احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > قراءة في كرنك نجيب محفوظ

قراءة في كرنك نجيب محفوظ

٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠٠٧بقلم راندا رأفت

في حديث لنجيب محفوظ آجراه معه الكاتب عبد العال الحمامصي وضمه في كتاب (هكذا تكلم نجيب محفوظ) يقول " أنا أنتمي أساسا لثورة يوليو ومنتم للإصلاح الزراعي والعدالة الإجتماعية وكل منجزات ثورة يوليو البناءة قريبة إلى وجداني، ولكن في نفس الوقت بجانب إنتمائي لها أتناقض معها في أمرين سلبيات الذين أفسدوها عند التطبيق من جهة، ومن جهة آخرى عدم استكمالها بالديمقراطية، لذلك أنقض الثورة من موضع الإنتماء لا من موضع الرفض، أنتقض اللصوص، أنتقد الإستبداد ...." من هنا يمكن تطبيق هذا الكلام على رواية الكرنك، فهي من الروايات السياسية التي ينتقد فيها نجيب محفوظ الثورة.

في البداية قسم نجيب محفوظ الرواية إلى 4 فصول كل فصل معنون باسم البطل الذي يدور عنه الحديث في هذا الفصل، وهذا التقسيم حسب الأشخاص أنتهجه محفوظ في كثير من رواياته إن لم يكن كلها، فهو الأسلوب المتبع في حديث الصباح والمساء، وحكايات حارتنا، وأولاد حارتنا، وغيرها.
الفصل الأول في الكرنك كان بعنوان (قرنفلة) تلك المرأة الجميلة التي تناهز الأربعين وصاحبة المقهى الذي تدور فيه الأحداث، بدأ الرواية بقوله (أهتديت إلى مقهى الكرنك)؛ لعله اختار المقهى أو كما كما يمكن أن تتوصل إليه من خلال الأحداث أنها حانة ؛ ليعبر عن عشوائية الحالة في البلاد في ذلك الوقت، وللتأكيد على هذه العشوائية قال أن الإهتداء كان (مصادفة).

في هذا الملهي حدث كثير من المواقف الغريبة التي جاءت في سياق الحكي بين قرنفلة والراوي، من هذه الأحداث قصة (عارف سليمان) موظف المالية الذي تحول إلى ساقي وراء البار يقف مترهلا أبيض الشعر، وصل لهذه الحال لأنه عشق قرنفلة إلى حد الجنون وفي نظاق الحكي ( لم تشجعه قط، ولم تكن له موارد تسمح له بالتردد الدائم على الملهى، فامتدت يده إلى إختلاس أموال الدولة .... فقدم للمحاكمة ودخل السجن...) ولم غادر السجن بعد سنوات لم يجد إلا الملهى يذهب إليه.

ثم تطرق نجيب محفوظ إلى الجدل السياسي الذي كان يدور في الشارع المصري وبين العامة، كان ذلك على لسان الأبطال في جلساتهم على المقهي.
فشرح الانطباعات الأولى عن الثورة، ( فيحكي عن عارف سليمان موظف المالية المختلس: أن له زميل وثب على غير توقع إلى وظيفة وكيل نيابة، كان ينقم على الحياة بسببه، حتى أحالته الثورة إلى المعاش فهدأ ثائره وعشق الثورة)، وجاء على لسان أحد الشيوخ رأي مخالف إلى حد ما (لم يكن الماضي-يقصد ما قبل الثورة- شرا خالصا).

ثم يشرح في سياق الأحداث أن الشباب أكثريتهم (يبدأ التاريخ بالثورة مخلفا وراءه جاهلية مرذولة غامضة، أنهم أبنائها الحقيقيين ولولاها لتشرد أغلبيتهم في الأزقة والحواري والضياع، وقد تند عنهم أصوات معارضة يسارية متطرفة أو أخوانية حذرة لكنها لا تلبث أن تضيع وسط الهدير الشامل).
في نفس الوقت يتعرض لحال إمام الفوال الجرسون وجمعة ماسح الأحذية وأمثالهم وما يعانيانه من مرارة العيش ولم يخلو منهم أحد من رواسب الذل والهزيمة والمرارة.

في هذا الفصل كان الشيطان الذي يعكر صفو الأحاديث والقلوب بينهم هو زين العابدين عبد الله، فكانت صورته أنه يشمت في حزن الآخرين، ينتهز أي فرصه لإثبات وجوده، يشكون فيه على أنه جاسوس ينقل أخبار المقهى إلى الساسة، فجاء وصفة على لسان قرنفله ( أنه يبنهب من أجل الطمع والطموح)، فلعله كان يقصد بوجود زين العابدين في المقهى الوجه السيء أو النوايا السيئة لرجال الثورة.
وجاء أيضا على لسان قرنفلة نقد لأحوال الثورة وما فعلته في الناس فتقسم الناس إلى فئات (إنهم أنواع يا عزيزي، منهم من يأخذ لضرورة العيش ولتقصير الحكومة في حقهم، ومنهم الطامحون، ومنهم من يأخذ إقتداء بالأخرين!. وبين هؤلاء وهؤلاء يجن الشباب المساكين)، وقالت أيضا رأيا سياسيا جاء كجملة إعتراضية، لكن واضح أنها تقصد الثورة (ليحيى كل من تريد له الحياة وليمت كل من تريد له الموت!).

وعادة ما تنقلب الراقصة أو الساقطة عند نجيب محفوظ إلى منبع الحكمة التي يريد بثها من خلال ما تقوله، لعل ذلك يرجع إلى أن الراقصة هي الوحيدة التي ترى الرجال على حقيقتهم الكاملة دون أي حجاب.

ثم بدأت أحداث الإعتقالات التي أصابت ثلاثة من أنشط مرتادي المقهى وجميعهم طلبة جامعة، ورغم أن جميعهم ينتمي للثورة، جرى حوار بين مرتادي المقهى ينم عن مآساة الاعتقالات (لا تحقيق ولا دفاع... لا يوجد قانون أصلا)، ثم يحكي عما يدور في الأذهان ( إننا نعيش ثورة يستوجب مسارها تلك الاستثناءات... وأنه لابد التضحية بالحرية والدين إلى حين) وربما يحاول الراوي أن يجد لها حجة أو يقنع نفسه بأن مايحدث شر لابد منه (حقا أن حياتنا تزخر بالآلام والسلبيات لكنها في جملتها ليست إلا النفايات الضرورية التي يلفظها ذلك البناء الضخم في شموخه....) بل أنه لجأ إلى التاريخ كبرهان على مايفكر فيه (هل عرفنا ما كان يعانية سكان الحارة في القاهرة عندما كان صلاح الدين يحقق انتصاره على الصلبيين؟) وليقنع الآخرين يتجه لعصر النبوة (هل تصورنا عصر النبوة في حياته اليومية والدعوة الجديدة تفرق بين الأب وابنه والخ وأخيه والأخ وأخته بالمثل ألا يستحق إنشاء دولتنا العلمية الأشتراكية الصناعية التي تملك أكبر قرة في الشرق الأوسط.. ألا تستحق أن نتحمل في سبيلها تلك الآلام؟!).

لكنه عاد بعد عدة صفحات ليقول (ترددت طويلا بين إنبهاري بالعظمة ومقتي للإرهاب والفزع ولم أدر كيف يمكن أن يتطهر من الحشرات ذلك البناء الشامخ)، وفي موضع آخر يحاول أيضا أن يقنع نفسه بأن ما يحدث لابد له من نهاية فيقول (قلت لنسي مستعيذا من ذكرياتي أن الدناصير استأثرت بالأرض ملايين السنيين ثم هلكت في ساعة من الزمان في صراع الوجود والعدم فلم يبق منها إلا هيكل أو هيكلان)
وتكرر الأعتقال لنفس الأشخاص ثلاث مرات في كل مرة يزاد حالهم سوءا وكانهم أو هم كذلك بالفعل يخضعون لعملية غسيل مخ فيخرجون غير ما دخلوا.
فبعد الإعتقال الأول (عادوا إلى المرح لكن الوجوه تغيرت أضفت على السحن غرابة فضلا عن ذبول واضح في النظرة والحيوية... وأنتشر الحذر في الجو مثل رائحة غريبة مجهولة المصدر).

وأثر الإعتقال الثاني (هزلوا كأنهم خرجوا من مجاعة، لاحت بأعينهم نظرة حزينة وساخرة ورسب في زوايا أفواههم امتعاض راسخ) وتصف قرنفلة حال عشيقها حلمي حمادة ( الذي رجع إلى حضني خيال).

وعند الإعتقال الثالث كان الأصدقاء قد اعتادوا عليه (هل نحزن لأمور تقع بانتظام مثل المشرق والمغرب؟) وجاء الإفراج عنهم إثر هزيمة يوليو 1976 ليخرجوا جميعا محطمين ومات حلمي حمادة أو بالأصح قتل، وفترت العلاقة بين زينب وإسماعيل بعد أن انتهكوا عرضها في المعتقل.
وجاءت نتيجة الهزيمة صدمة وتدهو زائد لأحوال البلاد العربية (فإذا بيوم 5 يونية يستوي في التاريخ هزيمة لقوم من العرب ونصر لقوم آخرين منهم أيضا، أنه جاء ليهتك الستر بين حقائق ضارية وليعلن حربا طويلة المدى بين العرب أنفسهم لا بينهم وبين اسرائيل فحسب)، (وكثيرا انتقلوا من مقاعد الحكم إلى أعماق السجون) ومنهم خالد صفوان مدير السجن الذي أعتقل الأصدقاء، وكان سبب عذابهم.

وهكذا انتهى الفصل الأول (قرنفلة) الذي كان بمثابة الحكاية او القصة الأساسية في الرواية ثم تجيء الفصول الثلاثة الباقية باعتبارها ماوراء الأحداث.
الفصل الثاني بعنوان (إسماعيل الشيخ)، وهو أحد الثلاثة الذين تم اعتقالهم، يحكي للراوي قصة حياته ومنشأة حتى وقت الإعتقالات، وماجعله يتشجع ويروي قصته هو تغيير الأحوال في مصر عقب النكسة، وبتغيير التاريخ يتغير القانون. يحكي إسماعيل عن معتقداته (قد عشت دهرا وأنا أظن أن التاريخ يبدأ بالثالث والعشرين من يوليو، ولم أتجه للبحث عما وراء ذلك إلا بعد النكسة)، وأنه آمن بالاشتراكية المصرية إيمانه بالدين لذلك لم يتزعزع حتى بعد ما حدث له و(لم يتخل عنها بالرغم من أنه يتمنى قطع اليد التي تطبقها).

ويحكي عن تفاصيل اعتقاله ففي المرة الأولى اتهموه بأنه منضم إلى تنظيم الإخوان والدليل طول لحيته، بالرغم من أن لحيته نمت في الفترة التي كان فيها في السجن قبل التحقيق معه، وبعد استمرار حبسه مدة لم يعلمها لأنه كان محبوسا في الظلام قيل له أنه أخذ خطأ لتشابه اسمه مع أحد المطلوبين، وفي الإعتقال الثاني أتهموه بالشيوعية وبعد تهديدة وتعذيبه وحبسة قيل له أنهم أكتشفوا برائته وهم يعتذرون ولكنهم عقدوا معه اتفاقيه أن يكون جاسوسا لهم من أجل الثورة التي يؤمن بها، لكنه لما لم يبلغ عن صديقه حلمي حمادة فتم اعتقاله للمرة الثالثة ولم يخرج إلا بعد النكسة، وبعدها بفترة بدأ يفكر جديا في الإنضام إلى الفدائيين (أفكر جادا في الإنضام إليهم، لا ترجع أهميتهم إلى أعمالهم الخارقة لكن إلى مزاياهم الفريدة التي تمخضت عنها الأحداث، أنهم يقولون لنا أن الإنسان العربي ليس كما يعتقد الكثيرون ولا كما يعتقد هو نفسه ولكنه يستطيع أن يكون معجزة في الشجاعة إذا شاء).
الفصل الثالث بعنوان (زينب دياب) تحكي فيه للراوي عن نشأتها وظروف إعتقالاتها وما نتج عنه الإعتقال من هتك عرضها وبالتالي تعرضها للانحراف فتقول ( يخيل لي أننا أمة من المنحرفين، تكاليف الحياة والهزيمة والقلق تفتت القيم ...) وشعرورها المستمر بأنها قاتلة حلمي حمادة لأنه الذي أبلغت عنه، فهي الآخرى عينوها جاسوسة إجباريا، بالرغم من كل ذلك فمازال لديها أمل في تغيير إلى الأحسن (أنها فترة كالوباء ثم تتجدد بعدها الحياة).
أما الفصل الرابع والأخير فكان بعنوان (خالد صفوان) ذلك الطاغية الذي كان السبب في عذاب كل أبطال الرواية، لم يحك خالد صفوان للراوي كما حدث في الفصول السابقة، لأنه لو حكى للراوي لن يكون في منطق أحداث الرواية، وخاصة أن الرواي لم يحتك به طيلة الحداث فقط سمع عنه، ففضل نجيب محفوظ أن يأتي خالد صفوان نفسه إلى المقهى ليشهد القاريء تدهور حالة بعد النكسة وأنه صار لا شيء، وقد مكث في السجن ثلاث سنوات وصادرت الدولة أمواله. ثم جاء على لسان خالد صفوان يصف تاريخه وحاله لرواد المقهي في كلمات موحزة:

" براءة في القرية.
وطنية في المدينة.
ثورة في الظلام.
كرسي يشع قوة غير محدودة.
عين سحرية تعري الحقائق.
عضو حي يموت.
جرثومة كامنة تدب فيها الحياة".

بهذه الكلمات القليلة استطاع نجيب محفوظ أن يصف حال رجال الثورة أو هؤلاء الذين تولوا تطبيق مبادئها، فجميعهم متمثلين في شخص خالد صفوان خرجوا من فقر القرية وجهل أهلها الذي يصل لحد براءة الأطفال من كل علم، ثم الإنتقال إلى المدينة منبهرا بمعنى الوطن الكبير ومنبهرا بمن يرددون الشعارات الوطنية حتى ينخرطون في الثورة ليصبحون من صانعيها ويحتلوا بعد ذلك كرسي العرش بالتالي لهم كل السلطات على إطلاقها، ليتخيلوا أنفسهم آلهة أو سحرة يرون ما لا يراه الآخرون، فتموت قلوبهم ويتحولون إلى شياطين تحرق كل من يقترب منهم ولو بكلمة.

وعندما يجد القاري تردد خالد صفوان على المقهى يتسائل بضع أسئلة منطقية عن سبب عودته ولماذا لم يختر مكانا آخر لينتظر فيه؟ أهو التحدي أو الاستعطاف أم ثمة قوة خفية آخرى، نجد نجيب محفوظ يبادر بطرح هذه الأسئلة قبل أن يداهمه بها القاريء أو يتهمه بالتقصير في طرح الأحداث.
ثم قدم نجيب محفوظ تفسيرا لمجريات الأمور بعد 15 عاما من قيام الثورة، ولكن ذكاء الطرح أنه جاء على لسان خالد صفوان باعتباره أحد رجال السلطة وقتئذ: (يوجد في وطننا دينيون، هؤلاء يهمهم قبل كل شيء أن يسيطر الدين على الحياة، فلسفة وسياسة وأخلاقا واقتصادا، وهم يرفضون التسليم للعدو ويأبون المفاوضه معه ولا يرضون عن الحل السلمي إلا ما يحقق لهم النصر نفسه، أو انهم ينادون بالجهاد؟...... وقد يقبلون السلاح الروسي وهم يلعنون الروس وبشرط أن يجيء بدون شرط أو قيد، ولعلهم يفضلون حلا سلميا مشرفا يتحقق بتدخل امريكا وينهي علاقتنا بروسيا الشيوعية نهائيا).
(ويوجد يمينيون من نوع خاص، يتمنون التحالف مع أمريكا وقطع العلاقات مع روسيا ويرضون بحل سلمي مع تنازلات لابد منها ثم يحلمون بالتخلص من النظام الحالي، والعودة إلى الديمقراطية والإقتصاد الحر).

(ويوجد شيوعيون _الاشتراكية فصيلة منهم_ يهمهم قبل كل شيء الأيدولوجية وتوثيق العلاقات مع روسيا، ويرون أن خير الوطن لن يتحقق إلا من خلال الأيدولوجية ولو طال الانتظار).

من سمات الكتابة عند نجيب محفوظ يمكن ملاحظتها في قوة اللغة فإلى جانب ما تم اقتباسه من فقرات في الطرح السابق نجد بعض الجمل العبقرية مثلا:

-  يصف مشاعره عندما يرى قرنفلة ( حركت قسماتها الدقيقة جذور ذاكرتي، فتفجرت ينابيع الذكريات..... حلم الأربعينات الوردي.......هكذا مرقت إلى الكرنك بقوة سحر مبهمة وفؤاد طروب.)
-  يشرح حال الناس حيال الثورة ( ألهبهم الظمأ نحو الكأس المترعة بتحديات العالم القديم) .. هنا التركيبة اللغوية والفكرية أيضا شديدة التعقيد حتى انها لتحمل كثير من المعاني، لدرجة التناقض بين المعاني.
-  وفي حملة اعتارضية شعرت بها كأنه يقصد مصر ( هي الحب الذي ينجو من مخالب الواقع ويبقى أملا خلابا).
-  وجاء على لسان زين العابدين (إني أحترم أوباشا ومنافقين وقوادين ومرتشين فكيف لا أحترم حزن من علمتني تقديس الحزن من حزني عليه؟!).

-  وتعقيبا على حال اسماعيل وزيبنب ( إنهما ينتظران ومنذا الذي لا يننتظر؟)

و من الجمل التي طرحها نجيب محفوظ في الرواية ويمك إتخاذها ككلمات مأثورة عنه أو حكم
-  من العبث أن تناقش عاشقا في عشقه.
-  عدو العرب الحقيقي هو العرب أنفسهم.
-  لا شيء يقرب بين الناس مثل العذاب المشترك.

وأيضا لنجيب محفوظ قدرة عجيبة ورائعة على استلهام الحكم والمثال القديمة وكأنه شرب الثقافة المصرية العميقة من منبعها وله ذاكرة عبقرية أحتفظت بها لتخرجها في الوقت المناسب وفي الرواية المناسبة، فيصف جلسه الشيوخ في المقهى ويحكي ما يدور بينهم من حديث متمثل في كم من الحكم والوصفات الشعبية المصرية القديمة مثل (قال حكيم قديم إني أعجب لآل مصر كيف يمرضون وعندهم الليمون) و(الطب الحديث يقرر أن صعود السلم مفيد للقلب)....

كما أن له سمة ملحوظة جدا في كتاباته وهو سرد كم من الأسماء لا يمكن اغفالها والغريب أنه يتعامل مع كل الأسماء بحرفية شديدة وكأنه يعرفهم جيدا واحد واحد اسما وصفة وحسبا ونسبا، فتجده في الكرنك يصف لك في نصف صفحة أو يزيد اسماء رواد مقهى الكرنك وصفاتهم، ثم يبدأ في الرواية شرح كل شخصية.من الشيوخ محمد بهجت ورشاد مجدي وطه غريب، ومن الشباب زينب دياب واسماعيل الشيخ وحلمي حمادة وزين العابدين عبد الله، وإمام الفوال الجرسون ، وجمعة ماسح الأحذية و....

كتبت الرواية عام 1971 تدور أحداثها في 100 صفحة فقط من القطع الصغير، لكنها كانت كثيرة ومتلاحقة أحداثها جذابة، يصعب جدا أن تخرج منها قبل الإنتهاء التام من قرائتها. لعل أكثر عناصر الجذب بالنسبة لي هو شعوي أن ما يقال في الرواية يحدث الآن، فكثير من الأحداث أو الأقوال تنطبق بطريقة أو بآخرى على واقعنا، رغم أن الرواية كتبت في السبعيات من القرن الماضي، فنجده يقول (عجبت لحال وطني، إنه رغم إنحرافه يتضخم ويتعظم ويتعملق، ويملك القوة والنفوذ، ويصنع الأشياء من الإبرة إلى الصاروخ، ويبشر باتجاه إنساني عظيم، لكن ما بال الإنسان فيه قد تضائل وتهافت حتى صار في تفاهة بعوضه، ماباله يمضي بلا حقوق ولا كرامة ولا حماية، وماباله ينهكه الجبن والنفاق والخواء)، وفي موضع آخر يقول: (يا ألطاف الله، إن الألة الجهنمية تطحن وأول ما تطحن أصحاب الرأي والإرادة، فماذا يعني هذا؟!).وقول الراوي (لم نصل إلى مثل هذا الحال في أي عصر من العصور).
كما أن الحوار في الرواية يغلب على صفة الحكي، فكان الحوار أما بين الاشخاص (ديالوج) أو حوارا بين الرواي ونفسه (مونولوج)، وهذه السمة أيضا تتكرر في أعمال نجيب محفوظ.

ومن السمات المتكررة عند نجيب محفوظ قوة الدين عند العامة التدين البسيط الذي يخلو من فزلكة أو ما يمكن أن يطلق عليه فلسفة الجهلة فنجد في الكرنك مثال على ذلك، فجاء على لسان الراقصة قرنفلة تقول ( العلم عند علام الغيوب)، وجاء على لسان أحد الشيوخ ليعلم الناس ماهي الاشياء المفيدة للقلب (وبعد كل شيء وقبل كل شيء قراءة القرآن)، ويستشهد باحداث التاريخ الإسلامي (تصورنا عصر النبوة في حياته اليومية والدعوة الجديدة...)
في النهاية ختمت الرواية بأمنية (أن يمضي الحب على صراط متوازن بلا أنانية من جهة ولا استغلال من الجهة الآخرى، ليتحقق للحب النقاء والبراءة.)

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.