احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > صمت الفراشات.. قصّ الفراشات

صمت الفراشات.. قصّ الفراشات

٢٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧بقلم عادل الأسطة

"صمت الفراشات" هو عنوان رواية الكاتبة الكويتية ليلى عثمان، وقد أنجزتها في العامين 2004/2005، ما بين الكويت وصنعاء، وصدرت عن دار الآداب في بيروت في العام 2007.

ولا يحتاج دال الفراشة في الرواية إلى إعمال العقل طويلا حتى نعرف مدلوله. الفراشة هي المرأة، والفراشات هن النسوة، وليس تشبيه الإنسان بالفراشة بالأمر الجديد، ففي الثقافات القديمة كانت روح المرء، حين يموت، تطير وتتخذ شكل فراشة، وفي القرآن الكريم آية تشير إلى أن الناس، يوم يبعثون، سيكونون كالفراش المبثوث. وفي أشعار محمود درويش غير مدلول لدال الفراشة. بيروت فراشة حجرية، وزوجاتنا فراشات في " لا تصدق فراشاتنا، لا تصدق إذن صبر زوجاتنا"، والفدائي فراشة، فهو يتسلل إلى فلسطين، ناره، وقد يحترق حين يصلها. وهكذا لا يرى الأدباء في الفراشة، ما قاله المثل فيها: أحمق من فراشة.
وفراشات ليلى العثمان هن النسوة، كما ذكرت. بعضهن يصمتن، ويرضين بما قدر المجتمع لهن، مثل والدة نادية، الشخصية الرئيسية في الرواية، نادية التي تروي ولا تصمت خلافا لأمها التي تصمت، ومثل عائشة الفتاة التي يغتصبها أخوها، ويطلب منها الصمت، فتصمت ثم تنتحر، ومثل إيمان زوجة فيصل شقيق نادية. زينب والدة نادية، وعائشة تلميذة نادية، وإيمان يصمتن، لكن نادية التي يطلب منها أن تصمت، وتصمت لفترة، سرعان ما تروي لتواصل مهنة شهرزاد، علها تتحرر من العبودية وظلم المجتمع، كما حررت شهرزاد رقاب النسوة من سيف شهريار، حين أنسته بقصّها خيانة زوجته مع العبد الأسود. وكما أسرت شهرزاد شهريار بحكاياتها وطريقة قصها، فإن نادية تقص وتأسر، ولا تشعر، وأنت تقرأ الرواية بالملل. إنها، ومن ورائها ليلى العثمان، تواصل السرد الذي بدأته شهرزاد، وتمتع في طريقة قصها.

ونادية فتاة لأب كويتي هو محسن، ولأم شامية من حلب هي زينب، وكان محسن تعرف إليها حين كان يذهب وأهله إلى الشام لفترات محددة يستأجرون خلالها بيتا ويتعرفون إلى أهله. ولم يمانع أهل زينب من تزويج ابنتهم لكويتي، وحين ذهبت معه وأقامت مع أهله غدت واحدة من العائلة، احترمتها العائلة، فاحترمت أفرادها.

ولا يدري المرء كيف وافق محسن على أن يزوج ابنته الشابة نادية من عجوز كويتي كان متزوجا وله أبناء. صحيح أن العجوز غني وله قصر، ولكن الفارق الزمني بينه وبين نادية كبير، فهو في الستين، وهي ابنة سبعة عشر عاما تقريبا. هل هو المال؟ ربما، فوالدة نادية لا تمانع، ذلك أن العجوز غدا سيموت، وسترثه ابنتها.
العجوز لا يتمكن من فض بكارة نادية، ويحضر عبده عطية ليقوم عنه بهذه المهمة، ومن ثم يمارس الحب مع نادية، ويطلب منها أن تصمت على ما حدث وإلا.. وهكذا تصمت، فالجميع يطلب منها أن تصمت، ومع الأيام، وبعد سنوات تحاول نادية الهرب من القصر الذي سجنت فيه، وتفعل وتنجح وتذهب إلى بيت أهلها، وحين يلحق بها نايف العجوز ويهددها تقف أمها وأبوها إلى جانبها، ويصاب العجوز بجلطة فيموت، وهكذا ترث نادية القصر ومال الزوج.

لا تختلف قصة نادية عن قصة ميسون البدوية. وربما تذكر المرء مقولات (يونج) وأتباعه الذين يرون في الحكايات الأدبية صدى لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر، عافت ميسون القصر المنيف والذهب والحرير، وحنت إلى بيت تخفق الأرياح فيه، وإلى لبس العباءة ونقر الدفوف، وتركت الخليفة وطلقته. وربما، اختلفت الأسباب، فنادية غدت زوجة لطاعن في السن، رأى العبد يفض بكارتها أمامه، بل بطلب منه، وحاصرها العجوز وأبعدها عن أهلها، وكان في بيته يمارس الجنس مع الخادمات، وأمامها. وكذلك كان يفعل عطية الذي سيحرره العجوز. وهكذا لا تخلو الرواية من أبعاد معرفية تخص المجتمع الكويتي قبل ستين عاما أو يزيد.

وتقرر نادية أن تتعلم في الجامعة، وتفعل ذلك، وفيها تتعرف إلى الأستاذ جواد الذي يكون متزوجا من أمريكية وله منها ابن، لكنها تقيم في أمريكا، وهو في الكويت، ويريد امرأة يتسلى بها، يتزوج منها بالسر، ويحاول ذلك مع نادية التي ترفض عرضه بشدة، وتوافقها أمها على رفضها. وجواد هذا الذي لا مانع لديه من خيانة زوجته، يخبر نادية أنه سيقتل زوجته لو علم أنها تخونه. كأن ليلى العثمان تريد أن تتحدث عن ازدواجية معايير الرجل العربي، حتى المتعلم وأستاذ الجامعة.

وفي النهاية تميل نادية إلى عطية، لكن المجتمع، رغم أن سيده أعطاه صك حريته، يظل ينظر إلى عطية على أنه عبد. تنسى نادية ما فعله عطية بها ليلة عرسها، وتسامحه ولا تحقد عليه، خلافا لأمها، وتعطيه شقة، وتطلب منه أن يتعلم، وتوظفه في شركتها، ولا تمانع في أن يكون زوجها، وهي التي عرضت عليه أن تزوجه من امرأة أخرى. لكن أمها وأخاها يرفضان سلوكها، ويستغربان منها ما تقوم به: أن تزوره في شقته، فالعبد ينادى ويطيع، ولكن ماذا تفعل نادية الشابة بحاجة الجسد. ماذا تفعل والمجتمع ينظر إلى الأرملة نظرة سلبية؟ وهل تتزوج، هي التي تعلمت، عن طريق الخاطبة؟ وستكون المفاجأة أن عطية هو الذي يرفض الزواج منها، لا لأنه ما زال يرى في نفسه عبدا، بل لأنه منذ الليلة التي فض فيها بكارتها ما عاد قادراً على ممارسة الجنس معها. لقد أصابته العنة.

نادية هي التي تروي، والرواية رواية ترجمة ذاتية مصوغة بضمير الأنا. هل تتناسب إذن والعنوان؟ هل صمتت الفراشات؟ ثمة فراشة ظلت تروي وتروي، على الرغم من تكرارها مفردة الصمت، ومعاناة البطلة وشخصيات أخرى من هذا المرض الذي يفرض عليهن. وتهدي الكاتبة روايتها "إلى كل الفراشات الصامتات المحصورات كالكلمات بين قوسين" وتهديها أيضا إلى فراشة ثانية: إلى "صديقة القلب: هدى بركات، فلا أحد سواك يستحق صمت فراشاتي وألوانها".

وستذكر ليلى العثمان، على لسان بطلتها نادية، عنوان رواية هدى بركات "سيدي وحبيبي"، وسيكون عطية الذي كان عبدا هو سيد نادية وحبيبها. في "سيدي وحبيبي" هناك الديوث أيضا، مثل نايف العجوز، ولازمة الديوث بدأت في الرواية العربية في "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ، ولم تخل منها روايات لاحقة لروائيات مثل ليلى الأطرش وزينب حفني. وفي "سيدي وحبيبي" هناك رجل تحبه المرأة وتعيش معه.

تنهي ليلى العثمان روايتها بالأسطر التالية:

"آآآه يا عطية... كم أغبطك رغم ما أعانيه، فانت الآن السيد الحر الذي يتخذ قراره ببسالة الفرسان، بينما أنا- العبدة- الضعيفة أكمن في سري، وأنتظر من يمنحني شهادة عتقي" (ص286).

فعطية يرفض أن يواصل العلاقة التي أرادتها نادية. هل تريد ليلى العثمان أن تقول لنا: أن الرجل، العبد في مجتمعنا تحرر، في حين أن المرأة، السيدة ليست كذلك، وانها هي العبدة، وأن العبودية ما زالت موجودة في المجتمع العربي، ومقتصرة على المرأة، ما دامت هذه لا تستطيع أن تتصرف وتقرر بمعزل عن الأم والأب والأخ؟ ربما، ولكن هناك رجال في مجتمعنا لا يستطيعون أيضا أن يقرروا في أمور تخصهم، إذ لا بد من موافقة الأهل: الأب والأم، وربما الأخوة أيضا.

بعض فراشات ليلى العثمان واصلن مهنة شهرزاد. سَرَدْنَ، وَرَوَيْنَ بأسلوب عذب جميل. و"صمت الفراشات" رواية تستحق القراءة. إنها لا تبعث على السأم والملل، وهذا هو المهم.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.