السبت ١١ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم عادل صيام

القلعة ماخور الفسق أم مجمع الأديان؟

طوال الطرق الحجرية الضيقة المتفرعة من القرية الصغيرة أسفل الجبل لم يتكلما بكلمة واحدة
شاب صغير يعمل حارسا لقلعة في الصحراء

إنه يومه الأول وصل لتوه و دخل إلي الحجرة الصغيرة المعدة له بجوار باب القلعة من الخارج يبدو العمل سهلا و غير مجهد علي الإطلاق

كل يوم يأتيه نفس الرجل الأحدب يحضر له الكثير من الطعام يحتفظ بالقليل ليقيت به نفسه طوال اليوم و يدخل الباقي لفناء القلعة – هذا هو كل ما عليه أن يعمل

لم ير مطلقا هذا الشخص الحبيس الذي يدخل له الطعام
بعد مرور أيام قليلة علي عمل الشاب في مكانه بدأ يتململ، فهو لا يعمل الكثير كل يوم فقط يفتح باب القلعة و يضع الطعام و يعيد المفتاح للأحدب الذي يأخذ المفتاح، يذهب، لا يعود سوي صباح اليوم التالي
تساءل الشاب: من الموجود داخل القلعة، و لماذا هو سجين هنا

حاول أن يتسمع أي صوت داخل القلعة، حاول أن يري أي ظل يتحرك لكنه لم يحصل علي أي نتيجة، فدوما فناء القلعة خالي تماما، و أبوابها الداخلية مغلقة في صمت مطبق، و نوافذها تسجن خلفها ظلاما أحلك من ظلام القبور.
حاول الشاب الحارس أن يسأل الرجل الأحدب، فاكتشف أنه لا يتكلم - إن الأحدب أبكم -، بعد أن أخذ الأحدب ألمفتاح و ذهب في صمته، شعر الشاب أن صمت الرجل يسجنه هو ذاته.
- ماذا أفعل هنا أنا ساجن أم مسجون، أنا أحرس من بداخل القلعة أم أن الأحدب يحرسني، أنا أمنع من بالداخل أن يفر إلي الخارج أم أمنع من يرغب في التسلل من الخارج لمن بالداخل ؟؟؟؟
رسم الكثير من علامات التعجب و الاستفهام علي الرمال
- ثم كل هذا الطعام كل يوم، إنه يكفي لعشرة رجال من الذي يأكل كل هذا الطعام، ثم الحمار ، الحمار الذي يكون عليه الطعام، كل يوم حمار جديد، كل يوم أدخل حمارا محملا بالطعام الطعام يأكلونه و لو كان كثيرا، و لكن ألحمار أين يذهب.
ــ لو كان من بالداخل رجالا فلا يمكن أن يمنعهم وجودي من الفرار و لو كانوا رجالا ما احتاجوا حمايتي لهم ,, فمن بالداخل إذن.. نعم نعم هي حظية رجل من أصدقاء الحاكم أو لعلها..... لا لا.. لا يمكن.. هي حظية وزير من الوزراء أو كبير من الكبراء نعم نعم هو يأتيها من باب خلفي يستمتع بها طوال الليل ثم يأخذ الحمار و يركبه ليعود إلي القرية، يا لها من حيلة.. لابد أن أجد هذا الباب الخلفي الخفي.

خرج عليه النهار و هو يدور حول الصور الخارجي للقلعة يبحث تحت كل حجر و يدفع كل جزء في الجدار لعله يجد الباب السري لكنه لم يجد شيئا

جاء الأحدب في موعده اليومي, بادره الشاب لقد عرفت من الذي بالداخل و أود أن أترك هذا العمل أنا لا أقبل أن أكون حارسا لمثل هذا المكان.. لم يبدو علي الأحدب أي انفعال. فهو لا يتكلم، و ربما لا يسمع أيضا.

ضرب الشاب يده برأسه و أخذ المفتاح من الأحدب و دفع الحمار أمامه اخذ القليل من الطعام لنفسه و دفع الحمار داخل القلعة، كعادته حاول أن يسمع أو يري أي شئ دون أن يتلفت و دون أن يرفع رأسه ثم عاد خارجا و أغلق الباب و أعاد المفتاح للأحدب.

ذهب الرجل بينما يواصل الشاب توجيه الحديث له رافعا صوته : نعم أنا عرفت لقد كنت استمع بالأمس إلي صوت الغواني و الموسيقي و صخب الرقص و الضحكات العالية المبتذلة، أنا واثق أنك لن تخبر السيد بما قلت لك، لن تخبره أن أمره افتضح.

في المساء أخذ الشاب يرقص و يلهو في حجرته الصغيرة علي صوت الموسيقي الصادرة من القلعة و هو ينظر للأسوار متمنيا لو يستطيع أن يدخل خلف هذا الصور العالي، آه لو أقدر لكنت رقصت و شربت المدام مع الجوارى الحسان.

هل يوجد حقا فتيات حسان ؟ نعم نعم يوجد حسان ينتظرن شابا وسيما قويا فتيا يذيب قضبان سجنهم البارد و يحيلها إلي لهيب سياط الشوق العنيف، نعم نعم لقد سمعت ضحكاتهن و سمعت الموسيقي الصاخبة.

لا أنا لم أسمع أي شئ و لا يوجد أي أحد بالداخل، و لكن لم كل هذا الطعام؟ و لماذا أنا هنا دوما؟ فقط لان الأحدب لا يقوي علي فتح الباب الكبير للقلعة، لماذا لا أذهب معه كل يوم و أعود كل صباح؟ إذن لابد أن هناك من بالداخل و قد يحتاجني، نعم أكيد قد يحتاج أي شئ، و لكنني هنا منذ أيام طويلة و لم يطلب مني أي شئ.

ربما هم مجموعة من رجال الدين العابدين الزاهدين الباحثين عن النقاء الروحي و الصفاء الذهني جاءوا هنا ليكونوا بعيدين عن ضوضاء المدينة و ثرثرة القرية يفرون من الناس و يأنسون في وحدتهم مع ربهم و توحدهم به.

نعم هم رجال الدين، و لكن أي دين، أظن أني رأيت صليبا علي أحد الأبواب الداخلية، و لكنهم أيضا قد يكونون مجوسا و لذا يحتاجون هذا الحطب و الزيت الذي يحضر مع الطعام، لإشعال نيرانهم التى يعبدونها، و أصوات التراتيل التي اسمعها هذه تبدو كما لو كانت من كلام العرب، و قد يكونون يهودا البوق و النجمة أيضا موجودين.

هل يمكن أن يكونوا كل هذا سويا في قلعة واحدة، لعنة الله عليهم سيبدلون كل الأديان بدين واحد ممزوج من كل الأديان، و لن يبقي أي دين حقيقي دونما العبث بيد الأحبار لن يبقي دين نجا من التحريف، لعنة الله عليهم.

يبدو أنهم يودون التأليف بين المختلفين من المتدينين سيوحدونهم جميعا علي حساب الله رب الدين، أنا لا أقبل أن اشترك في مثل تلك المهزلة بل هو جرم كبير، لم و لن أشارك في مثل هذا التزوير، كيف لي أن أشارك في مثل هذا العمل من قريب أو بعيد، حقا أنني لا أمارس أي دين، و لكنني أعرف أن الدين من عند الله، و لا يصح أن نغير في كل دين لنرضي أهواءنا، إنها أكبر عملية تزوير في التاريخ

و ماذا لو تمكن هؤلاء السادة الأفاضل من أن يتوصلوا لصورة أخيرة ترضي الرب و تجمع كل المتدينين علي دين واحد يجعلهم يعيشون في سلام، و تشيع المحبة و الألفة محل الكره و الغربة بين المتدينين، و يعم الاحترام كل دور الأديان، و يوقف نزيف الدم في كل مكان، ألا يكون هذا عملا جيد، ألا يرضي الرب عن هذا العمل.

أنا شخصيا لا يهمني فلست طرفا في الخلاف، أظن الأمر سيكون فيه الكثير من الراحة للمتدينين، و ينحصر الخلاف بين متدينين و غير متدينين، بدلا من أنه خلاف بين أهل الأديان و بين أهل الدين الواحد بين مذاهب كل دين و بين فرق كل مذهب، و صراع بين كل صراع و صراع

إذا أثمر مجمع الأديان هذا سيختلف الأمر كثيرا و تحل كلمة الحب محل كلمة الحرب و كلمة السلام محل كلمة السلاح.

نعم نعم أنا سأعد لافتة أكتب عليها مجمع الأديان و مبعث السلام و أضعها علي باب القلعة، نعم نعم سأعد اللافتة و أضعها علي باب القلعة كنوع من المشاركة في هذا العمل التاريخي الجليل العظيم.. نعم سأفعل ذلك.

هم رجال طيبون إذن يعملون لخير البشرية، فما الحاجة لكل هذه الغلال قمح و شعير و خبز و أرز و حطب و زيت و غيره و غيره، لا أظن أنهم يفعلون أى شيء جيد، لا بد أنهم قد جاءوا ليمارسوا الابتذال و الفجور مع الغانيات اللاتي بالداخل، نعم نعم هو ذلك، و أنا أقول أنهم يسعون لخير البشرية ما أسفهني و يا لعظم سذاجتى، هم يلهون مع الغانيات، و أنا أجعل منهم قديسين، و أجهز لهم لافتة عن نشاطهم، مكسورة تلك اللافتة على رؤوسهم، يتمتعون بدفء و حنان الغانيات و أنا هنا بالخارج فى الخلاء و البرد، و في النهاية هم رجال دين و أنا بائس مسكين، و لو لم أطع تعليماتهم المقدسة يعتبرونني خارجا على الدين و مجترئا على الله، مغضوب علي، و إن لم أقبّل هذه الأيدي التى اقتطفت من ثمار الملذات ما لم أحلم به لصبوا علي لعناتهم و سلوا علي سياطهم و ربما لن أنجو من نصول سيوفهم.

فاجأه نور الصبح، و وجه الأحدب محدقا فيه بعيونه الجاحظة من خلال النافذة الصغيرة، خرج إليه متثاقلا، متثائبا، رأى التساؤل فى عيني الأحدب، فقال له: نعم لم انم طوال الليل، بسبب تلك الأصوات التى تصدر من الداخل، فقد أذهبت عني النوم.

نظر الأحد ب إليه فى تعجب، و أشار بيده مستفهما هل يتحدث عن داخل القلعة .

أجابه الشاب فى عجل: لا بل من داخل رأسي.
و فى نفس اللحظة أنتبه الشاب، فسأل الأحدب: أنت تسمعني جيدا، كنت أظنك لا تسمع على الإطلاق، فما الذى جعلك لا تستطيع الكلام؟

أشار إلى الأحدب إلى الشاب أن يهم في إنجاز عمله، سحب الشاب الحمار، و دفعه إلى داخل القلعة، و أعاد المفتاح إلى الأحدب الذى تناوله مختطفا، و جرى إلى العربة و تركه واقفاٌ، دون أن يعطيه الفرصة للمزيد من التساؤلات.

و لم يكن الشاب قد أفاق بعد من مفاجأة أن هذا الأحدب الذى لا يبدى أى انفعال عند سماع صوته من الممكن أن تكون لديه القدرة على السمع.

أطرق الشاب متفكرا، ما الذى جعل هذا الرجل على هذه الهيئة، و لماذا يعمل من أجل هذه القلعة، و من الذى يعطيه راتبه، و من الذى يعطيه ثمن ما يحضره كل يوم، و الأهم من ذلك ما الذى جعله لا يستطيع الكلام، أو ما الذى يمنعه من الكلام.كل هذه الأسئلة و غيرها، كانت أجاباتها عند الأحدب، الذى لا يتحدث. فسر الأمر كله لدى هذا الذى لا يتحدث.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى