الخميس ١٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم بديعة الطاهري

عندما يكذب الكبار

كنت كلما سألت أمي عن موعد دخول أبي إلى البيت ، كانت تقول: بعد قليل.أنتظر ساعة أو ساعتين .أحس بالنوم يدغدغ أجفاني ، ثم أسال أمي مرة ثانية عن موعد وصوله. تخبرني أنه سيتأخر .وكان هكذا يعود كل ليلة إلى البيت ولا أراه إلا صباحا. أتوجه إليه وهو ما يزال مستلقيا في سريره يغط في نوم عميق .تنهرني أمي ، وتأمرني أن أدع أبي ينام، لأنه عاد من العمل منهكا وهو بحاجة إلى الراحة .
وجدتني أمي ذات يوم ألعب بلعبي ، أحدثها فإذا بحديثي عتاب من دميتي إلى زوجها تسأله أن يعود إلى البيت باكرا لأن أبناءه بحاجة إليه. اقتربت مني أمي وقبلتني بحنان، ثم أخذت دميتي،فإذا بها تغير صوتها مقلدة صوت رجل، مجيبة عن عتاب دميتي الأولى :
- تعرفين أنني أكد وأعمل من أجل أبنائي. سأشتري لهم بيتا كبيرا وسيارة فخمة .عليك أن تساعديني وتتفهمي ظروفي بدل عتابي ...
قاطعت أمي قائلة :
- ترى هل سيشتري لنا أبي بيتا أكبر من هذا وأجمل ؟
أجابت :
- نعم يا حبيبتي .

فرحت كثيرا خصوصا وأنني كنت أتقاسم مع إخوتي غرفة واحدة ضيقة، تصطف فيها أربعة أسرة بشكل لا يترك لي مجالا للعب أو التحرك. سرت أحلم بيت أكبر لا يتقاسمه معنا الجيران. بغرفة خاصة بي. واسعة جميلة ذات شرفة تطل على حديقة غناء ..قلت لأمي :
- هل سيشترى لنا أبي فيلا ؟
قالت: إن شاء الله.
- وهل ستكون لنا سيارة ؟
قالت : بإذن الله .
لم أستسغ كلماتها لأنها دوما مرتبطة بالتسويف والتماطل. .فكلما كنت ألح على أمي أو أبي للحصول على شيء ما ، كانا يرددان إن "شاء اللهّّّ" ّ، وّ"بإذن الله" .ولكن شيئا لم يكن يتحقق من وعودهما لي .

بادرتها يومها قائلة : متى ؟
أجابت أمي : متى ماذ؟
-متى سيشتري أبي البيت الكبير؟
قالت : بعد أن يحصل على المال اللازم .
- متى ؟
- بعد أن يعمل كثيرا ؟
- ولكن... منذ سنوات وأبي يعمل حتى الفجر ويغادرنا صباحا.
تغيرت نبرة أمي. وأحسست بحزن يتخلل صوتها .
- قريبا إن شاء الله.
- متى؟

نهرتني أمي وطلبت مني أن ألزم الصمت وأكف عن ملاحقتها بأسئلتي البليدة. فإذا بعينيها تقتحمهما سحابة دموع حاولت إخفاءها .
ذات يوم شاهدت أبي بصحبة امرأة جميلة كتلك اللواتي كانت تشاهدهن أمي في الأفلام المكسيكية .أخبرتها .وسألتني وهي جد متوترة : -متى كان ذلك؟
- وأنا عائدة من المدرسة مساء .
قالت أمي : تلك مديرة أعماله .

تكررت رؤيتي لأبي بصحبة جميلات، كلما سألت أمي عنهن أخبرتني أنهن عميلاته .فكبر حلمي بالبيت الكبير الفاخر، والسيارة الجنونية .وكلما طلبت منا المعلمة كتابة مقطع وصفي، تفننت في وصف سيارتنا وغرف بيتنا المستقبلية .
دخلت ذات يوم البيت ،فوجدت أمي تجمع لوازمه في علب كرتونية كبيرة .سألتها عن السر.
أجابت : سنرحل من البيت ..سنبيعه.
هللت فرحة .وصرت أتنقل بين الغرف الثلاث الضيقة .أخيرا سنذهب إلى الفيلا .التفت إلى أمي فإذا بدموعها على خدها .سألتها :
- لما تبكين يا أمي؟
لم أنتظر إجابتها وقلت : إنها دموع الفرح. لقد حدثنا عنها اليوم الأستاذ. وطلب منا أن نكتب عن موضوع حول دموع الفرح .لابد وأن يكون موضوعي رائعا .

لم تجبني أمي. دعتني لهلوستي .ولم تنقطع أحلامي. قضيت الليل كله وأنا أتخيل البيت الجديد. ارسم له صورة وأغيرها .كانت المسلسلات المصرية والمكسيكية قد شحنت مخيلتي الصغيرة بأنواع المنازل الفخمة والديكورات الرائعة .كتاب القراءة بصوره ومحتوياته بدا لي تافها .استعدت الصور والجمل المرتبطة فيه بوصف البيت، ولم أجد ما يشبع أحلامي غير الصور التي شحنتني بها المسلسلات .
.باع أبي البيت .وذهبنا إلى البيت الجديد .كانت شقة صغيرة في الطابق الرابع بثلاث غرف .أخبرتني أمي أننا اكتريناها في انتظار البيت الكبير؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتورة بديعة: أستاذة باحثة من المغرب

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى