الأربعاء ٢٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم إياد الرجوب

إلاّ الغضب

في بِدْئِهِمْ كانَ المُعَذَّرُ في الدُّنا
كانَ الذي لَمّا يَكُنْ في عُرْفِنا
لَكِنَّنا في بِدْئِنا كانَتْ لَدَيْنا أُمَّةٌ
في بِدْئِها كانَتْ حَياةْ
لَمْ يَرْتَقِ الغازي كَباقي الكائِناتْ
فَلَدَيْهِ لَمْ توجَدْ لُغاتْ
وَبَنى بَذاءَتَهُ عَلى ما فاتَنا مِنْ تَرْجَماتْ

ما عادَ طِفْلُ الشَّرْقِ يَعْرِفُ أُمَّهُ

ما ذَنْبُهُ؟

كُلُّ التي بَقِيَتْ لَهُ

صُوَرٌ مُهَشَّمَةٌ بِحِقْدِ الغاصِبينْ

لَكِنَّ ناصِيَةَ اللُّغاتِ اسْتَسْلَمَتْ لِيَدَيِّ والِدِهِ العَظيمْ

قَبْلَ الفَلَقْ

قَبْلَ التَّزاوُجِ وَالعَلَقْ

في آخِرِ الشَّوْطِ الإضافِيِّ القَصيرْ

فَتَضَوَّرَتْ كَلِماتُهُ في دَرْسِهِ

تَشْتاقُ لِلْعَقْلِ الصَّغيرْ

وَمَضى الوَليدُ يُسابِقُ الآباءَ

نَحْوَ تَذَكُّرِ الأُمِّ التي أَرْسَتْ لَهُمْ

سُفُناً يَضُجُّ بِها الأُفُقْ

يَعْلُونَها عِنْدَ الغَضَبْ

***

وَتَقَدَّمَ العُمْرُ القَصيرُ بِنا دُهوراً في الرَّدى

وَتَطَوَّعَتْ شَمْسُ الكِفاحِ تُحَرِّقُ الحِقْدَ المُخَيِّمَ في المَدى

وَتَحَمَّلَ الطِّفْلُ اليَهودِيُّ الأَذى

مِنْ حِقْدِ والِدِهِ لَنا في يَوْمِهِ

مِنْ بَطْشِهِ في قَصْرِهِ

وَتَحَمَّلَ الطِّفْلُ الذي في كَفِّهِ وُلِدَ الحَجَرْ

صاروخَهُمْ وَدَمارَهُمْ في بَيْتِنا

وَعَذابَهُمْ بِخِيامِنا

وَتَيَتَّمَ المَوْلودُ في أَيّامِهِمْ

وَغَدا وَحيداً في الخِيامِ مُقَيَّدا

يَسْتَصْرِخُ العُمْرَ البَطيءَ بِوَقْتِهِ

حَتّى غَزَتْ فِكَرُ الحِجارَةِ سِجْنَهُ

وَهْوَ المُيَتَّمُ وَالأَسيرُ لِسِنِّهِ

لَمْ يَعْرِفِ الأَجْواءَ بَعْدُ

فَفَرْخُنا يَتَعَلَّمُ الطَّيَرانَ في القَفَصِ الصَّغيرْ

وَبِلَحْظَةٍ..

كَسَرَ القَفَصْ..

وُلِدَ الغَضَبْ

فاسْتاءَ مَنْ في مَحْفِلِ اسْتِقْبالِ مَوْلودِ العَرَبْ

***

وَالطِّفْلُ يَبْحَثُ في الشَّوارِعِ باكِياً

عَنْ عِفَّةٍ وَشَهامَةٍ في مَحْفِلِ العُرْبِ الغَفيرْ

يا لَيْتَهُمْ جاءوا بِتابوتٍ حَقيرْ

كَيْ يَضْغَطوا في بَطْنِهِ تِلْكَ العُروبَةَ كُلَّها

كَيْ يَدْفِنوا عارَ النَّسَبْ

عَرَبٌ عَرَبْ

يا لَلْعَجَبْ!

***

وَالطِّفْلُ يَسْرَحُ في مَقاحِلِ حَتْفِهِ دونَ الوُصولْ

وَمَعاشِرُ الأَشْرارِ تَلْهو في العَواصِمِ

بِالمَزاميرِ التي صارَتْ تُرافِقُها الطُّبولْ

حَتّامَ يَبْقى رَأْسُهُمْ يَسْتَأْنِسُ الذَّبْحَ الحَلالَ بِعيدِنا؟

حَتّامَ يَبْقى ظِلُّهُمْ يَرْعى الجَفافَ بِأَرْضِنا؟

قاماتُهُمْ أَضْحَتْ جُذوعاً خاوِيَةْ

وَغَدَتْ مَتاهاتُ الدُّجى..

في ظِلِّهِمْ تَشْكو العَمى

يا لَيْتَهُمْ كانوا جَوارِيَ - مُذْ خُلِقْنا- في حَلَبْ

يا لَيْتَهُمْ جَلَبوا مِنَ الذُّلِّ الذَّهَبْ

يا لَيْتَهُمْ حَصَدوا مِنَ الغَرْبِ الحَطَبْ

عَجَبٌ عَجَبْ!

أَيْنَ الغَضَبْ؟

***

آمالُنا صارَتْ رَماداً طائِراً

وَالكُلُّ يَرْقُصُ فَوْقَ أَجْداثِ العَباقِرَةِ الصِّغارِ

.. وَلا غُبارْ

فَالتُّرْبُ ما زالَتْ بِهِ تِلْكَ العُطورْ

لا لَنْ تَزولَ وَلَنْ تَجِفَّ دِماؤُكُمْ عُظَماءَنا

لَكِنَّ رَقْصَ العُرْبِ فَوْقَ طُيوبِكُمْ لا يَضْطَرِبْ

هَلْ مِنْ غَضَبْ؟

***

حَجَبوا الغِذاءَ وَدَمَّروا آبارَنا

غَطّوا السَّما وَاسْتَبْسَلوا في قَهْرِنا

وَاسْتَرْسَلوا في ذَبْحِنا

وَتَطايَرَتْ أَجْسادُنا

وَتَفَنَّنوا في مَسْحِنا

***

أَمّا الطُّفولَةُ فارْتَمَتْ خَلْفَ الأَباريقِ التي بَقِيَتْ لَنا

وَتَدافَعَتْ نَحْوَ المَدافِنِ تَزْرَعُ الأَمَلَ المُطَعَّمَ بِالمُنى

تَرْويهِ مِنْ تِلْكَ الدِّما

وَتَعَوَّدَتْ أَنْ تَجْمَعَ الكَلِماتِ مِنْ بَيْنِ السَّنا

وَتُتَرْجِمَ اللَّكَماتِ مِنْ بَيْنِ اللُّغاتِ لِتَسْمُوَ الأَفْعالُ نَحْوَ العاصِمَةْ

***

لَكِنَّهُمْ يَوْمَ الوُصولِ لِبَيْتِنا

شَطَبوا الخُطَبْ

سَرَقوا الكُتُبْ

جَمَعوا الحَطَبْ

حَرَقوا اللُّعَبْ

صَنَعوا العَجَبْ

هَلْ مِنْ سَبَبْ؟

لا لَمْ يَكُنْ

هَلْ مِنْ عَجَبْ؟

أَيْنَ العَرَبْ؟

هَلْ مِنْ غَضَبْ؟

أَيْنَ العَرَبْ؟

هَلْ مِنْ عَرَبْ؟

صَمَتَ العَرَبْ

هَلْ مِنْ غَضَبْ؟

صَرَخَ اللَّهَبْ:

إلاّ الغَضَبْ

لا لَمْ يَكُنْ

لا لَنْ يَكونَ لأَجْلِنا

فَالعُرْبُ ضاعَتْ من مَعاجِمِهِمْ تَفاسيرُ الغَضَبْ

هَلْ مِنْ عَرَبْ؟

زيدوا الحَطَبْ

قُطِعَ النَّسَبْ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى