الأحد ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧
بقلم صالح جبار

عمتي النخلة .

أدركت ان الفرصة لا تتكرر والماضي لا يعود : فعالمها عالم من الاتقاد : إنها لا تعرف غير التواصل الحميم مع الحياة ..

لديها إصرار على البقاء وهي تتربع على قلوب كثيرة ولها ذكريات لم تنطفئ .. تكتب دائما في دفتر ملاحظاتها (يجب أن أبحث عن سري في جميع القلوب ، وأن اخط بملح العين خرائط للحب لا تنتهي ..)

من يقدر أن يصافح الريح .. ؟! حين تنساب في وديان الروح .. ومن يستطيع أن يجمع قطرات الماء ، لما تندلق بين الأصابع ... إنها حكاية الغرابة التي لا تكذب ، ويأكلك الندم حين تصدقها .. !

من يحمل في جنبيه التضاد ؟! ..

عيناها جنيات حقل تسلب الفؤاد من بين مخالب الأضلع .. قلت :

يجب أن ارحل فحبك يجلب الشقاء

ضحكت بملء أشداقها ، وبكت بحرقة :

لماذا تريد ، زرع ألألم في قلبي ؟!

أجبت وقد انحنيت نحو رأسها المتدلي نحو كتفيها :

لن افعل ذلك ..

رفعت رأسها وتشابكت نظراتنا ، وكأننا من زمن بعيد لم تلتقي أعيننا .. شدتني إليها كنت اسمع تنهدا ت صدرها وجذبتني بحرقة وهي تقول :

لكنك تنوي الرحيل

في دوامة المشاعر الجارفة يذوب الصمت ، ويترك ندبة بحشرجة صوتها المتقطع :

لنجعل القران شاهدا ..

صحوت من رقادي ، على صدى لوعتها حين تصافح مسامعي ، وانثيال لهفتها لما تنحني بدون استئذان ...

ليهجع قلبي ، على صوت الفجيعة :

سيدتي .. لماذا تفكرين بهذا الوجع .. ؟ !

لفنا دثار التوهج .. ومضت مبتعدة ، كنت أتابع سيرها ، وهي تمضي نحو باب الدار ، لتختفي بعدها ..

فكرت بالنهوض والجلوس جوار عمتي النخلة ..

منتصبة وسط الدار بجذعها الفارع ، تلمست اثر ( الكرب ) الخشن أحسستها ، تعاني الوحدة

وتشكو لمن يدنوا منها ، ثقل الفراق ..

عمتي الحنون ، احملي ملح دموعي ، خذيه زاد للتبرك ، ولا تبخلي عليه بالرطب .. يا عمتي .. لا أستطيع هزك لكني احلم بالرطب الجني .. من زمن الأولياء الصالحين ، والى ألان ، بقينا نتطلع لقوامك الذي لا ينحني ..

أوقدت شمعة ، عند حافة النخلة ، لعلي أنال مرادي .. لكني لم استطع المكوث فالنخلة تعجز عن الرحيل ، وتبقى دائما ، وسط الدار منتصبة .

مضت أربعين ليلة ، وقفت مذهولا ، في الحوش، فلم تعد النخلة تتوسط الدار ، لقد اقتلعت ، لاشي ء سوى كومة ملح وصحن يحوي ( رطباَ جنيا .. ) فبكيت عمتي النخلة..و جاءت من تخط خرائط الحب تحمل،

(القران) ملفوفا بخرقة خضراء .. جلست قبالتي ، والدموع في عينيها :

- حاولت مسح الدموع بكفي وقلت

- ما يبكيك .. ألا ترين .. النخلة قد رحلت .. ؟!

- بهدؤها الحزين شهقت :

- لقد أصابها المرض .. وأكلت الأرضة أحشءها ..

- لم جئت حاملة القران ..؟

- لأجل أن أقسم لك بان لا ترحل .. كوني على يقين ، فجميعنا على رحيل ..

تقدمت صوبي ، أحسست بحرارة أنفاسها ، تحرق شمع صبري وهي تقول :

- لم اقصد الموت ..

دفعت بقدمي ، ذرات الملح ، المكومة مكان النخلة المقطوعة وشاهدت أثار الشموع ، التي أوقدتها ..

لعلي أحظى بمرادي .. ويتساقط الرطب الجني ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى