الخميس ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠٠٨
في شقة مصر الجديدة
بقلم رانية عقلة حداد

رحلة البحث عن الحب الذي لا زال ممكنا

"انا قلبي دليلي قلي حتحبي..." من اغنية ليلى مراد هذه التي تعلمها تهاني لطالباتها في احدى مدارس الصعيد، يبدأ الفيلم المصري "في شقة مصر الجديدة" انتاج 2007، للمخرج محمد خان، لم تكن تهاني مجرد استاذة موسيقى فقط تعلم العزف والغناء للطالبات إنما أيضا تعلمهن أهمية الحب، وتحثهن على البحث عنه أو عن توأم الروح الذي انفصل يوما عنا، الأمر الذي أدى إلى فصلها من المدرسة ونفيها إلى القاهرة.

نجوى (غادة عادل) تحب معلمتها تهاني بشدة، فبقيت على تواصل دائم معها حتى بعد نفيها من خلال الرسائل البريدية، وهاهي الآن قد كبرت واصبحت مثلها معلمة موسيقى وفي ذات المدرسة، ولا زالت متعلقة بتعاليمها عن الحب والبحث عنه والتمسك به، وبعد سنوات طويلة تسنح الفرصة أن تزور نجوى للمرة الأولى القاهرة مع طالباتها لتقديم عرض موسيقي، وهي فرصة أيضا لتلتقي معلمتها بعد هذه السنين، لتجد أنها قد رحلت فجأة من شقتها في مصر الجديدة... هل ماتت أو سافرت ؟ لا يعلم أحد عن مصيرها شيئا، محلها سكن يحيى (خالد ابوالنجا) الشاب الذي يعمل في السوق المالي، والذي كان يضيف رسائل نجوى إلى أغراض تهاني التي تركتها في الشقة.

الحب الرابض عند العتبة

بعد خيبة الأمل هذه تعود نجوى لتلتحق برفيقاتها في المحطة، لكن القطار يفوتها، كما سيفوتها في كل مرة تحاول الرجوع فيها إلى بلدها دون أن تجد ما تبحث عنه، لكن ما الشيء الذي يمنعها كلما ارادت السفر وعما تبحث نجوى؟ أعن معلمتها تهاني... أم عن الحب والحبيب المرسوم طيفه في مرآة القلب كما تغني ليلى مراد وكما علمتها تهاني، أنه كذلك فالحب الرابض كقدر عند عتبة شقة مصر الجديدة، والذي يخيم على المكان كروح، يفتح قلبي نجوى ويحيى بعد عدة لقاءات تتعلق بتهاني، الآن وقد وجدت نجوى ضالتها (الحب) تستطيع أن تعود إلى بلدها ومعها رقم هاتف يحيى، وفي اللحظة التي وجدت بها نجوى الحب وجدت معلمتها تهاني، ويبقي محمد خان النهاية مفتوحة، فقد تعود نجوى للقاء يحيى أو لا تعود، ليس هذا مهما، إنما المهم أن يتذوق المرء طعم الحب وأن يتمسك به ويحاول اكتشاف كنهه، وكما يبدأ الفيلم باغنية لليلى مراد كذلك ينتهي باهداء إلى روحها... صوت الحب لكل الأجيال،

ويمنح محمد خان للمشاهد الأمل في المشهد الختامي حيث نرى في مقدمة الكادر عروسين يركضان في المحطة ليلحقا القطار ويتبع يحيى ونجوى خطاهما في المحطة ليلحقا بذات القطار.

هل الحب موجود فقط في الحكايا الخرافية، والأفلام، والأغاني؟
أم أنه كان موجودا وقد غادر الآن عالمنا إلى غير رجعة؟

في فيلمه السابق "بنات وسط البلد" انتاج 2005، يتكلم خان عن الصداقة، والآن "في شقة مصر الجديدة" عن الحب، ومن خلالهما يعيد إلينا خان الأمل، بعد ان فقدنا الثقة بامكانية العثور عليهما وسط أخبار الحروب وضغط الحياة البائسة، فكلاهما؛ الصداقة والحب لا زال ممكنا برأي خان، وهذه القيم التي تسم العلاقات الإنسانية تمتزج بروح الأمكنة؛ وسط البلد ومصر الجديدة...، كذلك تحضر ثيمة محطة القطار في كلا الفيلمين، ويحضر معها الانتظار، العبور والسفر، وحكايا الناس وفيتتم خان ما بدأه في "بنات وسط البلد" في "شقة مصر الجديدة".

هناك حنين لدى محمد خان لأيام زمان وفن زمان الأصيل يبعثه فينا عبر أفلامه؛ في "زوجة رجل مهم" كان عبد الحليم حافظ دائم الحضور، في "بنات وسط البلد" ومن خلال شخصية والد سمير المحب للانتيك وكل ما هو قديم ينبعث صوت ليلى مراد عبر الفنوغراف، وفي "شقة مصر الجديدة" تحضر أيضا ليلى مراد على مدار الفيلم، هناك حنين ليس فقط لأيام زمان ولكن أيضا لحب زمان وتقنياته؛ الرسالة المكتوبة بخط اليد ونبض القلب، والرسائل المهداة عبر اثير الاذاعة، بدل من رسائل الموبايل الالكترونية البعيدة عن الحياة، ويختار خان ايضا ان توحي قسمات واداء بطليه نجوى ويحيى بالبراءة التي ترتبط بذلك الحب، كما ان الحب هو نسيم الروح الصاعد نحو السماء كما المصعد في شقة مصر الجديدة، الذي اختار خان زاوية منخفضة جدا لتصوير صعوده للاعلى، ويذكر أن الفيلم حاز على جائزة أحسن فيلم روائي عربي في مهرجان دمشق الدولي الاخير2007.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى