الثلاثاء ٩ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
بقلم صبري هاشم

شرفات برلين

1 ـ الشرفة

بالقربِ مِن سماءِ شُرْفتي،
التي بالزّاجلِ مِن الحمامِ ازْدَحَمَتْ ومِن دخانِ سيجارتي تكدّرتْ،
مرّتْ غيمةٌ بيضاء
كانت مُتْعَبةً فقيلَ إنّها خَزَعَتْ مِن سرْبِ غُيومٍ
دَهَمَنا ذاتَ طَقْسٍ خريفيٍّ أو ذاتَ شتاء
دَعوتُها فتوقّفت
خَلَعَتْ معطفَها الجلديَّ وقُبّعةَ المُسافر
وللهواءِ أسْلَمتْ جناحيها
وغادرتْ زمن الطّيرانِ
ثم تركتْ رشيقَ ريشِها يتساقطُ ريشةً .. ريشة
في شُرْفتي، التي تخدّرت مِن أنفاسِ الطيرِ
وأنغامِ هديلٍ عابر،
انْفلتَ عارياً جسدُ الغيمةِ
ومنّي فلتت صيحةٌ :
هذا جسدُ عاهرةٍ إلى سمائنا
جاءت تصطاد الرّيحَ ولأنهارِنا تتعشّقُ
هذا جسدُ ضيفتي العابرة
هي تدري ما تُريد
وأنا في الشُرْفةِ أسترُ بالدّهشةِ عورتَها
وأنا في الشُرفةِ أطلُّ
منذُ نعومةِ الشمسِ وغنجِ الضياءِ
على ماءِ نبعٍ يجهشُ بأفخاذِ النساء
أنا مِن الشُرفةِ
أرى الأجسادَ بالبهاء تسبحُ
أنا مِن الشُرْفةِ
أتلمّظُ للزغبِ المفزوعِ
في شفقِ الرؤيةِ
غيمةٌ تعرّت في صمتِ الرؤيا
كنتُ في بَرْزَخٍ مِن نوم
أُرَتِّبُ في أقفاصِ الماءِ أحلامَ يقظةٍ،
عصفتْ بنشوتي ذاتَ غياب
وعلى رأسِ أشواقي أُثَبِّتُ تاجَ أُقْحوانةٍ فاجرةٍ
هي أشواقي التي بها غدرَ البحرُ والبحّارُ
هي أشواقي التي هجرتْها السفينة
دارت بي الأرضُ
وعن شُرفتي التي زارتْها الكائناتُ تهتُ
دارت بي الأرضُ
وعني نأيتَ حبيبي ووراء عالمٍ مِن ضبابٍ تواريتَ
هل كنتَ في العتمةِ موغلاً؟
هل دخلتَ في انطفاءِ البصيرةِ؟
هل كنتَ متوارياً خلف غَلاَئِل حنينٍ؟
غيمةٌ في البعيدِ
غيمةٌ في القريبِ تعرّت
لم ترَ جبالاً
ولا غيوماً برعودٍ وبروقٍ
وليست هي السماءُ ما رأيتَ
إنّها الصحراءُ تلوذُ بالسّرابِ
والبحارُ تصهلُ بالضّياعِ
سألونا :
مَنْ يسألُ المَرْجانَ عن عُذوبةِ الأعماقِ؟
مَنْ يسألُ الحيتانَ التي ما فرّطت بحبيبٍ عن شهقةِ القُبلةِ الأولى؟
سألونا :
مَن يسألُ الخالقَ عن مخلوقِهِ؟
ونسألُ :
ما تخفي وراءك أيّها الخالقُ؟
هي شُرفتي التي عليها دائماً تهبّ الرّيح
ولا يتفاداها في كلِّ أسفارِهِ قمرٌ
هي شُرفتي التي تآخي الموجَ
هي مقهى السحائبِ التي أنهكها الرّحيلُ
هي حانةُ الأكوانِ
هنا منضدةٌ للنجومِ العاشقةِ
تلك للزهرةِ المُغتلمةِ
وعلى مسافةٍ يحتسي نبتون
كأساً مِن نقيعِ المشمشِ
ومِن رحيقِ حوريةٍ تفجّرتْ شهوةً هذا النهار
هنا تدبُّ الأحياءُ
هل غادرْنا زهوَ المكانِ أم غادرتْنا الأحياءُ؟
هل نامت في فراشي فرسٌ نافرة؟
هل كانت ضيفتي غيمة آبقة؟
كنتُ في برزخٍ مجهولٍ
تأخذُني سنّةٌ مِن نوم

2 ـ أبوابُ الموتِ

تلك بابٌ تُفْتَحُ على شعابٍ في بحرِ إيجة
تلك بابُ البهوِ
أقصدُ بابَ القبرِ
وكنّا عَبَرْنا حقلَ المَرْجان
بحثاً عن أجسادٍ تركتْ قاعاً
فادخلْ وتَعَبّدْ
مِن بابِ الماءِ ادخلْ
هم زوّقوا صدرَ المَعْبَد
فادخلْ جميلاً
تقيّاً ادخلْ و نقيّاً
تلك بابٌ مِن طلاءِ الصحراء
مِن طوقٍ رَمْليٍّ تحرسُهُ الغَضَا
مِن حَيْرَةِ القطا
تلك بابٌ منها تأتي أطيارٌ وجرادٌ
ومنها تأتي الركبانُ
ادخلْ وأغلقْ
بابَ المفازةِ الأخيرةِ
ادخلْها واجعلْ طوافَك
حولَ قبرٍ جماعيٍّ للعراقيين
أو مِن بابِ ملائكةٍ تشرعُ
أمام السماءِ ادخلْ
ومِن فوق جنحِ الرّيحِ صلِّ
صلِّ حين تدخلُ تلك الأبوابَ
وتَعَبّدْ

3 ـ نهاية المشهد

اخبطْ ما شئتَ في هذا اليمِّ
فالموجةُ لا تحملُ جسداً مشبوباً
أو فكراً مشبوهاً
الموجةُ حوريةُ ماء
اخبطْ على صدرِ العفّةِ
فالموجةُ تحبُّ الشجعان
اخبطْ، اخبطْ
تلك نهايةُ أمرٍ
وتلك خاتمةُ المشهد

4 ـ مرتحل

أنّى ارتوينا وجدناك ظامئاً
تتحرّشُ بالخمرِ والندى
وفي حانةٍ تطلُّ على أحزانِ شطِّ العربِ
كنتَ زورقاً للرحيلِ الأبديّ
ولم ترحل يوماً ما
أنى ارتحلْنا وجدناك عاثراً وبنا تصيحُ:
أنتم مَن صادرَ السفينةَ
سل أرصفةَ المنافي
عن أزهارٍ نبتت فوقَ قبورِ المنفيين
وتحت الأعماقِ سل المَرْجان
هل مرَّ به ركبٌ للعراقيين ؟

5 ـ أسئلة الصباح

على شرفتي التي أطلَّ منها ذاتَ ليلٍ قمرٌ شريدٌ
أُريقَ مِن جسدِ البهاءِ صبحٌ
ورقصتْ مع النسيمِ طيورٌ عابرةٌ
يا هذا المنشغلُ بقهوةِ المسافرِ
مَنْ أراقَ الضوءَ فوقَ شراشفي؟
مَنْ أطلقَ على تلك الطيورِ نداءً؟
ومِنْ على وردِ حدائقي مَنْ سرَّحَ الندى؟

6 ـ وشمٌ آخر

على جسدي الذي استمرأ الخيانةَ
وشمُ امرأةٍ أسكرتْها القبلاتُ
ونامت في قاربي الجميلِ
قالت : ستأتي الشمسُ وفوق مياهي
التي صادرَها الليلُ سترقصُ
في قلبِ صحرائي الشاسعةِ سترقصُ
على روحي المغامرِ وشمُ امرأةٍ
لبطت في الجوارِ

7 ـ همسٌ في وسادة

أيُّها الصبحُ الفاجرُ البهاء
في حضرتِك سأُطلقُ دمعتين
هما مِن غيمةٍ سبحتْ في محجريّ
ثم استوتْ بحراً
فمَنْ غيرك بطلِّها يبحرُ؟
أيّها الصبحُ الشاهقُ الحضور
جئتُ أُطرِّزَك بهمسِ
قبلاتٍ علقَ في وسادتي
منذ البارحة
8 ـ نجمة الدليل الحائرة
 
مِن البدويِّ المُتَلَفِّعِ بروحِ الصحراء
استعرْنا عباءةَ ليل
ونجمةً مِن بلُّور
وأقسمْنا أنْ نعيدَهما إليه حين نصلُ سالمين
قال البدويُّ المُتمرسُ في الإسراء:
ضعوا النجمةَ على الخدِّ الأيمن
وبعباءةِ الظلامِ التحفوا
توكّلنا على الله
بعد إسرائنا الطويلِ والطويل
واجهْنا بحراً يتوّجُ، في حفلٍ بهيجٍ، موجةً داعرةً
أمرَنا بالبيعةِ فبايعْنا
ثم بايعْنا وبايعْنا
حتى نسينا أنْ نعيدَ للبدويِّ
نجمةَ الدليل
ثم نسينا على أجسادِنا
عباءةَ ليل
لكننا لم ننسَ
أنْ نتبادلَ مع الموجةِ
قبلةَ الرحيل

9 ـ دعوة أخرى

لو دعوتني إلى مائدةٍ
منصوبةٍ على سطحِ سفينةٍ راسيةٍ في ميناء
لو دعوتني ودعوتَ إليها شمساً وأقماراً
وكائناتِ اللذّةِ
لو جعلتَ الموجَ يمدُّ أعناقَهُ فضولاً
وبكفّيك لو صفّقتَ لطيورِ المساء
وقلتَ لها تهاطلي يا شجيةَ التغريدِ
لو أتيتني بقارّةِ نخيلِ
لو رقصَ فوق رؤوسِنا النورسُ
لو استجلبتَ النسيمَ
وأمرتَهُ أنْ يحملَ كلَّ عطورِ الدُّنيا
لو جلبَ لنا الفراشُ
كلَّ ألوانِ المتعةِ وطعّمَ برحيقِ الزهرِ
جسدَ السفينةِ
لو فرشتَ الأرضَ بروحِ الحريرِ
وشغافِ طيبِ النفوسِ
ثم سكبتَ في كأسي
مِن كؤوسِ الجنّةِ ريقاً مُسكراً
لو جعلتَ الشمسَ ترضعُ مِن خموري
لو جعلتَها ترقصُ في أنهاري شهوةً
لو خرجتْ تميسُ عاريةً
لو توّجتني مليكاً
لو أخضعتَ مِن أجلي الأنسَ والجان
لو عبّدتَ لي طرقَ السماء
لو
لو
فعلتَ المستحيلَ
لما خنتُ العراق

10 ـ فستان مارلين مونرو

على جسرٍ مشاكسٍ في برلين
هبّت ريحٌ شبقيةٌ
عصفتْ بين أفخاذِ النساء
اللاتي صرْنَ يَحْلُمْنَ في تلك الأثناء
بفستانِ مارلين مونرو الجميلة
الذي في جوفِهِ دارتْ ريحٌ همجيةٌ
صادرتِ الصّمتَ
وأدخلتْهُ التاريخَ
فوق جسرِ الكاتدرائية الشهيرِ
الحالمِ بموجِ نهرِ شبريه
وأجسادِ السائحاتِ
صارت تأتي الريحُ عنوةً
وعنوةً تأتي النسوةُ
فيما ظلّت آلاتُ التصويرِ
تترقّبُ ريحاً
في أيدي رجالٍ غرباء
تلك أيامٌ صيفيةٌ في برلين
التي لا تعرفُ مِن الأُنثى أنوثةً
ومِن الرجالِ لا تعرفُ رجولةً
تلك كانت أياماً وحسب

11 ـ المكان

البيتُ الذي حاورتُهُ البارحةَ
مثل طللٍ حبيبٍ
غادر المكانَ خلسةً
مثل حافلةٍ غريبةٍ
مثل عابرِ سبيلِ
12 ـ الشحّاذ
 
في شارعِ الحمّام Bad strasse
الذي يقطنُهُ المهاجرون
وتقطعُهُ صيحاتُ الباعةِ الأتراك
شحّاذٌ ينتبذُ مكاناً آمناً على الرصيفِ
مكانُهُ بضعُ طابوقاتٍ في الخلاء
في شارع الحمّام
شحّاذٌ يأكلُ بعيونِهِ المارّةَ
وبلسانِهِ مَن استطاعَ حواراً
لم يوفّرْ أحداً هذا الشحّاذُ
يعرفُه القاصي والداني
وبهيئتِهِ العامرةِ يعرفُ كلَّ الأشياء
شحّاذٌ له يتوددُ الألمانُ
ويقصدُهُ خوفاً الغرباءُ
هذا النهار رأيتُهُ يُصافحُ السيدةَ أنجيلا ميركل
مستشار ألمانيا العظيمة
هذا النهار التقطتُ له، وهو في أحسنِ هندامٍ، صورةً
الشحّاذُ كان
في أصفى ابتسامةٍ ارتسمتْ
فوق مُحيّا كائنٍ عجيبٍ
الشحّاذ كان
في مكانِه على الرصيفِ آمناً
مثلما كان

13 ـ ذي قار

ادفع .. ادفع
فهذا زورقُ ليل
والنهرُ أفّاقٌ غادر
والموجُ دفّاقٌ ثقيل
ومِن شجرِ الحَوَرِ
حوّرنا بطنَ الجرفِ
ورممنا شوقَ المركبِ
وقبلنا مرّتْ أشرعةٌ افترسها الموجُ
ادفع .. ادفع
ولا تخشَ الطينَ المتسلطَ في الأعماق
فمِنّا لا تهربُ القلوعُ
ادفع .. ادفع
ذي قار في الطريقِ
ذي قار كوني بديلاً لعزّةٍ مفقودةٍ
واجمعي أمةً تفرّقت ثم ذُلّت
ادفع .. ادفع
فهذا الماءُ رقراقٌ
ومِن ورقِ السنديانِ
ابتنينا قصوراً في الهواء
كنّا في أقصى سوْراتِ الطوفان
كنّا بوجهِ السيلِ
خلف كتائبِ الملك الكنعاني
القادمِ مِن شنعار
كنّا نمدُّ بالرجالِ وبالأفراسِ وبالأسياف
جيوشاً زاحفةً
سنحطِّمُ جحافلَ الأعداء
كنّا قوافلَ الرمال
مِن حرّان حتى أكتافِ سهلِ السوادِ
ادفع .. ادفع
فخيولُ الموتِ طرقتْ أبوابَ البصرة
ونحن على مقربةٍ مِن تلك الخطوةِ
ننحتُ في صدرِ الجبلِ الصحراويِّ سنام صنماً
للربِّ المعتلي ظهرَ دبابة
ادفع يا هذا الملتاعُ
ها قد وصلْنا
وعن طاحونةِ الموتِ
لم تبقَ سوى ساعةٍ
رميةِ حجرٍ
ثمة ذي قار
أرضُ سوادٍ باعها الزارعُ والسقّاءُ
وعافَها الناطورُ
ادفع .. ادفع
فما عدنا نخشى القصبَ المأجورَ
ولا ليلَ البرديّ المسحور
فلتأتِ يا عصفور الفجرِ بأطيافِ الليلِ الطينيِّ
ولتأتِ مثلك شمسُ
فنحن على أبوابِ البصرةِ
ما بين صهيلِ الرّمحِ وبين النهروان
فلتأتِ يا سيف الربِّ

14 ـ النهر الميت

لا يُذكرُني بشيءٍ
هذا النهرُ الميتُ في قلبِ برلين
هذا النهرُ مثل شريانٍ عليل
لا تدنو منه الأحياء
لا تسبحُ فيه الأشياء
لا ريح تهبُّ عليه
لا شجر يطلعُ على ضفتيه
هذا نهرٌ مِن ماء
ليس ماء

15 ـ الضلّيل

أنتَ عاشقٌ ضلِّيل
آخيتَ البرّيّةَ ورحلةَ الماء
وصرتَ الهيامَ الجميل
أيُّها العاشقُ المجنونُ
تلك ديارٌ خَلَتْ مِن أهلِها
كانت للأحبابِ ملاذاً
وتلك رائحةُ القوافل فاتبعْ نداها
ونداءَ روحِك المُهتاج
اتبعْ حداءَ حادٍ نأى
وظلَّ في الأعماقِ يترددُ
أنتَ مركبٌ ضلِّيل
نحو الخاتمةِ أخذتْك موجةٌ فاجرة
هناك .. فوق شهقةِ الزَّبدِ المنسيِّ تبددتْ
وأنتَ أقربُ للحطامِ
صرتَ لوحاً ينأى عن لوحٍ
أيُّها المركبُ الذي به غدرتْ موجةٌ
هل علّمتْك الأسفارُ صهيلَ الأشرعة ؟
هل أخبرتْك العواصفُ مكمنَ القبطان ؟
أيُّها العاشقُ الضلِّيل
عن هائمٍ لم يدرك جنحَ الطيرِ
حدثتْني ذات ساعةِ زهوٍ سماءُ
قالت : جاء يُكحِّلُ عيونَ غيمةٍ استمطرها الحنينُ
جاء يُداوي جفنَ طائرٍ نوّاح
أنتَ عاشقٌ ضلِّيل
مركبُ الأشجانِ
دخلتَ مِن روحي بحراً متاهةً
وغبتَ فيه
ضعتَ في شعابِهِ
تلك صحرائي القاتلة
باديةُ الله التي لم تكن يوماً يباباً
تلك مياهي المَهلكة
فامكثْ ما شئتَ
علّك تجدُ في قاعِها طللاً
أو موجةً حانية

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى