السبت ١٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم بديعة الطاهري

لعبة الإنترنيت

رأيتها من بعيد تتسلل إلى مخدع الأنترنيت. تجلس. تفتح الحاسوب باحترافية عالية لا تناسب سنها الذي اقدره في التسع سنوات. أراقبها من بعيد..كان المكان خاليا إلا من صاحبه. بعض الحواسيب في مخابئ كأنها مخازن الاعتراف في الكنائس المسيحية. تتصفح مواقع الأنترنيت. تقف عند بعض من يهتم بالموضى.. بالموسيقى الغربية.تجرب الموقع تتسرب بعض النغمات والأصوات. كلمات خيل إلي، وأنا اسمعها، كأني أعاين قطارا مارا من بعيد ،لا تكاد عيني تستقر على عربة من عرباته حتى تمر الأخرى مارقة. لكنها تردد بالسرعة ذاتها الكلمات واللحن.

تغير المواقع، وتتغير الأغنية وتظل النبرة ذاتها.ظننت أن الأمر يتعلق بكلمات شاردة. وأن ترديدها للحن والكلمات لعبة تجربها لاقتفاء سرعة الحاسوب. ظللت ارقبها وهي لا تحس بوجودي. فكرت أن أثنيها عن لعبتها تلك. صوت الموسيقى كان مزعجا.

لم تكن لدينا يومها موسيقى ولا لعب. أعواد القصب نصنع منها عرائس نلبسها أحلى ما التقطته أيدينا من ثوب كانت أمي تلقي به بعد انتهائها من خياطة لباس زبونة ما. كنا نفرح بلعبنا.نلتف حولها. نباهي بعضنا البعض بالملابس الأنيقة التي ترتديها عرائسنا. نزوجها سرا ونحتفل بالعرس.نستضيف بعضنا البعض ، وتحث الواحدة منا الأخرى على أن تصحب معها عروسها القصبية.ما إن نحس بقدوم شخص كبير حتى نخفي عرائسنا ، لأن الحديث عن العرس والزواج كان عيبا يومها. لم نكن نعرف عن معنى الزواج سوى طقوس الاحتفال.عندما ينصرف الكبار إلى النوم، وقت الظهيرة ،حيث الحرارة الشديدة تهب أجسادنا الصغيرة حركة تمنعنا من النوم ، أو على الأقل مشاركة الكبار لحظة الاسترخاء ، نجمع فتات الخبز ونقطعه صغيرا لنصنع منه الكسكس بالسكر.ما إن نسمع صوت السيارات المارة المعلنة عن مرور موكب عروس حتى نحمل بين أيدينا عرائسنا، نخرج لنستمتع بمنظر العروس و موكبها.ندرك تماما أننا لن نتمكن من رؤيتها لأنها تكون مغطاة بثوب سميك. نعود إلى بيوتنا.

أعود أراقبها. ما زالت تسمع أغاني الراب.تفتح نافذة تخاطب صديقتها. بمجرد ما تحس بوجودي تغلقها ، وتعود إلى عرائسها الإلكترونية تغير ملابسها. أبحث الآن عن صور تلك الملابس التي كانت ترتديها عرائسنا.

....كانت لعرائسنا ملابس طويلة مزركشة يشدها حزام نصنعه من ثوب أصفرلامع.ملابس لعبها تنورات غريبة لا تليق بالعرائس.خيل إلي أنها تلبسها بطريقة تجعلها قادرة على مشاركتها حفل الغناء الذي كانت مستغرقة في السماع إليه.لا تتحرك من أمام الحاسوب.لم نكن نتحرك من أمام عرائسنا حتى يستفيق الكبار من قيلولتهم.لم نترك عرائسنا إلا يوما واحدا.كانت الأيام روتينية.لا تلفاز ولا بارابول ، ولا سينما. أذكر أننا ذات يوم خرجنا لاهثين وراء موكب قيل لنا أنه الموكب الملكي.وجدنا النساء والرجال والأطفال مصطفين ينتظرون مرور الموكب. كانت الحرارة شديدة والشمس تلفح وجوها تعلن عن مآسي كثيرة تحاول أن تخفيها بترديدها كلمات ترحيب أجبرت على حفظها. نسينا لعبنا. لم نخبر أمهاتنا بالتحاقنا بالمستقبلين للموكب. لم نستطع الوصول إلى الصفوف الأمامية. بعض صديقاتي تسللن بأجسادهن النحيفة باحثات عن مكان أمامي. مكثت واقفة.ألتفت يمينا وشمالا. لم أشأ التقدم.

لم يكن خوفا وإنما موقفا.مازلت أذكر أنني كنت أحس بالخجل وأنا أتبع صديقاتي لنلتحق بالمستقبلين.لم نكن نحضر من الاحتفالات الوطنية سوى عيد الاستقلال.على الرغم من أن ذاكرتي الآن لا تحتفظ له إلا بذكرى احتفالين أو ثلاثة. إذ سرعان ما أهمل الناس الاحتفال به ، وأجبروا على الاهتمام بعيد العرش الذي فهمت مع الأيام أنه عيد لا يحمل للعديد منا أية ذكرى. مثل هذه المواضيع لم يكن الكبار يحدثوننا عنها.لكن، ما كنا نسمعه من قمع وما نشهده من اعتقالات في صفوف معارفنا ، جعلنا رغم صغر سنا لا نهتم به. كانت الاحتفالات كرنفالية.وكانت فرق الموسيقى المشاركة فيها ترتبط بالابتذال في أذهاننا. فالراقصات شبه عاريات والرجال في حمى لا يعلمها الصغار. لكن أوضاع أجسادهم ونظرات أعينهم كانت تبوح بالمحظور،.احتفالات عيد الاستقلال كانت تتخللها أناشيد حفظتها أمهاتنا رغم جهلهن عن ظهر قلب :

حيوا أفرقيا
حيوا نضالها المجيد
شمالها يبغي الاتحاد.....
ثم :
بلادي بلادي بلادي
أنت روحي وفدائي

.
ويضفن كلمات من وحي ذاكرتهن تلهب حماسنا وتجعلنا نعشق احتفالات عيد الاستقلال لأنها تحكي لنا عن بطولة آبائنا وأجدادنا.لم يكن عيد العرش بالنسبة لنا سوى لحظة خوف رغم مظاهر البهجة المصطنعة. كنا نسترق الكلام من هنا وهناك،بعض التعليقات حول المشاركين كانت تصل إلينا :

بياعة
خونة
يحتفلون الآن
أين الوطنيون ؟.

استطاع عقلي الصغير أن يفهم بعض الأشياء، وأنا اسمع عن اختطاف الأهل والأصدقاء..عن سجنهم..عن محنهم.عن تمكن فئة خائنة من ثروات البلاد.

أنظر إلى المحتشدين.وأقرر الرجوع.أحسست يومها وكأنني خائنة.

عدت إلى البيت ، وبعدها أخبرتني صديقتي أن الموكب لم يتوقف بمدينتنا. مر مارقا من طريق أخرى ، وأن الناس الذين اصطفوا منتظرين الموكب من الصباح إلى المساء تسيجهم أعمدة يحرصها عساكر كثر، أخبروا أن الموكب قد وصل المدينة المجاورة منذ ساعات.تفرقت الجموع ململمة خيبتها..

اشعر بالخيبة الآن وأنا انظر إليها، وهي هنا ، يسيجها الحاسوب وصوت الموسيقى والصور الخليعة التي تتسرب إلى الموقع.لا تتحرج ...لا تخفي لعبها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتورة بديعة: أستاذة باحثة من المغرب

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى