الثلاثاء ١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم رقية كنعان

أشيلوس

"في زمن ما، وعلى هذه الأرض الغبراء الممتدة إلى ما لانهاية، من شواطئ المتوسط وحتى الصحراء البعيدة، كانت أشياء كثيرة تحدث، وكانت أشياء كثيرة تمر بصمت. والإنسان على هذه الأرض الغبراء كان يتحدى وفي ظل التحديات كانت دائما السجون والتعذيب والاغتيال حتى جاء وقت أصبح فيه الإنسان أرخص الأشياء وأقلها اعتبارا".

منذ اخترقت أشعة تلك الكلمات بؤبؤ عيني في زمن غابر وأنا أحملها موشومة في خاصرة أشيلوس أنى ارتحلت أو ارتحلت أيامي، أحملها على كتفي ككفن، يغطيها موج النسيان وتكشط عنها قوى الذوبان سياط من العزلة والحنين، منعت من السفر لسبب لم أعد أذكره بعد توالي المنع وتكسر النصال على النصال في محاولتي المستميتة لاستصدار قرار الإفراج من سجني الكبير، أمي تخلت عني قبل أن أراها ولهذا لا أعرف معنى لحنان الأم، صرت أتعامل مع الأمهات بحيادية غريبة، يمنعني التجمل من قول بلادة، فلا أدري لم يحرص الناس على عشق الأمهات ما دمنا نستطيع العيش بدونهن؟؟، لا نحتاج أكثر من أن نترك وشأننا وعدا ذلك كل شيء ترف، الرغبة في البكاء والضحك فارقتني منذ أمد وجعلت من العزلة كل شيء حي، الانفعالات لم تعد تعرف طريقها إلى نفسي الرازحة تحت ثقل النفي والوحدة، أبي هناك ولكني تركته ولا أدري أفخور بي أم شاكٍ متذمر، لا يزال يفلح الأرض كقطرة ماء تحفر في صخر كبير، أتخيله أحيانا يطلب مني ألا أعود.

لم أعرف السجن ولكني عرفت الاعتقال لأيام عشر عرفت خلالها أن الأكثر بؤسا لديه شيء يفقده بعكس ما يقولون!!، لن أقول أني ابتعدت عن السياسة بعدها ذاك أني لم أقاربها ولكن الخيط الأسود التبس بالأبيض وقبل أن يحين موعد صومي عن الكلام هذرت، هذرت فبطل صومي ونقضت وضوء طهارتي من الشبهات، ما تصورت حينها بأن هذري مرصود برقيب عتيد وما كنت أدري أنه ناكر ونكير، وما كنت أدري أني ما كنت أدري!

بعت أحلامي البسيطة بقبضة خيبة ورغيف خبز مغمس بالعناء، أمضغه على مهل وألوك عجزي فتصفر أشيلوس في أذني، صوت قطار لا سفينة، الاتجاه واحد والمحطات إلى رحيل، الماء الراكد يزداد عمقا وأشيلوس تمضي بعزم وقوة تشق ظلمات بعد ظلمات بعد ظلمات ولا تصل، منذ سكنني عذاب رجب وتقيأت عندما قرأت الآن هنا في غلطة أهدانيها صديق، أقسمت أن لا أقرأ هذا النوع من الكتب، لم أحتج لحظة من تردد لأمزق "تلك العتمة الباهرة" بجوائزها وجحيمها، لماذا يطاردوننا حتى عبر الروايات التي نهرب إليها من هجير الواقع، أما من واحة فيء ولو من خيال؟

هذا الاسم عشش في أدغال ذاكرتي، ليس بالاسم المألوف على الأذن العربية على الأقل، وهو بعد كل شيء مجرد اسم لسفينة في وقت تضيع فيه أسماء البشر أوتطفو على سطح الإهمال والتكرار، تخلقت في ذاكرتي جنينا ينمو ويكبر ليحملني من عذاب إلى عذاب، النكتة أني لم أركب سفينة أبدا، وأقصى ما اعتليت به الماء كان زورقا صغيرا بمجذافين بالكاد يقوى على مواجهة الأمواج.

هناك طردتني الأبواب وهنا استقبلتني الأرصفة، وكائن بائس اسمه محمود يحاول أن يشد أزر بؤسه ببؤسي، يغطي نفسه بأردية الكذب، هو بحاجة لرقم آخر يلتقطه من الرصيف ليزيد في تعداد رصيده واحدا، حتى العربية التي تدعي أنك اشتقت إليها لم تكن عذرا فالعرب يتناسلون في كل مكان كقطعان إبل خائفة تسعى وراء الكلأ والماء تحتمي من الاتساع بالصوت والصدى وتتشكل في إطار صورة منسية في معرض سريالي!

الوطن يتراقص في مخيلتي ذكريات باهتة وحرقة، لا شيء يربطني به بعد ولا شيء يسلخه من جلدي وقد طبع سحنتي ببصمة تجعل من يراني يعرف أني من هناك، هناك حيث أشتاق إلى وجوه النساء المزروعة في براءة طفولتي الضاربة في الزمن أو النسيان، أحن حتى إلى وجوه الرجال المنفوخي العضلات بحمل كاذب لا يسفر إلا عن خيبات مكابرة حين مخاض، التباهي واحتقار الآخر والرغبة في الاستعراض، أولئك المهرجين في وطني أحبهم، بوجوههم وأقنعتهم بما تحمل من طيبة صادقة و تشف لا أعرف كيف يجتمعان، أحبهم وأرثي لهم ولنفسي أكثر.

تطاردني أشيلوس أن هيا وهلم فأغرق في ألف ليلة وليلة وأحتضن وجه سارة بكفي، أتأكد أنها ما زالت معي، وأنه ما زال في مكانه، سارة امرأة يهودية ربما أو لا أدري ما تكون، تقول أن أصولها عربية، وأن تصدق أو تكذب فليس ذلك بذي أهمية على أية حال فشيمة النفوس الكذب، والرغبة المستميتة في قتل وحش الوحدة والعزلة دفعتني للتمسك بها، كذبة العمومة المفترضة صارت أمرا واقعا وجد مكانا يستقر فيه في الذاكرة بين ركام الأشياء المدونة هناك، وبعد ذلك، وهل وجدت من هي أقرب لي من ابنة العم المجهولة ورفضت؟

هي إحدى أولئك اللاتي يجدن الحلول الوسط ويفضلنها، يقمن في الأعراف بين الجنة والنار قانعات من الغنيمة بالإياب، امرأ ة ترتاح معها لأنك تعرف أنك مفارقها وتعرف هي، لا أثق بها وأجدني أحدثها بكل خوالج نفسي، ما الذي يمكن أن أخسره؟، لا حبيبة لي لتردعني ولا أم التجأ أليها تحذرني من بنات الحرام، ولا من أخونه إن فكرت يوما بخيانة، الخيانة لا تكون إلا لمن يثق بنا وأنا كنت أبدا صفر اليدين من ثقة هذا العالم بي وربما ثقتي بنفسي، ألهذا نخون أنفسنا؟

أسطر سفر تناقضي لأبدو منسجما مع ذاتي، أشيلوس تبحر في دمي حاملة جثثها بسأم، تتلبس روحي كجنية حقود سفينة صدئة ملت من مضاجعة البحار، "على سفر وما تقولوش السكة خانت"، أغنية لا أذكر من غناها أو حتى بقية الكلمات، غير أني أعرف أني على سفر وأرددها مبتورة قبل أن تختنق همهماتي فاضحة قصوري عن الغناء، فطريات الاسمنت والحديد لا تتآلف معها عيوني لكنها لا تنفر، فالمعمار في هذه المدينة معقول وأقرب للجمال وللبدائية إن كان يحق لي هذا الوصف وأنا ابن الصحراء والمفازات المحروثة ملحا على جراح.

سارة تشبك أصابعها في أصابعي وأنا أتفرج على الأسد العجوز وعروسه النمرة الشابة، لم يبد على الأسد أنه راغب بها وهذا أنبت شوك الخيبة في نفوس الأطفال الذين تجمهروا بأعداد كبيرة تحت تأثير الدعاية الكبيرة لزواج الأسد بالنمرة، النمرة كانت تزأر في وجه زوجها المفترض بدون أدنى إحساس بالهيبة والانكسار، شعرت بشماتة أفلتها لساني الشرقي وأنا أقول يا ويلك يا سي السيد!، ثم تلفتت حولي بحثا عن مصدر الضحكة الرنانة ولما قابلت وجه تلك المرأة بالملامح البدوية الصارمة، لم أجد من داع لاعتذاري عن شرقية طفرت من بين طيات هذري.

النمرة وردة بلونها البرتقالي الأخاذ وجلدها المتغضن، بدت ضئيلة أمام الأسد بحيث بدت عروسا شابة تقاد إلى وجيه متنفذ كما يحصل عند التقاء سماء المال بفقر الأرض في أفق كوكبنا الأضيق من ثقب إبرة، قلت وعيناي على لبدة الأسد المهيبة "انهض يا شمشون وأري عروسك قوتك، لا تدعها تستهين بك وتتعامل معك على أنك ملك غابة معتزل أو مقال" ولكني سرعان ما أشفقت على الأسد من كل ما أخلع عليه من صفات وهو ملك أسير على أرض ربما لم تكتحل برؤيتها عيناه، غالبا ولد في الأسر وربما عن طريق التلقيح لا بالطريقة التقليدية، لكنه مهيب بقدر ما زرع في ذاكرتنا من صور له، ويبقى الأسد ذي الزئير المصمم خصيصا لواجهات الإعلام.

طفلة شقراء صغيرة أفلتت من يد أمها واقتربت من القفص بغتة قبل أن تسحبها أمها وترشقها بوابل من التوبيخ، اخترقت هيبة الأسد للمرة الثانية بفعل أنثوي خلال دقيقتين فقط، الهمهمة لم تنقطع وصوت تنفس الحيوانين الضخمين مع صيحات الأطفال خلقت جوا مفعما بالحميمية والضجيج، ضغطت على أصابع سارة فسحبتها مستشعرة بعض الألم، النمرة مصرة على إفشال مشروع اللايغر الهجين والأسد لا يبدو مكترثا جدا على أية حال، بدوا كزوجين ملا المعاشرة وقوقعاها في دائرة الروتين، وليسا على استعداد للتمثيل إرضاء لمئات الأطفال المتجمهرين، ما كان الأسد ليلمس زوجته لو أرادا أمام هذا الجمع، هذا يتناقض مع جلال اللبدة وصورة الملكية، هكذا بدت الأمور لي معقولة!

سارة تحدق باهتمام كبير، متحمسة لسبب غامض ولا أظنها هي الأخرى تعرفه لهذا الزفاف بفرح طفولي، تحدثت عن فستان وردة البرتقالي وإكليل الزهور الذي وضعه أحدهم حول عنقها احتفالا بالزفاف الملكي، بكثير من الاهتمام، قد أكون نسيت أن أخبركم أننا كنا في شرق المتوسط لا نزال وإن كانت الملامح حولي تبدو أوروبية أو على الأقل أفتح بشرة من وجوه بلادي، الشمس تعشقنا وتلاقحنا بنسبية هي الأخرى، لعلها أشيلوس حرفت الاتجاه، أوروبا تلفظنا وتغلق الأبواب وما من هيت لك إلا بقدر ما نحمل من فضائح، فضيحتي كانت أقل مما ينبغي لحصول على التأشيرة، يحتضننا ولو إلى حين قسم أقل وجعا لنا من شرق المتوسط وربما أوجع لغيرنا، لعبة المربعات التي تملا الكلمات المتقاطعة وكلمة السر هي شرق المتوسط، والمتوسط هو الأساس وسر لعبة التيه الأزلي.

أشيلوس لا تجري على الرمال، لكنها تسبح في دمي، وسارة امرأة ضيعت أحلامها وارتدت وجها ساذجا لتعيش، كتبت مرة قصة في نزوة عابرة وتوقفت عن الكتابة لأنها ما استطاعت السيطرة على حوار شخصيتي القصة لسبب لا تدريه، هكذا قالت، خرجت الشخصيتان على النص وتحدثتا بما لا تريد من توافه الأحاديث النسائية المكرورة، ووضعتا المكياج بطريقة لا تناسب الذوق العام، إلا أن الأدهى والأمر أن شخصيتاها أقامتا علاقة عاطفية بينهما، ادعت أنها لم ترد ذلك ولم تفكر حتى به.

لا أصدقها ولكني لا أكذبها، لأن للفن القدرة على إدهاش صاحبه والتعبير عن خوافي غافية في متاهات لم تطرق بعد، حدقت فيها طويلا وهي تحدق في النمرة المتمردة وبدا لي أن فيها ميلا للشذوذ، لكني مجرد ما قرصتها في جنبها حتى استدارت تجاهي بكل الفتنة والإغواء والغنج الذي من الممكن أن يرتديه وجه أنثى في مكان عام كهذا، في الواقع غمزتني بشفتها المضمومة ولكني عدت وتشاغلت بالأسد المهيب الذي كان يحترق تحت فضول مئات العيون، سحبتني من يدي في الزحام وأخذتني إلى ظل شجرة أهدأ في الحديقة، انتظرت أن تطبع الغمزة على شفتي ولو بشكل خاطف تقاربهما وتروي شيئا من ظمئي ولكنها عادت للحديث عن رغبتها في كتابة قصة من وحي المشهد، ولكن لم لا تكتبين من وحي أولئك الأطفال؟ ردت بأنها لا يمكن لها أن تفكر كطفلة والطفلة فيها ماتت منذ زمن ولا تريد لها أن تنبش قبرها، لنحاول وما علينا في حالة الفشل إلا أن نجمع عظامها ونرقدها بسلام بعد أن نقرأ عليها سورة الفاتحة، فلنكتبها معا من وحي أحاديث الأطفال، لم علينا أن نتعذب بالقصص دون أن يتاح لنا فرصة لنخلقها بحرفية ودون آلام؟ ولأنه ليس لنا ما نخسره كما يسهل القول ونستسهل الترديد، جمعنا كلمات الأطفال المتناثرة هنا وهناك في كيس ورقي كبير كان ممتلأ بالفشار الذي نثرناه للطيور أمامنا بطيبة خاطر، اربطي الكيس لئلا نفقد هذه الأصوات، ضممتها إلى صدري وهي تضم الكيس غير عابئ بعين قد تكون مترصدة فلهذا خلقت الحدائق في شرق المتوسط، شيء ما أفزعها في الداخل، صوت أشيلوس تعوي مؤذنة بالرحيل، وقع الكيس منها أرضا وحاولت لملمته ولكن الحكايا كانت قد وطئتها الأقدام المحملة بالخيبة بعد رفض الأسد أو ربما فشله في تطويع عروسه الشقراء لصنع ذلك اللايغر المشوه، تعبت وهي تجمع التراب من الحديقة، تغبرت يداها فبدت أجمل وتناثر شعرها إلى الأمام ولم يمكنها رده لئلا يتسخ، نبست بكلمة واحدة، ليث، ساعدتها عن طيب خاطر ودون أن تبدي كلمة شكر أو اهتمام، استدارات فجأة ماشية إلى صنبور مياه صدئ في الجوار وتركتني أحدق في التراب الملطخ بحكايا كتب لها أن تظل طفولية عصية على الكتابة والتدوين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة أردنية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى