السبت ٢٩ آذار (مارس) ٢٠٠٨
بقلم باسل محمد البزراوي

ترنيمات على أوتار الزمن

فَما أقسى النوى إن طافَ عفواً
وأردفَ خلفَهُ عبءَ المساء
 
وما أقسى الحياةَ بلا مَعانٍ
ودونَ رُوائها مُرُّ السقاءِ
 
تقولُ بأنَّ قلبكَ مُستباحٌ
لغانيةٍ وروحَكَ للشقاءِ
 
وشعركَ للصبايا الغيدِ يهفو
كما يرنو العليلُ إلى الدواءِ
 
ففي ألحاظهنّ ترى المغاني
ترقُّ وتستغيثُ الألفَباءِ
 
وفي النهدين شاءَ الله مهداً
لروحِكَ تستظلُّ بالانتشاءِ
 
فهل تشدو لروحِك ما أرادَت
لكَ اللغةُ الجميلة ُ من حُداءِ
 
وهل يسمو بكَ الشعرُ الموشّى
بأرواحِ العباد ِ بلا حياءِ
 
رأيتُ الشعرَ عضَّ بناجِذَيهِ
وغضَّن َ حاجبيهِ على السواءِ
 
وأطلقَ من لسانكَ وهجَ نارٍ
ومن عينيكَ سيفَ الاجتراء
 
تذيبُ حروفُ شعرِك كلَّ صوتٍ
فيغرقُ شانئوكَ بلا نجاءِ
 
ويستلقونَ في قعرٍ سَحيقٍ
بهِ أذنابُهم مثلُ الرشاءِ
 
يجوِّدُ بعضُهم شعراً ويسمو
كثيرٌ منهُمُ للاختفاءِ
 
ويسكرُ بعضُهم والبعضُ يَعدو
وراءَ الزاحفينَ إلى الوراءِ
 
ويشفي مقلَتيهِ السودِ دمعٌ
سخيٌّ مثل دمعِ الأولياء
 
فيبدو آسناً كدِراً لروحٍ
تكلّلُها الرصانةُ بالنقاء
 
وأنتَ نبتَّ في الأهلينَ سيفاً
تروّي حدَّهُ ُحمرُ الدماءِ
 
وتهذي باسمك الشعراءُ وَجلَى
ويَهمي من سحائِبكَ التجائي
 
فأنتَ كنسمةٍ والريح ُ تُزري
بآلامٍ خَوالٍ أو نوائي
 
وما لوّعتَ أنثى في صِباها
وما روّعتَ حاليةَ النساء
 
وما رفَعَت يداكَ ستارَ نحرٍ
ليبدو الحُلمُ من تحتِ الرداءِ
 
فشعرُكَ في مرابعنا ورودٌ
تفتقُ في الصباحِ وفي المساءِ
 
يزبّنُ أرضَنا ويفوحُ منه
عبيرُ الجرحِ من جرحِ الوفاءِ
 
وأنتَ على رمالِ البيدِ صوتٌ
يناجي الظاعنينَ من الجِواءِ
 
لقد حملتهُم المأساة ُ ليلاً
إلى ليلٍ التشتتِ والجفاءِ
 
وأنتَ تمدُّ في التاريخِ جذراً
لطرفةَ والفرزدقِ والبهاءِ
 
تجلّلُ كالسحائبِ وجهَ رَبعٍ
توشّحُهُ جداولُ من صفاءِ
 
فلونُ الربعِ لونُكَ دونَ شكٍّ
ولونك لا يشي لي بالولاءِ
 
ولونك جاهليُّ الروحِ غضٌّ
كلون جدودِنا حمرِ اللواءِ
 
رأيتك كنت في الصحراء صبحاً
تفرُّ مِنَ النجاءِ إلى النجاءِ
 
وإن آبَت فوارِسُنا بِغُنمٍ
حُمِلتَ مَع النساءِ إلى الإماءِ
 
فَقُم في البيدِ وَاروِ البيدَ شعراً
كَصُعلوكٍ رَوَى الزمنِ البُدائي
 
فقد رغبَ العشائرُ عنكَ حقاً
وصرتَ أشدَّ من وقعِ البلاءِ
 
كذاكَ تريدُ أمريكا وَرِجسٌ
هنا في الأرضِ كالداءّ العياءِ
 
فهُم يعوونَ مثلَ بناتِ آوى
عليكَ لِكَي تَهُمَّ بالانِحناءِ
 
فقدماً أنتَ أذلَلتَ النواحي
وحيداً كنُت تحتَ لظى الرماءِ
 
ثمانيةٌ وتاسِعُهُم أسيرٌ
يُصفّدُ بالحديدِ والابتلاءِ
 
وأنتَ هناكَ عملاقٌ عصيٌّ
أَبَى أن يَنحني للأدعياءِ
 
كَعيسى كنتَ إذ صَلبوهُ ظلماً
وما تقضي قضاءَ الأنبياءِ
 
فإن قتلوكَ ما في القتلِ عارٌ
وإن أسَروكَ كنت من الضراءِ
 
وإن هَمُّوا "لقلعِكَ" لا تبالي
فقد أُمِروا بلا أدنى مِراءِ
 
فما أسيادُهم إلا صِغارٌ
أمامكَ بل وأصغرُ مِن حِذاءِ
 
وما هُم بالرجالِ وإن تردُّوا
بأردِيَةِ الملوكِ الأتقياءِ
 
فكن جَبلاً يسدُّ الريحَ وجهاً
لوجهٍ، شامخاً رمزَ البقاءِ
 
همُ الأعداءُ مَن سَرقوا بلادي
ومن مصُّوا دماءَك أو دمائي
 
ومَن نهَبوا، ومن مرقوا وهانوا
وغاصُوا في الوحولِ وفي الشقاء
 
وأمريكا على الأعتابِ شابت
وفي وَجَعِ الخيامِ وفي الخِباءِ
 
وفي الدِّمَنِ الجديدةِ قد تراها
وفي العَرَصات أو تحتَ الوِطاءِ
 
وفي القمحاتِ تطفو ثمَّ تخفى
وتخفى ثم ّ تطفو باستواءِ
 
فحيناً يجثمُ التاريخُ كوماً
وحيناً يستَفِزّكّ للعطاءِ
 
فما بالُ الجِبالِ أتَى عليها
زمانُ الرقِّ في زيِّ البهاءِ
 
وما بالُ السفائنِ تعتليها
صدورُ الغانياتِ بلا مُلاء
 
هِيَ الدنيا ! كذا الدنيا أرادت
لتلهجَ بنتُ آوى بالعواءِ
 
فقِف واهتُف لها إن شئتَ يوماً
ولوجَ العيشِ موفورَ الهناءِ
 
وإلاّ كنتَ مَنبُوذاً ذَميماً
كسيرَ الظَّهرِ مَخروقَ الإناءِ
 
إذا أصلحتِ خرقاً صاحَ خرقٌ
على خرقٍ تَناوبَ بالبكاءِ
 
فليسَ مِنَ الغرابةِ أن يَشِنُّوا
عليكَ الحربَ حتى الانطواءِ
 
فإن أذوي فلستُ سوى طَريدٍ
لجأتُ معَ اللجوء بلا التجاءِ
 
وقمتُ أزفُّ للصحراءِ شِعراً
يُهدهِدُها فتثملَ بالغناءِ
 
ويطبعُ فوقَ وَجنَتِها حُروفاً
ألذَّ مِنَ الوعودِ لذي رَجاءِ
 
وتنكرُ شعريَ المجنونَ ليلى
ويأبَى العامِريُّونَ انتمائي
 
وتستلُّ السيوفَ بنو عقيلٍ
وتعلنُ تغلبُ الحربَ العِدائي
 
وتلكَ خيولُ عبسٍ قد تناخَت
عليَّ بِكلِّ أشوسَ في اللقاءِ
 
يرومونَ انكساري كلَّ يومٍ
وتنكيسَ اللواءِ على لِوائي
 
يغوصُ النابُ في لحمي فيَدمَى
فلحمي المرُّ في الهيجا دوائي
 
ألمَلِمُ مِن جِراحاتي جِراحاً
وأحمِلُها بروحي وانتمائي
 
وأحملُ ما تبقّى مِن فُؤادي
وأشعلُ ما تبقّى من وفائي
 
فيَكفيني مِنَ الأيامِ أني
عرفتُ بها السباعَ مِنَ الجِراءِ
 
ويكفي أننّي ما مِلتُ يوماً
مَع الأرياحِ إن عَبرت فضائي
 
أقاتلُ عن كرامةِ كلِّ شعبي
ويطوي البيدَ مُنطلِقاً نِدائي
 
أقومُ أوشوشُ الأطيارَ صُبحاً
لأخبرَها بآلامي ودائي
 
أُسِرُّ لها وللسحرِ اعتلالي
فتطرقُ إذ يحيِّرُها شِفائي
 
فمَن يشكو لغيرِ اللهِ داءً
أصابَ فؤادَه مليونُ داءِ
 
وتُصميني السهامُ ولا ُأبَالي
فباري القوسِ أبدَعَهُ عِدائي
 
وأَوهَنَهُ الرجالُ بذاتِ ليلٍ
طويلٍ حالكٍ وَجِلٍ حِكائي
 
وأوهَنَهُ لصوصُ الغربِ دهراً
بأوكارِ الخيانةِ والوباءِ
 
وعُرِّيَ رسمُهُ خَلَقاً ولاذت
ملامحُ وجهِهِ دونَ العراءِ
 
نعم إني عرفتهُمُ وإني
أحمِّلُكُم أمانةَ كبريائي
 
فلا يُشفي ضمائرَهم شفاءٌ
وليسَ سوى المنيّةِ مِن دَواء

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى