الأربعاء ٦ شباط (فبراير) ٢٠٠٨
بقلم لمياء سليمان

حزن فراتي ثقيل

-1-
 
قلِّم أظافر يأسك الصيفي
فصل اليأس في دمنا سينتصفُ
ومدَّ إليك ظل البرد في عصف التذكر
ضع يديك على يديك مجدَّداً
- ماذا وجدت سوى الخواء؟
ولم تزل تعطي أمانك للرياح – أجل -
وتغفو في انحناءتها
لتأخذ منك ما قسمت لها الرغبات
هل يؤذيك أن تجني هنا اللاشيء
تكفر بالتواطؤ بين أرصفة المدينة
تغلق الأبواب في باب الفرات عليك
تهذي..
تسقط الأسماء دون ترابطٍ
في دورة الفقد الضبابي المريب
فكل من أحببت من باب الأسى الخلفي
صوب مدارج الإغفاء قد عبروا
ومنفرداً..
كما الغصن الخريفي المدان تُرِكت.
-2-
 
للأنواء نكهتها بخيمة موتك البري
للكف التي حملت أنوثتها إليك
تثاؤب الصبار
طعم الهال في الحزن الفراتي الثقيل
لسمرة الشفتين غمغمة الرذاذ
تلكؤ القصب الكثيف مع ارتخاء الريح
للوشم الصغير على الجبين
سراج زاوية التبصر في ارتداد الموج
ظلُّ زهور عبادٍ
وموليَّا..
تواصلُ شفَّ حزنك
حزنك المطري يبدو ضالعاً بالحرف
ُيقرأ مثلما الكوفي ُيقرأ
غير أن الحرف من باب التقشف بالكرامة
يهمل التنقيط
يرفض وضع تنوينٍ يناسب
ثغرةً في القلب
يرجم فيك ميقات الخطيئة
ثم يترك جرحك المهموز تمييز ابتلاءٍ
ندبةً في الذاكرة
وتتابع التأويل
هذا الوجه تعرفه
وتألفه
وتألفه
فيرتد الزمانُ البكر
فينيقُ المآتم خارج السرب الطهور
تصيح: أمي
صوتها الخزفي عند الباب
يرشف قهوة الحرف العقيم
ويستزيد
يمدُّ نحوك حقل ضوء
وجهَ أمك حين تصطاف الشموس بثغرها
فتضوع رائحة تجذف باتجاهك
توصد الأبواب
لا تعطي لغير البحر إذناً بالنفاذ.
-3-
 
ُتسِرُّ:
- " أمي نخلةٌ
مزجت شحوب الصمت في رمل البنفسج
طوقت في عشقها المكتظ
ما قد تشتهيه الأبجدية من معانٍ
دون تلقينٍ تحب الحب
تفنى فيه
تفهمه..
تحيك عليه تمويهاً رداء الصوف
تلبسني الدعاء به ".
وأسمعها تقول له:
- " دماء الشاة ما هجرت زوابعها
قميص أخيه
بئر الغدر يفغر فاه
قافلة النبوة أوغلت في الريح
وامرأة العزيز يقضُّ مضجعها قميصٌ
قدَّ من دبر
وقدْ تغويه ثانية
ألا فاحرسه لي
عشتار والثور السماوي الذبيح
ولعنة الحب المقدس لم تزل تخطو
- وخمبابا - إليه ".
تقايض الإيمان بالإيمان
ترقب عودتي
وبحفنة الخرز الملون تحتمي من خوفها
تتلو تعاويذاً من الحصن الحصين
تمدُّ جسراً من أماني الأمهات
دعائهن...
أمام متكأ الجبين
على سجاجيد الصلاة الخضر
تُودِع كفها تنساه في أفق الخشوع
يطول عمري بعدها يوماً
وقد ينمو حنيني إصبعاً أو إصبعين
وحين آتي بعد ذاك تضمني
وتعد أطرافي
- كفى...
فأصابعي العشرون ما نقصت ولا زادت.
وللتأكيد ثانية
تعيد العدَّ... تحضنني
وتأخذ بعض ذاك الحب تطحنه
وتطعمني
وفي سرر الحكايا السود حين أنام
تحشره
فأمي محض عاطفة من الشرق الكبير ".
-4-
 
تصيح: أمي
ثم تجهش بالبكاء
تتوب عن جذع النخيل يداك
يسقط قلبك اللبني قبل أوانه
فتضيع – لا أم هنالك كي تعيد توازن
الأشياء حباً –
تاركاً خيط الحليب يتم دائرة القيامة
ثم يغري الأرجوان عباءة الحبر الشفيف
تدس رأسك في فناء اللون
تخفض جنح وعيك
كي تنام مآذن الوجع العتيق
تفز طفلاً حين ينهرك النعاس
ويلثغ الإسمنت باللحم المحرق
في ضريح العامرية
كي ترى أوروك تندب عشبها البشري
تشوي لوح طينٍ
فوق أجساد الحرائق
نبرة للصمت تزداد ارتفاعاً فيكما
ويضيق صدر الموت بين رصاصتين
فلا يجيء سوى إليها
بينما ستظل ترقب سعفة صفراء
قد علقت بسقف الروح
تحسدها:
- لماذا بعد لم تسقط.
- لأن الموت مخلوق بدائي
بلا قلب
وبعضٌ من عمى الألوان فيه
يظلُّ يهزأ منك
من توقيتك الرملي
من آدون في السبع العجاف
يشق في صلصال حلمك موعداً
نذراً...
ويسحب ما تبقى من تراتيل المعادة
تحت جسر الوجد
يفرد صُرَّةً صفراء
يطعم خبز حزنك للطيور
ويعقد الخيط المدلَّى من فضاء الزنبق البري
وسط جناح قبرةٍ
لتسقط نجمة أخرى
فلا تغضب إذا ما الليل عرَّى نجمة خرساء
في طين الهزيمة
ليس لليل اختيار
لا ولا تلعن لهاث العتم إن أصابع الفانوس
- تجرح ظلَّها بالدمع -
أحرقها الدوار
تُرى وحيداً والنوايا من نحاس القلب
تجدل بعض خيبتها
وفوق شموع عزلتها المقاعد
- وحَّدت حتى الثمالة –
وجهك المحشور في ثقب انتظار.
-5-
 
- ثم ماذا بعد؟
بوصلة الضباب تشير نحو الشرق
شمشٌ واحدٌ منا
سيخلع بردة التقديس
يشرق من جديد
بالعصا تهوي على حجرٍ
وفجر الوهم ينقر في حميم الأرض
صوب العالم السفلي
حين تراه مستنداً على عكازه الخشبي
طيِّر لحظة الوعي التي سقطت بدربك
كيفما عبرت
لها حدس الرصاصة إذ تجيء إليك
تكراراً لفعل الموت
هذا حزنك الشرقي
أرصفة من الشمع الملون
مدَّ حزنك فوق أضرحة الصنوبر
لمَّ من تحت المقاعد
ما تقطَّر من شحوب الناي
في زنزانة الذكرى
-6-
 
" مساء الحزن "
تضمرها
يعريها الهوى الشتوي
يربكها انثيال الضوء
تحني صوتها نصف انحناء
ثم تدفن رأسها في الرمل
تنبت خيبة أخرى تيمم وجهها
شطر الجنوب
تئن:
- أتعبني الشتاء
رحيق هذا الود في شفتيك تحت الظل
أتعبني
وأتعبني الشتاء
فهل يظل البرد يطفو في مدينتنا
يقربنا...
فنأتلف
تظل أصابع البرق التي آوت إليك تشدني
بنجومي العشرين
بالشمس التي هبطت على جسدي
فأرتجف.
- إلام تظل جزءاً من هيولى الكون؟
هذا العالم البدئي فيك
ولن ترى مردوخ آخر يشطر الجسد المسجى
كي يعيد توازن الأشياء حباً
والهوى البدئي صرف
مللت فيك سلامك الفضي
فيما أنت توغل في براري الأزرق النيلي
منتشياً
ألا صيف فنختلف
فهذا البرد في شفة المواقد
ضخَّم الذكرى إلى حدِّ الخرافة
إنَّني ومهاك والجسر العتيق
وكل أسمال الرصافة
إن نفضنا خرقة التاريخ, نرتجل الغبار هنا
على ماذا ترى نقف؟
ها أنت
هذي الأرجل العمياء
تالفة مسام الخطو في غدها
ستمكث ههنا موتاً
وموتاً
ثم تنصرف
سنمكث ههنا موتاً
وموتاً
ثم ننصرف.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

شاعرة سورية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى