الأربعاء ١٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
بقلم أسامة كمال

الحلم الذي غاب .. محلقاً

لم ألتقيه مرة واحدة، ولم يجمعني به أي لقاء، رغم أننا أبناء مدينة واحدة، لكنني لم أر يوماً أي شي مكتوب له أمامي إلا وقرأته، فاسمه وحده كفيلاً بأن تدر عينك وقلبك لترى ماذا سيقول هذا النابه ، الذي يصل للحقائق بكل انعكاساتها من أيسر وأبسط الطرق ، يطارد ظلالها كمبدع وليس كرجل سياسة أو متمرساً فيها ، يتعامل مع السياسة كعاشق أضنته المواجع، وحالم يصنع حلمه بيديه ويسير به بين الناس ، وبليغ يصدح بصوته منفرداً ، لا يتنازل أبداً عنه ، ولا يفرضه على احد .. حينما قال : أنا ليبرالي بين اليساريين، ويساري بين الليبراليين أيقنت صدق الرجل مع نفسه ومع حلمه ومع مبادئه ، فمع يساريته التي يتيه به عشقاً ، لم يتخندق ، ولم يغلق عليه الأبواب ، كي لا يرى غيرها ، دافع عنها بعقل مفتوح ، وبقلب يدرك أن الجميع شركاء في هذا الوطن ، لم نعرفه يوما متنقلاً من الشمال إلى اليمين ومن اليمين إلى الشمال ، فالصوت نفس الصوت ، والعشق نفس العشق للتراب والأرض ، دفع ثمن مواقفه راضياً ، لم يتاجر أو يفاخر بها يوماً ، فدائماً الآخرون هم من يتحدثون عنه وعن مواقفه واختياراته ، والثمن الذي دفعه سواء في حادثة إضراب عمال الحديد والصلب أو في مواقفه النبيلة بمنظمة حقوق الإنسان المصرية ، أو في مواقفه تجاه السلطة وحرصه أن يصل صوته الحر البليغ إليها ..

في تجربته القصيرة مع البديل، صنع بحق بديلا حقيقياً لم نكن نراه أو نتخيله، بديلاً لسطوة النظام وترهله، وتهافت خطاب الإخوان الأصولي في ألفية جديدة، قوامها العلم والديمقراطية.. بديلاً حقيقياً للخروج بهذا الوطن من وطأته، ووقوعه أسيراً بين مطرقة الدولة وسندان الإخوان المسلمين.. بديلا وطنيا، يقدس حقوق الإنسان وقيم المواطنة ، ويجعل من الديمقراطية والحرية أساساً للحكم ، ومن تداول السلطة بين الفرقاء والأحزاب منهاجا للدولة الحديثة ... لم تكن – البديل - معه أبدا صوتاً زاعقاً في فضاء، بل صوتاً يقدس الحلم ويسعى إليه، ويبحث عن طرقه وكيفية الوصول إليه، ليبذر بذوره أمام الناس، كي يدركوا أن الأحلام ممكنة، وان هناك دائما بديلاً في حياة أخرى أكثر عدلاً وجمالاً..

ورغم ترجل الحالم عن حلمه، سيظل دائما حلمه محلقاً، لأنه أخلص له وتفانى في الدفاع عنه، فعلا به ومعه إلى سماء الفرسان والأبطال، الذين لا يغادرون أبداً ذاكرة الوطن


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى