الأحد ٨ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم رانية عقلة حداد

راقصة في الظلام

بأيدينا أن لا تكون هذه أغنيتنا الأخيرة

أحلام اليقظة هي الحيز الوحيد الذي تنتهي فيه الأمور بنهاية سعيدة، هذا ما كانت تؤمن به سالما (بيورك) بطلة الفيلم الدنماركي "راقصة في الظلام" انتاج 2000، إخراج لارس فون ترير، فتشكل تلك الأحلام بالنسبة لها عالما موازيا تستطيع من خلاله أن تهرب من قسوة الحياة والواقع، وتحقيق أحلامها بأن تصبح راقصة ومغنية في المسرح والسينما، ولهذا كانت اضاءة مشاهد الأحلام تلك زاهية مفعمة بالأمل والكاميرا ثابتة، مقابل اضاءة قاتمة وكاميرا غير مستقرة دائمة الاهتزاز في المشاهد التي تعبر عن الواقع.

سالما أم عزباء مصابة بمرض وراثي يكاد يتركها عمياء تماما، وهي بدورها نقلت هذا المرض إلى طفلها جين مما جعلها تشعر بمسؤوليتها اتجاه ذلك، فتهاجر من تشيكوسلوفاكيا إلى أمريكا في مطلع ستينات القرن الماضي، كي تعمل في أحد المصانع هناك، من أجل جمع المال اللازم لعلاج بصر جين قبل أن يفقده نهائيا.

يجعلنا ترير نتعاطف تماما مع سالما ومعاناتها في العمل والحياة، وهي تقاسي ما تقاسي من أجل أن تحافظ على صورة المرأة القوية المبصرة أمام الاخرين، سواء مديرها في المصنع أو مخرج المسرحية الغنائية التي ستلعب الدور الرئيسي فيها أو عن زملائها، محاولة ابقاء موضوع فقدانها للبصر سرا عن الجميع إلا صديقتها كاثي (كاترين دينوف) وشرطي المنطقة بيل الذي بادلها سره أيضا، والمتعلق بعجزه المادي عن سداد أقساط المنزل، الأمر الذي سيؤدي إلى أن تتركه زوجته ليندا، كما أن الجهد الكبير الذي تبذله سالما في عملها بالمصنع وسط الالات، يقابله الفتات ماديا، فنتألم معها وهي تجمع القرش فوق القرش من أجل عملية ابنها، وكان يجب أن يخلق ترير كل هذا التعاطف مع شخصية سالما كي ينجح فيما بعد من توجيهنا كمشاهدين للسخط على من يُقدِم على ظلم وايذاء سالما، وبالتالي ادانة النظام الذي يقف خلف ذلك الظلم.

من يقف خلف هذا الظلم؟

"راقصة في الظلام" لا يخلو من الاشارة إلى من يقف خلف هذا الظلم الذي وقع على سالما، فهو أحد أفلام ترير التي تعبر عن مشروعه في ادانة الرأسمالية والنظام العالمي الجديد الممثل في الولايات المتحدة الأمريكية، ويستكمل هذا المشروع في فيلميه اللاحقين "دوغفيل" انتاج 2003، و"ماندرلي" انتاج 2005، حيث في "راقصة في الظلام" تمثل سالما التشيكية على المستوى الثاني من الدلالة الدول الشيوعية والنظام الاشتراكي، ازاء النظام الرأسمالي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، وحيث ستكون أحد التهم التي ستدين سالما قولها أن النظام الاشتراكي أفضل من النظام الرأسمالي، ويذهب ترير باتجاه فضح انهيار قيم هذا المجتمع الرأسمالي وغياب المشاعر الإنسانية والرحمة المتمثلة في السلطة القضائية في الدولة، المحامين، والشرطي بيل الذي منحته سالما ثقتها وائتمنته على سرها، فما كان منه إلا أن خانها وسرق المال الذي تعبت سالما في جمعه من أجل ابنها، وعندما ذهبت إلى منزله لتطالبه به، يرفض بيل اعادته لها، لا بل يهددها بمسدسه كي تغادر، وأثناء المشادة تنطلق رصاصة من المسدس الذي بيده وتقتله، وفي لحظاته الأخيرة يدعي بيل أمام زوجته ليندا أن سالما تكذب، وأن هذا المال له وهي تريد أن تسرقه منه وهي التي قتلته.

اذن يضعنا ترير إزاء مقارنة بين نموذجين؛ الاشتراكية ورأسمالية النظام العالمي الجديد، والقيم التي تحكم كل منهما ودرجة الاقتراب مما هو إنساني، لترجح الكفة لصالح نموذج النظام الاشتراكي - وفق رؤية ترير- متجسدا في سالما التي تمثل الحب، البراءة، التضحية، التفاني، ومختلف المشاعر الإنسانية النبيلة، في حين كل الأمور في النظام العالمي الجديد مباحة أمام المصلحة الخاصة، ولا قيم سوى المال، بالاضافة إلى الاستعلاء على الشعوب الآخرى، الأمر الذي تجسد في السلطة القضائية والمحاكمة الجائرة لسالما.

التغريب

يحرص ترير على أن لا يتعاطف المشاهد مع سالما دون أن يترك حيزا للتفكير وإعمال العقل من خلال استخدام اسلوب التغريب - الذي سيتخدمه بشكل اوضح في "دوغفيل"- فتحيّن اختيار أكثر اللحظات المهمة والحاسمة والمشحونة في الفيلم، والمؤثرة في عاطفة المشاهد؛ كمشد مقتل بيل، ومشهد المحاكمة واصدار الحكم، ومشاهد معاناة سالما في السجن، ومشهد تنفيذ حكم الاعدام ب سالما، ووظف فيها مشاهد أحلام يقظة سالما الغنائية الراقصة، ففصلت الجمهور عن الحدث لدقائق ثم اعادته اليه، وخلقت تلك المسافة اللازمة لعدم التورط العاطفي الكبير مع أحداث وشخصيات الفيلم، بل استدعاء العقل لدى المشاهد، إلا أن مشاهد أحلام اليقظة هذه لكثرتها وطول مدتها الزمنية خلقت نوعا من الاطالة والملل في الفيلم كان من الممكن الاستغناء عن عدد منها أو تقليل مدتها الزمنية.

صوت قلبها يقود خطواتها

فقدان البصر يفرض على سالما العزلة والوحدة... والظلام الذي يحيط بها من كل جانب يمنعها من تحقيق رغبتها في الرقص والغناء، ليس إلا في أحلام يقظتها تتمكن من ذلك... أنها ترقص في الظلام لكن صوت قلبها يقود خطواتها.

يبدأ الفيلم بمشهد تدريبات سالما على الغناء والرقص في المسرحية الغنائية (مرحلة الأحلام الاشتراكية)... وينتهي بمشهد إعدامها (مرحلة قتل النظام العالمي الجديد لتلك الأحلام، من ثم سيادته وطغيانه)، قبل الاعدام تغني سالما اغنيتها الأخيرة (أغنية المرحلة الاشتراكية) ثم تغلق الستارة عن مسرح الجريمة بعد اعدامها وينتهي الفيلم أو الحدوته بكتابة على الشاشة تدعو في ثناياها إلى الثورة على هذا النظام وعدم الاستسلام، فيكتب ترير بما معناها، يظنون أن هذه هي اغنيتنا الأخيرة لكن بأيدنا ان لا تكون كذلك.

بأيدينا أن لا تكون هذه أغنيتنا الأخيرة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى