الخميس ٢٥ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
قصص قصيرة جدا
بقلم محمد متولي محمود

صباح الخير يا مصر

أزمة مغص

كانت عزومة فاخرة وعشوة لا مثيل لها ولكنها انتهت على غير المتوقع .. مغص رهيب.. أحشاء تتمزق.. ثم سقوط على أرض الفيللا وتلوي كالثعبان من قوة المغص ..

هب الجميع للنجدة .. تحاملوا على أنفسهم واحتملوا وزنه الأسطوري كي يحملوه حتى السيارة .. بجهد خارق أوصلوه حتى الباب الخارجي للفيللا ..

قبل أن يدلقوه في السيارة سجد على الرصيف حتى لامس أنفه التراب متقيئا بحرا من سائل لزج مختلطا بكتل طعام من أصناف شتى غير مهضوم ..

بعد انصراف السيارة اقترب شبح ضامر على أربع من موقع القيء .. وتحت ضربات الجوع الذي شل أطرافه تماما ومغصه القاتل راح يفتش بعينه في موقع القيء عن قطع خبز غير مهضومة يأكلها..

الأمس واليوم

الذكريات تهفو كنسمة ربيعية في قيظ أغسطس..فأسندت جسدي المنهك بالسنين على حائط دار الأوبرا الملكية واستسلمت لها وهي تترقرق على جدار المخ الهرم..تتهادى ساحرة هادئة كصفحة النيل..محملة بعبق زهور حديقة الأندلس وكلمات عميقة يتلوها شاب وهو يتصفح كتابا أمام سور الأزبكية منغمة بألحان الرحباني ودندنات فيروز..أكاد أشعر بأني عدت جارا لجارة القمر قبل أن تقذف بي سفينة الفضاء الأمريكية..رحت أهوي حتى تحطمت عظامي على صخور الأرض وانهرس لحمي بطينها المعجون بالقمامة..وتهرب الذكريات بلا عودة عندما غرقت في خضم معركة دامية يخوضها جمع غفير من الناس رجالا ونساءا وأطفال أمام منفذ بيع للخبز البلدي المدعم..

لعبة للولد

تعلقت عينا الطفل بفاترينة اللعب..جذب والده من قماش بنطاله المهترئ..صمت الأب..تجاهل إلحاح ولده..غرس أقدامه في الأرض عميقة..صمد أمام محاولات استدراجه إلى دكان اللعب..تفانى الطفل في الجذب..ثار جيب الأب الخاوي..ثار بنطاله الذي يكاد يتمزق..ثارت نفسه التي تشعر بالعجز..ارتفعت يده إلى أقصاها..هبط بكفه على وجه الطفل كخط دفاع أخير..توقف الطفل..حدج والده بمزيج من الدهشة والرعب وعلامات الاستفهام تحوم حول رأسه الصغير..استسلم لقيادة والده كاتما دمعا غزيرا على حواجز مقلتيه..انصرف الأب تتفجر الدموع من سويداء قلبه حارقة..

رؤية غير عادية

سارت السيارة الحكومية الفارهة بي أنا والمسئول الكبير بالمحافظة على مهل تحت قهر الطريق المتكسر الموازي لأحد أفرع النيل المنزوية في أحد أركان المحافظة الريفية..نظرت من نافذة السيارة بجواري أقطع الوقت بالتطلع إلى بقايا حقول تناثرت فيها البيوت العشوائية الحمراء كشواهد قبور..استمهل نظري على الضفة المقابلة من فرع النيل المنطوي جثة منتفخة لبقرة طافية على صفحة المياة الموحلة بجوارها أطلال صبية جلست تغسل بالمياة الأسنة صفا من المواعين المسودة قعرها..أقدامها حافية ولكنها مطموسة المعالم بشقوق كالطعنات الغائرة..مشمرة عن سيقان وأذرع كالعصي..ترنو إلى موكبنا بعينين أذبلهما الرمد..

حانت من المسئول نظرة إلى سريعة إلى حيث أنظر أعقبتها تنهيدة حارة مرتجفة..ألتفت إليه فراح يخاطبني بيديه وبصوت زلزله انبهار بشيء ما:

- هذه هي الطبيعة المصرية الخلابة..وهذه هي الفتاة المصرية بفطرتها النقية..شيء خليق بأن يموت المرء منا دفاعا عنه..

العرافة

من فرط الألم والصداع النفسي واليأس من اقتراب الأمل أو حتى شم رائحته..ذهبت إلى منزل العرافة أستنبئها..أسألها:

- سيدتي..متى أرى وطني مهيبا عزيزا؟ متى أرى أهل بلدي أحرارا أتقياء أغنياء؟

حملقت العرافة في بلورتها تستكشف أغوار المستقبل القريب والبعيد..تتلمس البللورة بأناملها تزيح من عليها طبقات الضباب الكثيف..تجمدت ثم انخرطت في ضحك هستيري متواصل..ضحكت وضحكت حتى ارتج جسدها ودمعت عيناها ثم تضعضع وجهها كبنيان منهار واجهشت ببكاء مرير..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى