعنى للفظ الواحد.

2- التغير الدلالي، وهو ما يعبر عنه بالحقيقة والمجاز، حيث يكون للفظ مدلول، ثم يشيع استعماله في مدلول مجازي أو أكثر، وتبقى سائر الدلالات مستعملة.

3- يحدث الاشتراك نتيجة لتغير طرأ على دلالة الكلمة، ويحدث هذا التغيير الدلالي بطريقة مقصودة كما حدث في كثير من "مصطلحات الشرع، حيث يكتسب اللفظ في البيئة الخاصة مدلولا مغايرا عن أصل مدلوله اللغوي، وإن كان متصلا به بسبب. بيد أن هذا المدلول الأخير قد يصبح أكثر شيوعا واستعمالا كما هو ملاحظ في مصطلحات الشرع"(59).

4- التغير الصوتي وهو تغير يصيب أحد أصوات اللفظ مما يجعله يتفق مع لفظ آخر في صورته الصوتية، فينتج عن ذلك لفظ واحد له دلالتان مختلفتان أو أكثر، كما في كلمة (الفروة) تطلق على جلد الرأس والغنى، وأصل الكلمة بالمعنى الثاني (الثروة)، ثم قلبت التاء فاء فيقال فلان ذو فروة وذو ثروة(60).

نكتفي بهذه الأسباب التي أدت لوقوع الاشتراك في اللغة لننتقل إلى قضية دلالية أخرى تؤطر علاقة اللفظ بمعناه عند اللغويين، وهي قضية التضاد، ومعناه أن تؤدي اللفظة الواحدة معنيين مختلفين متناقضين داخل اللغة مثل إطلاق لفظ الجون على الأبيض والأسود يقول رمضان عبد التواب "فعلاقة الضدية من أوضح الأشياء في تداعي المعاني، فإذا جاز أن تعبر الكلمة الواحدة عن معنيين بينهما علاقة ما، فمن باب أولى جواز تعبيرها عن معنيين متضادين، لأن استحضار أحدهما في الذهن يستتبع عادة استحضار الآخر"(61).

وقد اختلفت وجهات نظر العلماء حول التضاد، كما سبق وأن اختلفوا حول الترادف والمشترك اللفظي، ما بين مقر لوجوده ومنكر لوقوعه، وأغلب علماء العرب القدماء أقروا بوجوده، واعتبروه خاصية مميزة للغة العربية عن غيرها من اللغات، ويعد ابن الأنباري (ت.328هـ) من أهم المثبتين للتضاد في اللغة العربية، ويبدو ذلك جليا من خلال كتابه (الأضداد) الذي ضمنه ما يقرب من أربعمائة كلمة، حيث يقول "إن كلام العرب يصحح بعضه بعضا، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر"(62). وكأن ابن الأنباري يخشى وقوع الغموض والإبهام في المعنى بسبب إطلاق لفظين متضادين على المعنى الواحد، لأن الهدف من وضع الألفاظ إنما هو الإبانة عن المعاني، وهذا ما يستند إليه منكرو التضاد في اللغة، ولذلك يشير ابن الأنباري إلى دور السياق في تحديد المعنى كما في قول الشاعر:
كل شيء ما خـلا الموت جـلل *** والفتى يسعى ويلهـيه الأمـل(63).

فكلمة الجلل في البيت تطلق على الشيء العظيم، وعلى الشيء اليسير، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد من الكلمة. يقول ابن الأنباري "فدل ما تقدم قبل (جلل) وتأخر بعده، على أن معناه: كل شيء ما خلا الموت يسير، ولا يتوهم ذو عقل وتميز أن (الجلل) هاهنا معناه عظيم"(64).

وكما أنكر ابن درستويه قضية الاشتراك في اللغة، أنكر كذلك ورود التضاد في العربية، وأن تكون لفظة واحدة لشيء وضده حيث يقول "النوء الارتفاع بمشقة وثقل، ومنه قيل للكوكب قد ناء إذا طلع، وزعم قوم من اللغويين أن النوء السقوط أيضا، وأنه من الأضداد، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا إبطال الأضداد"(65). وكما وافقه الدكتور(إبراهيم أنيس) في موقفه من قضية الاشتراك، نجده يوافقه كذلك في موقفه من قضية التضاد، حيث أنكر وجوده بالكثرة التي ذهب إليها (ابن الأبناري) وغيره من العلماء، ذلك أن كثيرا من الأمثلة التي ظن هؤلاء العلماء أنها من قبيل الأضداد، يمكن تأويلها على وجه آخر يخرجها عن هذا الباب، فمثل هذه الكلمات "لو غربلت وبحثت بحثا علميا صحيحا، لانتهى الأمر إلى أن ما يصح أن يسمى منها بالأضداد لا يكاد يعدو عشرين كلمة"(66).

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فإن التضاد – أو شبه التضاد – قضية لغوية موجودة ومازالت تحتل مكانا في الدرس اللغوي، وقد أرجع العلماء نشأة التضاد في العربية لعوامل كثيرة نذكر منها:

1- اختلاف اللهجات، وذلك أن تستعمل إحدى اللهجات كلمة بمعنى، ثم تستعمل لهجة أخرى الكلمة نفسها في المعنى المضاد، وعند جمع اللغة لم يفرق اللغويون بين اللهجات فوقع التضاد.

2- وقد ينشأ التضاد عن أسباب اجتماعية، كالتشاؤم والتفاؤل والحسد والتهكم وغير ذلك، فقد يتشاءم الإنسان من ذكر كلمة، فيحمل معانيها السيئة أو المخيفة على ألفاظ أخرى تدل على الخير والأمل، ومثال ذلك كلمة (المفازة) فمعناها الأصلي النجاة من الهلاك، وجاء إطلاقها على الصحراء، وهي تدل على الهلاك والموت عند العرب من قبيل التفاؤل.

وقد يدفع الحسد إلى استعمال الكلمات في معان متضادة، فيطلق العربي على الفرس الجميلة (شوهاء) وعلى المرأة العاقلة الكاملة (بلهاء)(67).

وهكذا نلاحظ أن بيئة اللغويين لم تأل جهدا في دراسة طبيعة العلاقة بين الألفاظ ومعانيها، والكشف عن بعض جوانبها، وقد حاولوا من خلال معالجة هذه العلاقة إبراز الوظائف الدلالية التي تلعبها قضايا كبرى في اللغة العربية، كالترادف والمشترك اللفظي والتضاد، باعتبارها خصائص فاعلة في تنويع وتوسيع مساحة التعبير في اللغة العربية، التي من خلالها نتمكن من الاستيعاب الكلي للدلالة الشاملة للألفاظ.

4 الأثر المذهبي في تصور العلاقة بين اللفظ والمعنى
من الأمور الثابثة التي لا مراء فيها أن القرآن الكريم أصل لجميع العلوم العربية الإسلامية، انطلقت منه للكشف عن وجوه إعجازه الذي كان الدافع إليه في بعض الحالات، رد مزاعم الطاعنين، وجلاء الحقيقة أمام المشككين الذين خفيت عنهم أسرار بيانه ولطائف نظمه. وأهم ملاحظة تستوقفنا عند هذه الدراسات التي قدمها علماؤنا عن قضية اللفظ والمعنى، نظرية الفصل التي سيطرت عليهم في تصورهم لها، حيث أخذ البحث عندهم اتجاهين متوازيين، أحدهما اهتم باللفظ والصياغة، والآخر وجه عنايته للمعاني وأحوال التراكيب، ومما يعزز هذا الرأي أن الأصوليين وهم "الذين أعطوا أكثر من غيرهم صورة ناضجة عن دراسة المعنى، كانوا يرون أن كل وصف لساني يجب أن يضع في الاعتبار تقديم المعنى المتعلق بقصد المتكلم على محتوى القضية التي يحملـها"(68).

فإذا تتبعنا آراء العلماء على اختلاف بيئاتهم العلمية نجد فكرة الفصل سائدة ومسيطرة في تصورهم منذ البداية، وفي مقدمة هؤلاء الجاحظ باعتباره أول بلاغي وناقد أثار جدلية اللفظ والمعنى(69). بقولته المشهورة "المعاني مطروحة في الطريق" وقد زكى عبد القاهر الجرجاني هذه النظرية بقوله "وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحق لا تطلب اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك وإزاء ناظرك"(70).

وإذا انتقلنا إلى بيئة اللغويين والأصوليين، فإن هذا الفصل يظل مسيطرا وسائدا كذلك يقول ابن جني "إن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها...فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرا في نفوسها"(71)، أما الغزالي من الأصوليين فيقول "فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك...ومن قرر المعاني أولا في عقله ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى"(72).

وفي الحقيقة إن هذا التفضيل للمعنى على اللفظ، أو اللفظ على المعنى، ليس سوى انعكاس لخلاف جوهري مذهبي، فمعظم هؤلاء العلماء على اختلاف بيئاتهم العلمية، كانوا يتوزعون بين أشهر مذهبين كلاميين عرفهما التاريخ الإسلامي، وهما المذهب المعتزلي والمذهب الأشعري، فكان كل عالم من هؤلاء العلماء وهو يحدد موقفه من قضية اللفظ والمعنى، ينطلق من أصول مذهبه الكلامي ويحاول أن ينتصر لآراء هذا المذهب، وينقض آراء خصومه ومخالفيه. ومن ثم فإن هذا التفضيل للمعنى أو للفظ، ليس في الحقيقة سوى انتصار للمذهب وأفكاره، وذلك ما سنخصه بالبحث في دراسة مستقلةلاحقا.

وحيث إن قضية الإعجاز عاشت حياتها الأولى في أكناف المتكلمين إذ كانوا يمثلون جبهة الدفاع عن الإسلام بما يثار حوله من شكوك، فإن ثنائية اللفظ والمعنى قد ارتبطت بهذه القضية عند علماء الكلام وأصبحت لصيقة بها، وأصبحت محط اهتمام مختلف العلماء، بل يمكن القول إن قضية اللفظ والمعنى لم تكن لتكتسب أهميتها عند البلاغيين واللغويين، لولا اتصالها بقضية الإعجاز القرآني، التي كانت الشغل الشاغل لجميع البيئات العلمية، فقد ربط هؤلاء العلماء ما بين قضية الإعجاز وثنائية اللفظ والمعنى لكشف أسرار القرآن الكريم وإبراز سر الإعجاز اللغوي فيه، فاهتم الفريق الأول باللفظ والصياغة لإثبات إعجاز القرآن، واهتم الفريق الثاني بالمعاني وأحوال الإسناد لإثبات الإعجاز.

ومهما يكن من أمر هذا الفصل الذي اتسمت به رؤية العلماء العرب القدامى لعلاقة اللفظ بمعناه، فإن القارئ المنصف للتراث العربي الإسلامي، لا يسعه إلا أن ينظر بإجلال إلى ما تركه هؤلاء العلماء، من دراسات لغوية تتصل بهذه الثنائية، فقد نظروا إلى الألفاظ والمعاني وطبيعة العلاقة القائمة بينهما من زوايا مختلفة، وأبعاد متنوعة، مما يدل على أن هؤلاء العلماء الأفذاذ، كانوا يمتلكون وعيا نظريا كاملا عنهما، وكان من نتائج هذا الوعي أن تركوا لنا "مفاهيم ومصطلحات لغوية ونقدية، يقف الإنسان أمامها بكثير من الإعجاب والعجب. فالإعجاب لأن البلاغي العربي ابتداء من الجاحظ في القرن الثالث الهجري، بل ابتداء بسيبويه في القرن الثاني، وانتهاء بالسكاكي في مطلع القرن السابع، لم يغفل جانبا واحدا من جوانب علم اللغة الحديث كما قدمه (سوسير) في بداية القرن العشرين، بل إن الكثير من التطورات الجذرية التي أدخلها التفكيكيون بقيادة (دريدا) فيما بعد على علم اللغة السويسري، كان هؤلاء البلاغيون العرب قد تطرقوا إليها بطريقة أو بأخرى"(73)

5- قضية اللفظ والمعنى بين القدماء والمحدثين
إن الاعتزاز بالتراث لا يعني العزوف عن الاستضاءة والاستفادة مما توصل إليه البحث اللغوي في العصر الحديث، حيث توسع البحث في مجال الدراسات اللغوية وتعددت المناهج في دراسة هذه العلوم بفضل التغيرات التي فرضتها عوامل النمو الفكري فأصبح علم اللغة "في بحثه جميع ما يبحث يصدر عن مبدإ عام أو مبادئ عامة، ويقفو منهجا فردا، ويستهدي وسائل معينة، فدراسته متراطبة متكاملة يسودها روح العلم وأسلوبه"(74). فإذا توجهنا نحو علماء اللغة والأسلوب والنقاد الأوربيين في العصر الحديث، فإن عنايتهم بهذه الثنائية لم تكن أقل من عناية علمائنا، حيث درسوها ووقفوا على مظاهرها.

ونحن وإن كنا لا ننكر أن الدراسة اللغوية في العصر الحديث قد أصبحت أكثر تخصصا وعلمية من سابقاتها عند العرب، إلا أن الدراسات اللغوية العربية القديمة في هذا المجال تبقى رائدة، فقد تطرقت لجميع المواضيع التي تمس ثنائية اللفظ والمعنى بالدراسة والتحليل من قريب أو بعيد. ويبقى للعامل الزمني أثره على التصور الفكري والمنهجي في الدراسات الدلالية الحديثة، فالدراسة اللغوية العربية لهذه الثنائية قديما ارتبطت بخدمة النص القرآني، والبحث عن مواطن الإعجاز فيه، وحماية لغته من اللحن والانحراف. في حين بدأ الاهتمام بدراسة هذه الثنائية (أو ما يسمى علم الدلالة) عند الأوربيين في فترة جد متأخرة عن العرب "فكلمة دلالة(Semantics) ظهرت لأول مرة في الإنجليزية في القرن السابع عشر في كتاب (جون سبنسر) ثم استعملها اللغوي الفرنسي (ميشيل بريل) (M.Breal) بينما يقـول (ليش) إن مصطلح (Semantics) ظهـر لأول مرة سنة 1900م في ترجمـة (بريل)( M.Breal ) وأن مـا قاله (Leach) يحـدد تاريخ استعمال (Semantics) الدلالة باعتباره مصطلحا لغويا"(75).

ويعتبر اللغوي (دي سوسير) رائد الاتجاه البنيوي من علماء اللغة المحدثين، الذين درسوا اللغة باعتبارها بناء اجتماعيا متكاملا تلغى فيه الفروق الفردية، وتحصر الجهود في الظواهر العامة، وبمعنى آخر فإن (سوسير) درس اللغة باعتبارها نظاما يجمع عناصر ترتبط فيما بينها ضمن علاقات معينة، فهو يشبه الدوال والمدلولات، أو الألفاظ والمعاني بالجسم الإنساني الذي يتكون من جسد وروح، أو بالماء الذي يتكون من أوكسجين وهيدروجين، فلو أخذ كل عنصر على حدة لما كانت لأيهما خصائص الماء، يقول (سوسير) "لا يتصور وجود الكيان اللساني إلا باجتماع الدال والمدلول وترابطهما. فإذا تناولنا عنصرا واحدا من هذه العناصر اختفى الكيان وتلاشى، وبدل أن نحصل على شيء مشخص لم نجد أمامنا إلا تجريدا خالصا. ولذلك فنحن نخشى في كل وقت ألا ندرك غير جزء واحد من هذا الكيان، بعد أن سبق إلى وهمنا أننا أحطنا به في كليته"(76). إن ما يريده (دي سوسير) هنا أن الكل ملموس، أما الأجزاء التي يتألف منها الكل، فهي مجردة إذا عد كل جزء في ذاته، وبمعنى آخر فإن عناصر التركيب إذا انفصلت عن بعضها لا تعود تعبر عن خصائص المركب، وهو بذلك يشير إلى اتحاد الدال والمدلول (اللفظ والمعنى) وعدم الفصل بينهما.

وفكرة التأليف بين اللفظ والمعنى وعدم الفصل بينهما واعتبارهما شيئا واحدا متلازما ملازمة الروح للجسد قد نادى به كثير من علماء العرب القدامى، وفي طليعة هؤلاء ابن رشيق بقوله "اللفظ جسم وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته"(78). وكذلك العتابي بقوله "الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرا أو أخرت منها مقدما، أفسدت الصورة وغيرت المعنى كما لو حول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل"(79).

وإذا توجهنا نحو المدرسة الاجتماعية السياقية التي حمل لواءها اللغوي الإنجليزي Firth وجدناه يؤكد على الوظفية السياقية للغة، حيث نظر إلى السياق على أنه جزء أصيل في عملية التحليل اللغوي، واعتبر دراسة البنية اللغوية مقطوعة عن سياقها ذو تأثير واضح على تعدد المعنى وغموضه، وإذا كان الأمر كذلك فإن دراسة معاني الكلمات والألفاظ تتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي ترد فيها، سواء كانت سياقات لغوية أو ثقافية أو عاطفية، حيث يقول "إن الوحدات الحقيقية للغة ليست الأصوات ولا طريقة الكتابة أو المعاني، ولكنها العلاقات التي تمثلها هذه الأصوات والأساليب والمعاني...أي العلاقات المتبادلة أو المشتركة داخل السلسة الكلامية والصيغ الصرفية والنحوية"(80).

ومعنى كلام Firth أن الوصول إلى معنى جملة وإدراكه إدراكا دقيقا واضحا، يرتبط أولا بمعرفة الجملة ذاتها والسياق الذي قيلت فيه. فمثلا إذا أخذنا كلمة good الإنجليزية (هي كلمة حسن بالعربية) فإن لها معاني متعددة حسب السياق اللغوي الذي تقع فيه "فإذا وردت في سياق لغوي مع كلمة (رجل) كانت تعني الناحية الخلقية، وإذا وردت وصفا لطبيب، كانت تعني التفوق في الأداء وليس الناحية الأخلاقية، وإذا وردت للمقادير، كان معناها الصفاء والنقاوة"(81). وهكذا فحسب Firth، فإن كل لفظ يحيل على معنى ما، وهذا المعنى يظل غامضا إلى درجة ما، ولا يتضح إلا عن طريق ملاحظة استعماله في سياق معين، والواقع أن الاهتمام بالمقام أو السياق ضروري للوصول إلى المعنى الدقيق، لأن الكلمة إذا أخذت منعزلة عن السياق لا معنى لها ولا قيمة، وهي محتملة لصنوف من المعاني.

على أن فكرة دلالة السياق ليست وليدة علم اللغة الحديث، وإنما هي فكرة قديمة عرفها علماء المسلمين وفطنوا إليها وسبقوا الأوربيين إليها بعدة قرون، ونحن لا نزعم أن علماءنا الأفذاذ كان لهم وعي نظري كامل بجميع القضايا اللغوية، إلا أن متابعة أعمالهم متابعة متأنية ودقيقة تكشف عما كان لهم من سبق وريادة في مجال الدراسات اللغوية، إذ أدركوا أهمية دلالة السياق في فهم المعنى. يقول السكاكي "لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التشكر يباين مقام الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية، ومقام المدح يباين مقام الذم، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل...وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادقة الكلام لما يليق به وهو الذي نسميه مقتضى الحال"(82). ولو نظرنا إلى ما قاله الأصوليون لوجدناهم من أكثر البيئات العلمية وعيا وفهما لما لدلالة السياق من أثر في إجلاء المعنى، فقد حرصوا على استقراء وجوه الدلالة وعلاقة دلالة الألفاظ بعضها ببعض مضافا إلى ذلك إرادة المتكلم وقصده، فاللغة حسب الأصوليين إنما هي ظاهرة اجتماعية نشأت تلبية لحاجات الإنسان في حياته الاجتماعية(83).

وإذا توجهنا نحو بيئة النقاد المحدثين، فإننا نجدهم قد بحثوا في العلاقة بين اللفظ ومعناه وأدركوا على نحو جيد أهمية المعاني وشدة ارتباطها بالألفاظ، فالمعنى يستلزم اللفظ، واللفظ يستدعي معناه، وهذا ما يؤكده الناقد الفرنسي (دي جورمون) إذ يقول "إن الأسلوب والفكر شيء واحد وإن من الخطأ محاولة فصل الشكل عن المادة"(84). وهذا المنهج الذي اختطه (دي جورمون) هو نفسه الذي ارتضاه نقاد آخرون غربيون وعرب، يقول إبراهيم سلامة "فالمعنى يستلزم اللفظ، واللفظ الدال على معناه لا يفهم وحده فهما تجريديا، وإنما يستدعي غيره، وسواء أجلب اللفظ المعنى، أو جلب المعنى اللفظ، فالتلازم مطلب في كل تعبير منطقي"(85).

هكذا كانت نظرة اللغويين المحدثين لعلاقة اللفظ بمعناه، فهي علاقة عضوية حتمية ملتحمة، فاللفظ والمعنى حقيقتان متحدتان، فالعناية بأحدهما عناية بالآخر، والاهتمام يجب أن يقسم بالتساوي بينهما إذ ليست منزلة المعنى دون منزلة اللفظ والعكس صحيح. وإذا كان أمر ثنائية اللفظ والمعنى عند المحدثين على ما وصفنا، فإن ما يجب الاعتراف به، هو أصالة علماء العرب المسلمين وسبقهم في دراسة هذه الثنائية، وتأسيس نظرية لغوية تشهد بعبقرية العقل العربي، وقولنا هذا لا يعني أننا ممن يلتمسون النظريات الحديثة في التراث، أو يبحثون لها عن أصول بدعوى السبق والريادة، ولكن النظرة الموضوعية النزيهة إلى ما كتبه هؤلاء العلماء حول هذه الثنائية، وكيف تصوروها، وكيف رصدوا مظاهرها، ثم مقارنتها بما قدمه علماء اللغة المحدثين، تثبت أنه لا تكاد توجد قضية لغوية حديثة أو معاصرة لم تتوقف عندها الدراسات العربية الإسلامية قديما. والغريب في الأمر أن كثيرا من الدارسين العرب المحدثين يديرون ظهورهم لهذا التراث العظيم كله، ويقبلون على ما قدمه علماء اللغة المحدثين في أوربا وأمريكا من مفاهيم ومصطلحات معتقدين أن الحداثة لا تتم إلا بتحقيق القطيعة المعرفية مع التراث، والموقف الصحيح يفرض علينا الرجوع إلى التراث والإقبال عليه فهما ودراسة وتحليلا، مع الاستفادة من منجزات الدراسات اللغوية الحديثة، والاستفادة من مناهجها ومفاهيمها ومضامينها.


الهوامش:

( ) مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، نصر حامد أبو زيد المركز الثقافي العربي بيروت، الطبعة الرابعة. 1998م. ص: 9.

(2) دراسات الطبري للمعنى من خلال تفسيره، د.محمد المالكي منشورات وزارة الأوقاف مطبعة فضالة المغرب. 1917هـ/1996م. ص:21.

(3) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، جابر عصفور جابر أحمد عصفور، المركز الثقافي العربي بيروت، الطبعة الثانية. 1992م. ص: 102-103.

(4) دلالة الألفاظ عند الأصوليين، محمود توفيق محمد سعد الله محمود توفيق سعد، مطبعة الأمان مصر، الطبعة الأولى. 1407هـ/1987م. ص: 4.

(5) تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت لبنان، الطبعة الثانية. 1985م. ص: 6-7.

(6) مصطلح اللفظ والمعنى ومستويات التحليل اللغوي عند عبد القاهر، ذ بودراع عبد الرحمان، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، عدد 4: 335

(7) الكليات، أبو البقاء الكفوي ( أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني، ت.1094هـ) تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى. 1412هـ/1992م. ص: 795.

(8) كشاف اصطلاحات الفنون، باب اللام فصل الظاء المعجمة: 3/1296. لسان العرب، مادة لفظ:7/ 461.

(9) القاموس المحيط، الفيروزابادي (محمد بن يعقوب، ت.817هـ) مؤسسة الرسالة، دار الريان للتراث، بيروت لبنان، الطبعة الثانية. 1407/1987م. مادة (لفظ): 902 .

(10) الكليات الكفوي ( أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني، ت.1094هـ) تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى. 1412هـ/1992م. ص: 842.

(11) لسان العرب ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم، ت.711هـ)، دار صادر بيروت. 1374هـ/1955م. مادة (عنا): 15/106.

(2 ) التعريفات، الشريف الجرجاني الجرجاني (الشريف علي بن محمد، ت.816هـ) تحقيق جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى. 1403هـ/1983م. ص: 192.

(3 ) يقصد الشريف الجرجاني صاحب كتاب التعريفات.

(4 ) الكليات، ص: 795.

(5 ) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي (محمد علي بن علي الفاروقي التهانوي، ت.1158هـ) دار صادر بيروت.: 3/1084.

(6 ) التعريفات: 220.

(7 ) الكليات: 842.

(8 )الصناعتين في الكتابة والشعر: أبو هلال العسكري (الحسن بن عبد الله، ت.395هـ) تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى. 1401هـ/1981م.ص: 179.

(9 )اللفظ والمعنى بين الإديولوجيا والتأسيس المعرفي للعلم: طارق النعمان، سينا للنشر، الطبعة الأولى. 1994م. ص: 7.

(20)أضواء على الفكر البلاغي، البيان: محمد الحفناوي، مكتبة الزهراء.1988م.
ص:35

( 2)أسرار البلاغة في علم البيان: الجرجاني (أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمان محمد، ت.
471هـ) تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة بيروت لبنان. ص: 303-304.

(22) المصدر نفسه: 304.

(23) المدخل إلى دراسة البلاغة العربية، السيد أحمد خليل دار النهضة العربية. 1968م.ص: 171-172.

(24) سورة البقرة، الآية:18.

(25) مجاز القرآن، خصائصه الفنية وبلاغته العربية محمد حسين علي الصغير، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، الطبعة الأولى. 1994م. ص: 93.

(26) البيان والتبيين الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر، ت.255هـ) تحقيق عبد السلام محمد هارون، ، دار الجيل بيروت لبنان. 1410هـ/1990م. ص:1/136.

(27) الصناعتين ص: 153.

(28) التعبير البياني، رؤية بلاغية نقدية،. شفيع السيد مكتبة الشباب القاهرة. 1977م. ص: 28.

(29) النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر للطبع والنشر الفجالة، القاهرة. ص: 162.

(30)البيان العربي دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب ومناهجها ومصادرها الكبرى: بدوي طبانة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة. 1381هـ/1962م. ص: 308.

( 3) ديوان الأعشى: 174.

(32) خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبد العظيم إبراهيم المطعني: 1/100.

(33) المرجع نفسه: 100.

(34) الشاعر مجهول. الكامل، المبرد: 2 /118.

(35) النقد الأدبي الحديث، غنيمي هلال: 232.

(36) نسب الجرجاني البيت في الدلائل للعباس بن الأحنف وليس في ديوانه.دلائل الاعجاز ص:
268.

(37) دلائل الإعجاز عبد القاهر الجرجاني تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة. الطبعة الثانية. 1410هـ/1989م. ص: 269.

(38) البيان والتبيين: 1/144.

(39) المصدر نفسه: 1/254.

(40) سر الفصاحة ابن سنان (عبد الله بن محمد بن سعيد الخفاجي، ت.466هـ) دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى. 1402هـ/1982م. ص: 63.

(41) المصدر نفسه: من 64 إلى 92.

(42) دلائل الإعجاز ص: 400-401.

(43) المصدر نفسه: 359.

(44) الخصائص ابن جني (أبو الفتح عثمان، ت.392هـ) تحقيق محمد علي النجار، دار الكتاب العربي بيروت لبنان. 2/145 وما بعدها.

(45) المصدر نفسه: 2/152 وما بعدها.

(46) المصدر نفسه: 1/215.

(47)الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها: ابن فارس (أبو الحسين بن فارس، ت.395هـ) تحقيق أحمد حسن يسبح، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى. 1418هـ/1997م. ص: 116-117.

(48) مفهوم المعنى دراسة تحليلة، د.عزمي إسلام حوليات كلية الآداب جامعة الكويت، الحولية السادسة، الرسالة الحادية والثلاثون. 1405هـ/1985م. ص: 29

(49) سورة البقرة: الآية: 30.

(50) الصاحبي: 31.

(51) الخصائص: 1/44.

(52) الصاحبي: 97.

(53) المصدر نفسه: 98-99.

(54) نظرات في علم دلالات الألفاظ عند أحمد بن فارس، غازي طليمات مختار حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت الحولية الحادية عشرة، الرسالة الثامنة والستون، السنة الحادية عشرة. 1410هـ/1990م. ص: 54.

(55) الفروق في اللغة، أبو هلال العسكري تحقيق حسام الدين القدسي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان. 1401هـ/1981م. ص: 13.

(56) الخصائص: 2/113.

(57) المزهر في علوم اللغة وأنواعها: السيوطي، تحقيق محمد أحمد جاد المولى/ محمد أبو الفضل إبراهيم/ علي محمد البجاوي، المكتبة العصرية صيدا بيروت. 1408هـ/1989م. ص: 1/385.

(58) دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية. الطبعة الثانية 1963م. ص: 214.

(59) دراسة المعنى عند الأصوليين، طاهر سليمان حمودة الدار الجامعية للطباعة والنشر، الإسكندرية. ص: 87-88.

(60) علم الدلالة بين النظرية والتطبيق، أحمد نعيم الكراعين المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لبنان، الطبعة الأولى. 1413هـ/1993م. ص: 119.

(61) فصول في فقه اللغة، رمضان عبد التواب مكتب دار التراث القاهرة. الطبعة الأولى. 1977م. ص: 336.

(62) الأضداد، ابن الأنباري (محمد بن القاسم، ت.327هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث الكويت. 1960م. ص: 2.

(63) نسبه ابن منظور في اللسان: 11/117 إلى لبيد، وليس في لاميته التي مطلعها:
إن تقوى ربنا خير نفل ٭٭٭ وبإذن الله ريثي وعجل. البيت في أضداد الأصمعي:9.

(64) الأضداد، ص: 2.

(65) المزهر ، السيوطي: 1/396.

(66) دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس مكتبة الأنجلو المصرية. الطبعة الثانية 1963م.ص: 21.

(67) فصول في فقه اللغة، رمضان عبد التواب: 392 .

(69)دراسة الطبري للمعنى من خلال تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمد المالكي، منشورات وزارة الأوقاف مطبعة فضالة المغرب. 1917هـ/1996م. ص: 42.

(70) المرايا المقعرة، نحو نظرية نقدية، عبد العزيز حمودة (سلسلة عالم المعرفة، عدد: 272)، مطابع الوطن الكويت. 1422هـ/2001م. ص: 275

(71) دلائل الإعجاز: 62.

(72) الخصائص: 1/215.

(73) المستصفى في علم الأصول: الغزالي، تحقيق عبد السلام الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى. 1413هـ/1993م. ص: 81.

(74) المرايا المقعرة، ص: 268-269.

(75) علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران دار النهضة العربية بيروت. ص: 19.

(76) علم الدلالة بين النظرية والتطبيق أحمد نعيم الكراعين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لبنان، الطبعة الأولى. 1413هـ/1993م. ص : 89.

(77) محاضرات في علم اللسان العام، فردنا ند دي سوسير، ترجمة عد القادر قنيني، إفريقيا الشرق 1987م. ص: 130.

(78) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: ابن رشيق (الحسن بن رشيق القيرواني، ت.456هـ) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل بيروت لبنان. الطبعة الخامسة. 1401هـ/1981م.
1/124.

(79) الصناعتين: 107.

(80) Papers in linguisticsنقلا عن علم الدلالة بين النظرية والتطبيق: 91.

(81) علم الدلالة، أحمد مختار عمر عالم الكتب القاهرة، الطبعة الثانية. 1988م. ص:
69- 70.

(82)مفتاح العلوم السكاكي: (يوسف بن أبي بكر محمد بن علي، ت.626هـ) تحقيق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان. الطبعة الأولى 1403هـ/1983م. ص: 168- 169.

(83) دراسة المعنى عند الأصوليين: 225.

(84) النقد الأدبي، وليم فان أوكونور، ترجمة صلاح أحمد إبراهيم، دار صادر بيروت لبنان. 1960م ص: 102.

(85) بلاغة أرسطو بين العرب واليونان: إبراهيم سلامة، مكتبة الأنجلو المصرية. 1952م.ص: 380.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.