أدب الذاكرة وذاكرة الأدب (لجيل ملّ الانتظار..)

، بقلم سلمان ناطور

(1)
شهادة / نص عن الذاكرة والأدب.

أو، كيف يمكن صياغة الذاكرة أدبيا ليصبح الأدب نفسه ذاكرة.

أتحدث عن تجربتي الخاصة في التعامل الأدبي مع الذاكرة في مشروع يتواصل منذ أكثر من ثلاثين عاما، مادته التاريخ الشفوي وأبطاله الجيل الذي عاش النكبة وكان شاهدا عليها وهو يغيب عنا يوما بعد يوم.

نحن لم ننتبه إلى هذا الجيل عندما كان قادرا على السرد والاستذكار. التفتنا اليه عندما صار يفقد الذاكرة وصار يتعامل مع الماضي بكلمات الحاضر، ولذلك فانه هو يتحول إلى موضوع الرواية التاريخية وليس الأحداث التي كان شاهدا عليها.

نترك الحدث للمؤرخين لأن التحقق من الحدث يحتاج إلى مقاييس الحقيقة والصدق والأمانة العلمية، وأما الإنسان الراوي فيوصف بانفعاله ووجدانه ومشاعره.

الإنسان الفلسطيني مزيج من الألم والشقاء والفرح والسخرية، كلها مجتمعة وإذا فقد إحداها فقد قدرته على الحياة.

أدب الذاكرة هو الوصف الجميل لهذا الإنسان.
ذاكرة الأدب هي الصياغة الأجمل لهذا التاريخ.

(2)

عندما بدأت رحلتي مع الذاكرة، لم أفكر بالكتابة. لم أعرف في ذلك الوقت أن ما سيقوله شيوخ تشققت وجوههم من الرحيل ينفع للصياغة الأدبية أو حتى الصحفية المجردة من العواطف، فقد كنت مثل غيري من المتعلمين الذين أرادوا أن يجعلوا كل شيء علميا "عالميزان" والا فهو لا يصلح للتداول، وكنت مثل أبناء جيلي، وهو الجيل الثاني بعد معاصري النكبة، نعتبر أنفسنا أننا نفهم أكثر منهم لأننا تعلمنا أكثر منهم، فنادرا ما كان أحد منهم "يفك الحرف" ولكن نحن كنا "عباقرة زماننا"، وبغبائنا الشديد صدقنا هذا الكلام الرديء، فاعتبرت اللقاء معهم في ذلك الوقت فرصة لمعرفة سيرة حياة هذا الجيل، أو لعل أحدا منهم يجيب على سؤال أرقّني وهو: كيف نجح "أولاد الميتة" في تشريد أحفاد صلاح الدين الأيوبي؟

لم يجبني أحد منهم على هذا السؤال، لأنه يحمل تهمة مبطنة لهم أنهم تقاعسوا في الدفاع عن الوطن. نعم ، جيلنا اتهمهم بالهروب والاستسلام، وكان بيننا من صدق أن الخيانة العربية هي سبب النكبة الوحيد وأن هذا الجيل الذي ولد في الدولة العثمانية وترعرع تحت الانتداب البريطاني، لم يدرك قوة العدو القادم من بلاد التكنولوجيا وعلم النفس التحليلي،فاستسلم أمامه وسلمه وطنه دون قيد أو شرط.

صمت هذا الجيل ولم يتكلم خوفا من تثبيت التهمة أو لكي لا يفتح جراحا عميقة لم تلتئم، وعندما ذهبت اليهم أذهلني صمتهم في البداية ثم كلامهم في ما بعد، وعرفت منهم أن الجريمة لم تترك لهم خيارا سوى النزوح أو الموت، ولأنهم أحبوا العيش فقد تركوا كل شيء ليكسبوا الحياة.

( 3)

قبل ثلاثين عاما عندما طلبت التحدث اليهم امتنعوا في البداية لأن شخص الحاكم العسكري كان يربض على وعيهم:

"أسكت يا زلمة بكرة بيحبسوك أو بيقطعوا عنك التأمين أو بيعملوا مشاكل للولد في الجامعة وما بيعطوه وظيفة."

هكذا كانت تقول زوجته وينظر اليّ الشيخ مشقق الوجه ويصمت ويحدق فيلمع في عينيه بريق كوهج النار ثم يحرك رأسه ويقول:

"يبلطوا الزرقا، أكثر من اللي أخذوه مش راح يلاقوا".

ثم يتكلم وإذا به رواية لها بداية ولا نهاية لها، هي روايته وروايتنا، هي حياته وحياة كل واحد منا. وشيئا فشيئا تنهار الحواجز والجدران والأسوار ويصبح هذا الشيخ تاريخا لشعب ولمكان وفضاء وأرض وسماء.

هذا هو معنى العودة إلى الذاكرة؛ أن تدرك أن ليس هناك ما يعيب بجيل النكبة ، أن هذا الجيل بطولي بكل المقاييس وهو الذي جعلك تأتي إلى الحياة، وهو الذي يمدك بالقدرة على مواصلة الحياة من بعده ليأتي من يواصل الحياة من بعدك.

(4(

لست مؤرخا ولا أبحث عن الحقيقة. أترك الحقيقة للجان التحقيق وللمؤرخين. أنا كاتب يبحث عن وجه آخر من وجوه الحياة، أبحث عن الجميل في هذه الحياة وعن الإنساني وعن الخير وعن السلام ولا يمكن ادراك هذه القيم دون مواجهة نقائضها. كيف أدرك الجميل ان لم أدرك القبيح وكيف أدرك الخير ان لم أدرك الشر، وهل يمكن أن تفهم معنى السلام ان لم تذوت معاني الحرب؟

ذهبت إلى هذا الجيل لا لكي يجيبني على أسئلة التاريخ بل ليقول لي كيف يتعامل هو مع هذا التاريخ، وكيف ينظر إلى الحياة بعد نكبة كهذه. كان يحيرني شيخ يجلس على كرسي خشبي تحت شجرة وارفة ويشير بإصبعه إلى أرضه وبيته على التلّة الأخرى التي يفلحها مهاجر غريب قدم من اليمن مثلا أو أوكراينا ومولدافيا، وهو، هذا الشيخ الطيب، لا يستطيع الدخول إلى الأرض ولا إلى البيت، فكل علاقته بأرضه وبيته هي ذراعه الممدودة صوب البيت ليشير إليه، فقط ليشير إليه. هل هناك أحد يتصور مشاعره وهو ينظر بأسى إلى بيته وأرضه التي تحرثها جرّافة لونها أحمر ويتطاير الغبار من خلفها كدخان المواقد؟

هكذا نصنع أدب الذاكرة، بالكتابة عمن يتذكر، بالنظر إلى غضبه وفرحه. إلى شقوقه وإلى ما شاب أو تساقط من شعره. إلى كفي يديه اللذين سطحهما الشقاء. إلى ظهره الذي يتقوس وإلى عكازه التي أصبحت قدرته الوحيدة على الحركة والتنقل.

هؤلاء هم أبطال هذا الأدب، وهم الذين نتماثل معهم حين نسمع حكاياتهم أو سيرة حياتهم، وفي ما بعد نصنع ذاكرة الأدب ، أي نجمع النصوص التي سجلت هذه الحالات الإنسانية.

بعد سنوات سنصبح نحن أبطال ذاكرة الأدب، نحن الذين نصوغ هذه الذاكرة لتبقى حية ومنها نتعلم ونعلم. هكذا يلتقي جيل أدب الذاكرة مع جيل ذاكرة الأدب، ليشكل الفريقان مجموعة خلق متجانسة ومتحابة يطلق عليها في ما بعد : روح القضية . هذه الروح التي تعني: لا للنسيان، ولا للاستسلام ولا للتنازل عن الحق.

نعم، أدب الذاكرة يرسم مستقبلا أجمل، وسأنظر من هنا إلى عيون كل المشردين هنا وفي الشتات، في المخيم وفي القرية والمدينة وفي حقول القمح وتحت غصون الزيتون وأقول لهم:
" احنا هون ناطرين، ناطرينكم على أحر من الجمر".

هكذا أسمع لغة أهلنا الذين ظلوا في وطنهم وأعطوني شيئا من ذاكرتهم.

(5)

هل كتبنا رواية النكبة؟ وهل للنكبة رواية واحدة؟

لم تكتمل هذه الرواية بعد، ليس لأننا تأخرنا في الكتابة، بل لأن النكبة ما زالت مستمرة، انها لم تتوقف يوما ما لتعطينا متنفسا للكتابة التخيلية أو لننظر إليها، ليس منها بل بعيدا عنها، ولذلك فان كتابتنا تسجيلية وأدبنا تسجيلي ونحن لا نزال في مرحلة التسجيل والجمع والتدوين ومحاولة البحث عن اللغة الأدبية المناسبة. نحن نجمع ونجمع ونتسابق مع الزمن ومع القدر ومع النهايات لكي ننقذ ما يمكن إنقاذه من هذه الذاكرة التي نفقدها يوما بعد يوم، وقد يعيب علينا أساتذة الحداثة وما بعد الحداثة أننا نكبح خيالنا الشرقي ولا ندعه يحلق إلى ما وراء الواقع ليعطي الصورة الإبداعية المتخيلة أو أننا نكتب الشعار أو أننا ندور في فلكنا ولا نخرج منه، ولكن كل هذا في نظر الأساتذة، أساتذة الحداثة، لا بأس. أما المهم فكيف هو الأمر في نظرنا نحن ، أهل القضية؟

نحن لا نحتاج إلى خيال شرقي ولا إلى ما وراء الواقع، فنحن نعيش حياتنا في هذا الشرق بين الواقع والخيال. أحيانا لا نميز بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي، فهل هي الواقعية حقا أن يصير القاتل ضحية وتدان الضحية بارتكاب الجريمة؟ وهل هو خيال أم واقع أن تحشر خمسة ملايين انسان في سجن كبير والحرية المتاحة لهم هي التنقل من زنزانة إلى زنزانة؟

في أفلام السينما التي ينتجها الخيال الغربي الأوروبي والأمريكي قد نرى مشهدا لامراة متقدمة في السن تعبر الحاجز (المحسوم) فيهاجمها كلب وينهش في جسدها وينزف دمها والجنود لا يحركون ساكنا بل ينظرون إلى الكلب بإعجاب أنه أدى مهمته على أكمل وجه.

هل هذا واقع أم خيال أيها المبدع الأوروبي أو الأمريكي؟

سنواصل كتابتنا التسجيلية ما دام هذا هو شكل وجودنا. سنواصل الكتابة لكي نصوغ الرواية ليس فقط عن النكبة، فالنكبة كانت محطة مأساوية في حياتنا، كانت هناك محطات مأساوية أخرى ولكن ليس هذا هو كل ما نملك من تاريخ، ولا نريد أن تكون روايتنا مسلسلا من فصول الموت والانتحار والترحيل فقط، فنحن استمرار لمسيرة طويلة على أرض طيبة وفي وطن معطاء، كان قبل النكبة يعج بالحياة وينبض ثقافة وحضارة.

(6)

في العام المقبل تحل الذكرى الستون للنكبة، هل نذكرها بذرف الدموع والبكاء على الأطلال، كما تعودنا في كل عام؟

في العام المقبل سنذكر فلسطين وشعبها المشرد، سنذكرها منارة للشرق ومحطة للتواصل بين أرض الشام ووادي النيل وبين حضارة البحر وثقافة الصحراء.

سنذكر يافا مدينة الفكر والبيارات وحيفا عروس البحر وعكا والقدس وعنب الخليل.
سنذكر المدينة في فضائلها ومباذلها.

سنذكر بيادر الفلاحين وأغاني الحصاد والثوب المطرز و"طير وهدي ياحمام".

سنذكر فلسطين بما أعطت وبما غنت وبما نسجت وبما صنعت، لكي نضع حدا للفرية الدموية أن "شعبا بلا أرض جاء إلى أرض بلا شعب".

كل هذا في الذاكرة، والذاكرة عشيقة الأدباء والفنانين، أيها الرفاق.

فاذهبوا إلى هذا النبع قبل أن يجف وعندها لا تنفع الندامة.

اذهبوا إلى هذا الجيل الذي ينتظر ولا يريد أن يورثنا هذا الانتظار.

اذهبوا فقد مل الانتظار.

مل الانتظار.


* ألقيت في المؤتمر العلمي الدولي بعنوان "دور التاريخ الشفوي في الحفاظ على الهوية الوطنية"، في المركز الثقافي بمحافظة خان يونس وفندق "بست ايسترن" في البيرة، السبت 2 حزيران 2007


سلمان ناطور

روائي وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف