الأربعاء ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٧
بقلم علي دنيف حسن

أربع كلمات هزت العالم

السلام عليكم

الأستاذ فارس الكافي المحترم

تحية طيبة وبعد:

أستاذي الفاضل لقد كنت معجبة بالقصص القصيرة التي تكتبها وتنشرها هنا وهناك، واعترف أنني أحاول تقليد أسلوبك وكأنني تلميذة لك.

سيدي الكريم لقد كتبت الكثير من القصص، ولم أجد من يقيمها تقييما نقديا للأسف، وأمنيتي أن أرسل لك احدى قصصي لعلك تفعل ذلك، فأنا بحاجة لمن ينصحني ويرشدني، ويضعني على الطريق الصحيح للكتابة، ولن أنسى جميلك ما حييت، إن أنت قمت بهذا العمل، وتقبل خالص شكري وامتناني.

بهذه الرسالة الالكترونية بدأت نسرين علاقتها معي، وهي العلاقة التي دامت لأكثر من ثلاثة أشهر، تبادلنا خلالها شتى المقالات الأدبية والقصص والروايات. أرسلت لي قصتها الأولى، وكانت قصة تأملية خالية من حرارة الحدث، ومع ذلك كتبت عنها دراسة نقدية مكثفة، وأرسلتها لها عبر البريد الإلكتروني، وأرسلت لي قصة ثانية، قرأتها ونبهتها إلى مواطن القوة والضعف فيها، ثم أرسلت إليها بعض دراساتي النقدية المنشورة عن أعمال أدبية لكتاب معروفين ومغمورين.

كنت أجد متعة في قراءة قصصها وتفكيكها ونقدها، حتى أني كنت أقتطع من وقتي الثمين لانجاز هذا الأمر. كانت نسرين وللأسف تتصور أنها الوحيدة التي ترسل قصصها إلي لأبدي رأيي فيها، ولم تكن تعلم أن هناك الكثير من الكتاب والكاتبات يقومون بذلك. وأعترف أن قلبي كان يميل إليها وإلى كتاباتها أكثر من الآخرين، كنت أشعر نحوها ببعض العاطفة أو الحب أو بشعور لا يمكن تسميته أو تحديده بأي حال من الأحوال، حتى أصبحت رسائلها جزء من حياتي، وباتت الأيام التي لاتصل منها رسالة أشد الأيام قسوة وظلاما. لقد أدمنتها ولا أعرف ما السبب؟ أدمنتها على الرغم من أن رسائلها كانت عادية جدا وليس فيها ما يدفعني نحو هذه المشاعر، ولكن هناك شيئا خفيا، شيء لا أعرفه كان يقود مشاعري نحو بهجة لم أكن أعرفها من قبل، ربما كان ذلك بسبب حياتي النمطية والروتين الممل للأيام المتشابهة، ولم أحاول من جانبي سحبها إلى منطقة العواطف والمشاعر الحميمية الدافئة، فقد كنت أخاف عليها من هول الصدمة المفزعة، كنت أنظر بعين العقل والاعتبار لفارق السن ما بيني وبينها، ولهذا حافظت على المسافة ما بيني وبينها، مدركا أن عمر الصداقة أطول في كل الأحوال من عمر الحب، وان الحب المولود من رحم الصداقة عندما يموت فأنه سيقتل حتى الصداقة بموته، فهو مغامرة كبرى غالبا ما تنتهي بخسارة كل شيء. ولذلك بقيت محتفظا بودي لها، مكابرا على ألم البوح والتصريح، خائفا حتى من التلميح البسيط عن ذلك الود الذي يكبر في القلب يوما بعد آخر.

سألتها بعد أسبوع أين تعمل؟ وأين تسكن؟ فقالت إنها تعمل في دائرة حكومية، وإنها خريجة كلية الآداب، وإنها ستكون تلميذة لي مدى الحياة. ولأن أحد أصدقائي كان يعمل في نفس الدائرة التي تعمل فيها ولكن في قسم آخر، بادرت بسؤاله عنها، فوصف لي جمالها ورقة قلبها وعذوبة صوتها، وانتهزتها فرصة ذهبية لأرسل لها بيد ذلك الصديق مجموعة من القصص والروايات، وفوجئ صديقي بترحيبها البالغ به على غير العادة، وعزاه إلى كونه مرسل من قبلي. وأخبرتني برسالة منها، أنها ستسافر إلى خارج البلاد لمدة عشرة أيام، وأنها ترغب في دوام التواصل عبر البريد الإلكتروني، فرسائلي ستكون أنيسها في غربتها ووحدتها هناك. وجن جنوني، إذ شعرت أني سأفقدها هذه المرة إلى الأبد، وخلال هذه المدة كنت اكتم ما في قلبي حرصا وخوفا عليها، ولكن الأقدار لم تكن تعبأ بذلك، فقد انمحت الكثير من العبارات الرسمية التي كنا نتبادلها دائما، وحلت بدلها كلمات أرق وألطف وأكثر وعدا ودفئا. كانت تكتب لي: صباح الورود. فأكتب لها: صباح الياسمين والعسل، وتكتب لي: صباح الأمل، فأكتب لها صباح المستقبل، وأصبحت الكلمات أكثر رقة ونعومة وإغراء بعد سفرها إلى خارج البلاد، على الرغم من أننا لم نتبادل سوى رسائل قليلة جدا. وكانت أول رسالة منها بعد عودتها إلى البلاد تحمل عنوانا صادما: صباح الأشواق!!. وخفت أن أصارحها بحقيقة الفارق بين عمري وعمرها لأني كنت خائفا أن تفقد بهجتها وتصاب بخيبة الأمل.

وفي اليوم التالي أرسلت لي أبياتا غزلية رائعة من الشعر العربي، قالت إنها تحب هذه الأبيات وتود إهداءها لي. فشعرت لحظتها بنوبات من الحزن والفرح العميقين، فرحت لأنها كانت مثلي تعاني من ألم البوح بالمشاعر، وحزنت لأنها ستصطدم بجبل فارق السن بيني وبينها، وستتحطم مثلما تتحطم لعبة زجاجية جميلة، وستكرهني وتلعنني إلى الأبد، وقد ينعكس ذلك على عملها ومستقبلها وحالتها النفسية، ولكن الرسائل أخذت تزداد حلاوة وطلاوة وتعبق بالأريج والمسرات والأشواق والأمنيات وبكل ما هو دافئ وجميل ورقيق. كنت أتخيلها وهي تبني عالما من الأحلام الوردية الرائعة، عالم نعيش فيه نحن الاثنين إلى الأبد تحيط بنا الزهور والرياحين. ومع حمى الرسائل كانت مخاوفي تزداد اتساعا وعمقا. كان الخوف من أن تعرف أن عمري يساوي ضعف عمرها يخنقني إن لم أقل يذبحني في الليل والنهار.

فجأة، اختفت رسائلها من على الشاشة، كتبت لها للاطمئنان على صحتها، وجاء الرد بعد أيام عدة مقتضبا، خاليا من أي دفء ومودة، وانقلبت الأحوال، فبعد أن كنت أجد رسالة دافئة منها كل صباح، بت أنا من يرسل تحية الصباح من دون أن ألقى جوابا، حتى انطفأ كل شيء، ولم أجد أمامي سوى صديقي الذي يعمل معها في نفس الدائرة، فأرسلت لها بيده رواية وتحيات واستفسارات، ولكنها لم تستقبله كما في المرة السابقة، وقال لي انه وجدها شاحبة، ولم يعد في عينيها ذلك البريق، وفقد صوتها رقته وعذوبته الآسرة، كانت مثل شمعة منطفئة بعد ليلة حالمة. وأرسلت المزيد من الرسائل ولم احصل على أية إجابة، حتى بت أفكر فيما عساي قد فعلت، والأسباب الكامنة وراء هذا الانقلاب المفاجئ، ولكني لم أهتد لسبب يعول عليه. ولم أكن قد اقترفت ذنبا بحقها لكي أقدم اعتذاري لها عنه.

ومرت الأيام.. أسبوع.. أسبوعان.. شهر.. شهران كنت خلال ذلك أتخلص من حزني وجراحي ومن تأنيب ضميري الشديد شيئا فشيئا. وعدت أفكر في نشر رواية لي أجلت نشرها بسبب ظروف كثيرة، أخرجت مخطوطتها من المكتبة، وتذكرت أني أهديت لنسرين نسخة منها قبل انقطاعها النهائي عني بيوم أو يومين. وتمددت على أريكة لأتصفح أوراقها، حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة، وهناك خرجت من الظلمات إلى النور ومن الشك إلى اليقين، فضمن سطور عدة تتحدث عن سيرتي الذاتية، كانت هناك أربعة كلمات تقول: ولد ببغداد عام 1957.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى