الأربعاء ٢٩ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩
بقلم إيهاب جوزيف

هكذا هي

تقدموا.. لا تعتبرون انفسكم غرباء.. فتلك هي جنتي الارضيه التي حكيت لكم عنها مرارا..

ما رأيكم ؟.. انه بيتي الذي أعشقه.. انه بيتي الذي لا أستطيع فراقه.. ما أن تطأ روحي فيه حتي تسرع بقايا رائحته المميزه والمحببه الي قلبي لتكون أول من يستقبلني.. فلطالما تملأ أركانه طيلة اليوم و دائما ما تأبي أن تنصرم دون أن ترحب بعودتي..

أنه بيتي.. كل ما فيه صديقي.. سنوات عده مرت ولم تتغير به الاشياء.. كل في مكانه.. كل كما تركته.. وكأنني غادرت منذ ساعات و كأنه بانتظاري.. مكتبي.. سريري.. ملابسي و حذائي.. كتبي.. صورتي.. حتي ساعتي المنبهه لم يتبدل موضعها.. حانت مني نظره خاطفه اليها فتنبهت..

انه الفجر.. ميعادها الذي طالما انتظره لالقاها فيه.. انه الفجر حين لا يعلو شئ فوق سطوة الهدوء الذي يغلف جميع الامكنه و يملأ كل النفوس.. حينها اناديها لتصحو فتصحو مستجيبه.. انتظرها حتي تستفيق من اثار سباتها القلق.. أستحثها لتأتيني وأظل أنتظرها.. اصيخ السمع.. نعم انها هي.. لم انسي ابدا وقع خطواتها.. لن انسي ابدا أنة الارضيه الخشبيه تحت وطئة قدميها.. اراها جيدا رغم الظلام الدامس.. لم تتغير كثيرا.. ربما هو بعض الشيب الذي غزي مقدمة رأسها ليس الا ليزيدها وقارا علي وقار ويعلن في تحدي عن حكمة سنوات من الحياه تفيض من هذا الرأس.. نعم.. انها هي.

في هدوء تام تأتيني.. في سكون كامل تجلس امامي.. في صمت حريص تنظر الي ابتسامتي المطمئنه ولكنها لا تطمئن.. في لهفه واضحه تسألني عيناها.. تتمني لو اجيبها ولو بكلمه واحده حتي وان كان بعدها الصمت ابديا.. انصت لهذا الصوت المنتظم الذي حطم لذة الهدوء من حولنا لأدرك انه ضربات قلبها الذي يختلج خوفا علي.. انظر الي وجهها فأجد عيناها حائرتان تفحصان وجهي في هلع.. انظر الي شفتيها فأجدهما ترتعشان رعبا من أجلي.. تنعكس كل الالام التي تعتمل بداخلها علي وجهها الملائكي التي تصرخ قسماته في صمت موجع.. كم تمنيت لو أستطيع التخفيف عنها ولكن..

تمتد يدها الي.. تتحسس هذا الجدار الزجاجي العازل بين لمساتها وبيني.. تلعنه بصوت خفيض ليخرج همسا يصم أذني.. تتلاعب بها الذكريات فتبدأ في البكاء.. ليتها تعلم.. ليتها تدرك.. كم هي غاليه تلك القطرات التي تذرفها.. كم هي مؤلمه وموجعه.. لا تسعفني ذاكرتي كي أتفكر عدد المرات التي وددت فيها أنني لم أخلق أساسا كي لا تربط بيننا ذكريات أقل ما توصف به أنها رائعة الجمال.. كم تمنيت أن تمحي من رأسها تلك الذكريات التي لم تكن تربط بيني و بين أخر سواها فقط كي لا تبكي ثانية..

أعود من أوهامي وامنياتي لأجدها لا تزال تبكي.. تتسألون لماذا تبكي.. الا تعتقدون أن سؤالكم فيه شئ من الغرابه.. انها تبكيني انا..

كم تمنيت لو أستطيع تحطيم تلك الصوره التي تدميني كلما دمعت عيناها الغاليتين عندما تشخصان اليها.. كم كرهت تلك الصوره ووددت أن تختفي.. أية صوره ؟!.. ماذا دهاكم ؟!!..

انها صورتي التي اصبحت تحتل اكثر من نصف الجدار.. استرق اليها نظره خاطفه.. أجدني فيها مبتسما.. فكم رأيت صورا لأخرين يبتسمون.. بعضهم في بلاهه واخرون في أصتناع وقله من القلب و لكني كلما كنت انظر الي صورتي أشعر بأبتسامتي فيها كمن يريد توصيل رسالة اطمئنان لمن أمامه.. حينها لم قاصدا شيئا ولكني حين نظرت الي عيناها الدامعتان والي شفتاها التي بدأت ترتسم عليهما ملامح أبتسامه تشرق لها الشمس ادركت لتوي مدي صحة اعتقادي.

لا أخفي أنني لم أنظر لتلك الصوره منذ بضعة سنوات لا أذكر عددها.. ليس لسبب اكثر من أن تلك الشاره السوداء الموضوعه علي زاويتها العليا تبعث في نفسي شئ من الانقباض..

أعرف يقينا أنها الان تشعر بوجودي.. تريد أن تحتضني.. تريد أن تبكي علي صدري.. كم وددت أن أرتمي برأسي علي كتفها وأبكي.. لا أعرف لأي شئ أبكي.. لكني اريد أن أبكي ولكن بين ذراعيها حيث الاطمئنان.. حيث الراحه.

ما كل هذا الحب ؟!.. لا تتهكمون ايها الرفاق.. فهما اختلفت الازمنه وتعاقبت.. وتغيرت الاماكن وتشكلت تظل هي علي حالها..

نعم.. هكذا هي دائما.. انها أمي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى