احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > الليل العاري

الليل العاري

نصوص

١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٥بقلم عبد الرحيم العطري

1- ياسمين

من المؤكد أنها لم تنه بعد ربيعها/خريفها السادس، إنها تحاور الكؤوس الفارغة كرها وخطأ فى زمن الأخطاء هذا، تسافر بين طاولات الحانة الحقيرة، توزع ابتسامتها الباذخة على جلسائها من الرائعين و التافهين والراغبين أيضا فى اقتناصها من سكارى آخر الليل.. لم تكن ياسمين غير طفلة/ضحية لأم تصر كل يوم على حجز مقعد أعرج أمام”الكونطوار”، ولهذا فقد انفرض عليها أن تصاحب الأم كل مساء إلى هذه الحانة الرخيصة، تماما كما فرض عى جدتها أيضا أن تعمل منذ الصغر فى ماخور”بوسبير القديم”، إنه التاريخ الداعر لعائلة تأسس وجودها الأول على اقتصاد اللذة والألم..

الساعة تشير إلى العاشرة ليلا وياسمين لم تعانق كما فعل أقرانها حكايا الرسوم المتحركة، لم ينكتب لها النوم فى أحضان دافئة بعيدا عن صخب الليل العارى وضجيج كائناته الكافكاوية، إنها تقترب اللحظة من شاب سرقت الكأس منه شبابه، واستحال إلى شبح قاتم يستعمر يوميا تلك الزاوية المظلمة أسفل الحانة، تقترب منه ياسمين، تحاول أن تأخذ بعضا من الفواكه الجافة المتناثرة فوق طاولته، والتى يهزم بها مرارة الكأس، لكن صاحبنا يمنعها من ذلك، تتركه ياسمين وتمضى مسرعة نحو طاولة أخرى تجمعت حولها سعيدة قيدومة عاهرات الحانة والحاج عمر الذى يرتاد المكان بعد فراغه من صلاة العشاء، فضلا عن خالد/ربيعة الذى يشبه الرجال..

يقبلها الحاج عمر بشبقية مفضوحة ويسلمها قطعة نقدية، فى حين يخاطبها خالد/ربيعة بنبرة غارقة فى الأنوثة، مخبرا إياها بأنه يجيد الرقص الشرقى أحسن من والدتها التى علا صوتها أمام”الكونطوار”، إنها تختلف مع أحد الزبناء حول سعر الليلة ”ديالاش 100 درهم، لن تشترى حتى دواء ياسمين؟” تلعن الأم زمن اللذة وترفض عرض الطالب الذى تسلم للتو المنحة الجامعية، وأصر على اقتناص لحظة لذيذة يعيدا عن أعين الحرس الجامعى وعنف الفصائل الطلابية، لم يستطع المسكين أن يمنحها أكثر، ولهذا اكتفى بارتشاف جعة باردة قريبا منها، فهذا المشروب السحرى بمقدوره أن يطفئ نيران الشهوة و يبعد عنه ألم الانهيار الفظيع والموت السريرى الذى تغرق فيه الجامعة والمجتمع عموما.

منتصف الليل لم يحن بعد ومع ذلك تستمر ياسمين فى اللعب أمام الطاولات، النادل القزم الذى تركه ”النصرانى” صاحب الحانة ليكون عينه التى لا تنام، ينهرها من حين لأخر، يشتمها بأوقح العبارات، تنظر إليه باستغراب، لا تعرف لما يكن لها غير قليل من الكره، لا تتعب نفسها بالبحث عن حبة فهم فى زمن عسر المعنى، بل تواصل اللعب والتنقل عبر الطاولات إلى أن يستقر بها المطاف قبالة المعطى الذى جرب ”الحريك” أكثر من مرة، فهو مهووس بالضفة الأخرى ولهذا فقد جرب مختلف فنون الهجرة السرية، لكنه فى كل مرة يكتشف أمره ويعود خائبا نحو قطران البلاد، إنه يعمل فى دائرة الأشغال البلدية، يطهر المدينة صباحا من أزبالها، ليطهر النادل القزم ليلا ما رقد فى جيوبه من دراهم.

المعطى يطلب من ياسمين أن تقاسمه كأسه، تستجيب لطلبه بكل براءة، تفاجئها مرارة الكأس، تلفظ الماء الأشقر فى وجهه، يعيرها بأوقح العبارات ويطردها من جلسته الخاصة، الأم لا تنتبه لما يحدث لياسمين إنها منشغلة بجولة ثانية من المفاوضات مع الطالب الذى استطاع مكرها أن يرفع السعر إلى 150 درهما، إنه يعى جيدا أن هذا المبلغ الذى سيهدره فى سبيل اللذة سيؤثر على الموازنة الشهرية، وسيجعله مضطرا لمصاحبة علب السردين من جديد، خصوصا وأن الوالد لم يعد يجزل له العطاء بعد هجوم الجراد، فالرسائل القادمة من حبيبته فى الجنوب تؤكد بأن القوم يأكلون الجراد الذى أتى على اليابس قبل الأخضر، لكن طالب الفلسفة من حقه أن ”ينشط” برفقة هذه العاهرة المكتنزة، إنها تتراءى له فى أعماق الكأس..

عند تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تضاعف ثمن الجعة، النادل القزم يحاول إقناع الزبناء بأن الزيادة تكون من نصيب ”أصحاب الحال” الذين يغضون الطرف عن ساعة الإقفال القانونية، ياسمين تقترب من والدتها بعد أن أعياها التجوال والتسول، النوم يأتيها من حيث تدرى ولا تدرى، تبدأ فى البكاء، تطلب مغادرة المكان، تنهرها أمها، تعيرها بأوقح العبارات ”اسكتى يا ابنة الفاعلة”، توافق الأم على طلب طالب الفلسفة، ترتمى فى أحضانه إيذانا بانطلاق موسم العرى، تجر ياسمين بقوة مقتفية آثار الطالب الذى أسرع نحو الباب بحثا عن سيارة أجرة تأخذهم جميعا نحو أتعس النقط السوداء التى تؤطر هامش الرباط.

قريبا من سيارة الأجرة كانت سيارة الأمن ”الواشمة” فى انتظار الثلاثة، الضابط يسأل الطالب عن ”الكارنى” الذى نسيه أثناء صرف المنحة، ”طلع” بهذه العبارة حسم الضابط الموقف، ياسمين تنظر باندهاش كبير لما يحدث، الأم هى الأخرى تستجيب لأمر الضابط ”اطلعى أيتها الفاعلة”، ياسمين مازالت متسمرة فى مكانها تحت عمود فقد مصباحه، سيارة الأمن غادرت دون أن تأخذها مع الآخرين، بقيت وحيدة وسط شوارع المدينة النائمة برفقة القطط والكلاب الضالة..

2- للحزن مواويل أخرى

مترعا بالأحزان، يبعثر الخطو فى شوارع مدينة أصابها الاهتراء والاختناق، تتقاذفه اللحظات المجروحة، تأخذه نحو الغابر فيه، إنه يهفو إلى التخلص من كل هذا الذى اعتمل فى أعماقه منذ تلك الليلة المشؤومة، ما زالت الطفلة ياسمين تتراءى له من نافذة ”الواشمة”، إنه بحاجة لهواء جديد، بحاجة لعبق ثقافى يعيده إلى ذلك الزمن الفائت، قدماه تعتمران جوارب مثقوبة وحذاء مثقوبا أيضا، أعياه المسير، أبواق السيارات المجنونة تضايق وحدته، هتاف ”المعطلين” الذين قادتهم شهاداتهم العليا إلى السكن فى خيام بلاستكية قبالة البرلمان، يذكره بزمن مضى، أطال النظر فى خيامهم و معاناتهم ليجد نفسه مندلقا مع السيول الآدمية التى لا تنضب بالشارع الرئيسى، فالشارع إياه كعادته، فرصة رائعة تتحينها الأجساد لممارسة عشقها الاستعراضى، الكل هنا مدعو للاصطياد أو الانصياد، كراسى المقاهى الكثيرة عافت جلسائها من البصاصين، ها قد ترهلت مؤخراتهم عليها و جحظت أعينهم الباحثة عن لا شىء..

شارع النافورات صار صالحا لكل شىء.. تزجية الوقت.. الريكلام.. الثقافة.. الدعارة.. القنص.. واللقيا الغريبة، جلبة على جلبة، أصوات باعة ربطات العنق.. الساعات الذهبية.. المدية السويسرية.. ونقيق الضفادع النتشوية، لم يقدر صاحبنا على تحمل كل هدا الهوت، ولهذا انسل مسرعا نحو الزقاق الذى سيقوده نحو ”نادى الأسرة”، تستهويه معروضات فنية بالمصلحة الثقافية الفرنسية ومعرض باذخ الثراء بقاعة الشؤون الثقافية، لا يتعاطف مع صاحبه كما فعل مع العارض السابق القادم من مدينة المغارات.. قد يكون ”الحقد الاجتماعى"..

المنشط أحمد جواد حاضر باستمرار، يوزع ابتسامة بريئة على الجميع ممن يعرف ولا يعرف، هكذا هو رائع وبدوى عذب، على سور صغير فى ملك ”الإيزاداك” على ما يبدو جلست ال ”حياة” المحتفى بإبداعها برفقة امرأة أخرى تنتظران الجمهور..

إنها هى رقيقة.. هادئة و جميلة كما ارتسمت صورتها فى مخيلته منذ أن كان يزور زوجها الذى كان يشرف على بحث تخرجه من الجامعة.. أشقاء من ”بوران” و ”سوران” تقاطروا على المكان.. تبادلوا التحايا وحلا لهم الكلام عن التافه والمهم إلى أن دعاهم جواد إلى قاعة بئيسة تهدلت ستائرها البلا لون، ولا عجب ما دامت الثقافة تندرج فى آخر اهتمامات السياسى هنا والآن..

وراء منصة بئيسة أيضا تزاحم الخمسة: عبد الرحيم العلام، عبد الفتاح الحجمرى، أحمد العاقد وأحمد جواد، فتزين زحامهم الزهرة البيضاء حياة جاسم محمد حرم الدكتور زكى الجابر، أصر طالب الفلسفة على الجلوس فى مقعد خلفى حتى يتمكن من قراءة الجمع من الوراء، انطلق الحفل بقراءة لعبد الرحيم العلام فى نصوص ”للفرح أغنية أخرى” وانطلق النبش فى جراح ذات مكلومة بالغربة والقلق والفقدان..

الأمر يتعلق بنص ماكر ومخادع.. نص مستعص على القبض.. نص لا جنس له على ما يبدو، هكذا قال العلام لما أراد التوغل بين دفتيه، فما يقرأ فى ”للفرح أغنية أخرى” لا يحيل فى الحقيقة على الجنس الأدبى الذى سطره الناشر – وليس المبدعة – على الغلاف، إنه نص مستفز يتطلب قراءة خاصة فهو يستثمر تقنيات روائية، و يراهن على فضاء حكائى يمتزج فيه البيوغرافى مع الحكائى مما يؤهله للولوج إلى جنس الرواية من أجمل المداخل.

إن”بوران لن تكون غير العراق/بابل الجريحة هكذا قال طالب الفلسفة وهو يصيخ السمع لمقاطع رائعة استشهد بها العلام، ونهر دال لن يكون غير دجلة الفرات من غير شك، إنها نصوص تحكى سيرة امرأة تستدفئ بإيديولوجيتها ومنفاها الاضطرارى، علها تحكى صورة الواقع الذى لا يرتفع.. صورة الوطن الشريد.. وهموم رحلة متعبة مثخنة بجراح الفراق، كتابة غوائية نقدية.. تفضح.. تصرخ فى وجه الرداءة والابتذال.. تتميز عن أى كتابة أخرى.. تعزف على أوتار الاغتراب أسطورة سيزيفية جديدة بعد التمرد الأول حد العذاب.. وحد الانتشاء..

الحجمرى اعترف هو الآخر بأنها نصوص ذات تخييل ممتد.. تبحر فى عوالم التخييل الإبداعى دونما تخندق فى جنس أدبى معين.. ”إننا فى حضرة كاتبة متميزة تكتب كى تستعيد أزمنة خاصة حتى لا يلفها النسيان، إنها تحارب الانقراض بالكتابة”.. مرة أخرى تساءل الطالب فى أعماقه لما هذا الاستغراق فى هموم الذات، وغاص هو الآخر فى تداعيات شفافة تبقر سحايا ذاكرة ملتهبة قادته قسرا نحو الجراد وموت الحب والإنسان..

بعد كل هذا الذى قيل طلب المنشط أجمد جواد من الدكتورة حياة جاسم أن تشنف أسماع الحضور بشذرات من إبداعها المحتفى به، لم يكن أمامها إلا إجابة دعوة جميلة قرأتها فى أعين أحبتها من بوران وسوران وغوران.. واختارت” كابوتشينو الصباح”، واسترسلت فى القراءة السليمة.. روت لنا”حياة”حكايتها الطويلة/العجيبة مع قهوة الصباح فى بلاد العم سام.. ملتقطة تفاصيل حياة الآخر ومستعرضة مخاوف الذات واغترابها ومسترجعة أيضا هموم الوطن والرحيل..

حوالى نصف ساعة من الحكى والوصف والتخييل برفقة القلق والوحدة والانزلاق نحو مغاليق الأنا وعنف الآخر، والحضور يستمع لحكاية امرأة منقوعة فى الألم والضياع، لعوالم تتشح بالحزن والانجراح والانتكاس..

آذان العشاء يتعالى قادما من المسجد المجاور.. منبهات الحافلات الأخيرة.. عبث بعض مراهقى ”الإيزاداك”.. البروفات الأولية لأوركسترا المسرح الوطنى.. وفى عقر النادى دردشات جانبية.. وهمس صار مسموعا لنساء انزوين فى أقصى اليسار واختلفن حول قيمة العقد الذى تضعه الزهرة البيضاء التى كانت تواصل الحكى غير آبهة بما يحدث..

انفتح بعدئذ باب النقاش حول الإبداع النسائى والقراءة الذكورية وأسباب تغييب الحوار وقتل الشخوص وغائية الصوت الأحادى.. تكلمت ليلى أبو زيد صاحبة ”عام الفيل”، وناقش عبد الله سفيان واتهمت إحداهن قراءة العلام بالتخشب، رد لها الصاع صاعين وربما أكثر متهما إياها باللافهم.. تعالت فى الخارج قهقهات مراهقى ”الإيزاداك” وبروفات الأوركسترا التى فوق ومنبهات السيارات المجنونة والحافلات المهترئة.. لم يبق أمام الحضور إلا تبادل التحايا وضرب المواعيد والانصراف إلى أحوال السبل.. الساعة جاوزت العاشرة ليلا والدريهمات الثلاثة سقطت من طالب الفلسفة لما وضعها فى جيبه المثقوب، لن يستجيب أى واحد فى هذا الوقت المتأخر لشارة ”الأوطوسطوب”، ليس أمامه إلا السير حتى يبلغ أشقى نقطة فى العاصمة هناك حيث يقيم بعدما منعوه من ارتياد الحى الجامعى بسبب اختياراته الثورية.. الشارع الرئيسى فارغ إلا من سكارى بؤساء لفظتهم الحانة الحقيرة، ياسمين برفقة والدتها مرة أخرى وطالب آخر فى مطلق الأحوال ينتظرون سيارة أجرة، سيارة الأمن تتربص بهم وبغيرهم من كائنات الليل، عراك متواصل بين بائعات الهوى حول زبون كريم من آل الذهب الأسود.. بائع جرائد الغد.. كلاب ضالة وقطط حبلى.. تترنح فى الزوايا المظلمة..

“إلى الأمام سر.. واحد.. اثنان.. ”ثقب فى الجيب وأخر فى الجورب النتن وثالث فى الحذاء ماعزى الجلد ورابع فى الرأس وخامس أكبر وأفظع فى القلب، ثقوب فى الوطن وثقوب فى هذا الكوسموس العظيم، والسبب هو الوفاء لمبادئ فقدت نضارتها ونجاعتها” أهذا هو قدرى؟ أن ألتفح يوميا بسياط هذا الزمن الردىء، أن تمتص دمائى فى واضحة النهار، ومن غير إثارة للشفقة؟ إلى متى ستستمر طواحين الكلام فى سحقها لحبات القمح الصغيرة”حدث نفسه طويلا وهو يطوى المسافات، تذكر ”سباق المسافات الطويلة” لعبد الرحمن منيف، وهو ينتقل عبر أزمنة الرباط المتناقضة، من الشارع الرئيسى حيث التلميع على أشده إلى أحزمة الفقر التى تطوق العاصمة..

يغادر زمن الفجيعة إلى الشدو و الغناء بصوت مبحوح فى سكون ليل يبكى هذا الزمن الفادح، و القلب يعتصر ألما على ضياع فى زحمة المبادئ وخذلان الشهادة، وفى اللب شيء مما راج فى ”نادى الأسرة” من أسئلة شقية عن الوطن،” فما الوطن يا حياة؟ ها ثقوب الوطن صارت أكثر إيلاما فمن يقدر على حياكتها؟ على كل للفرح بل للحزن مواويل أخرى نتجرع مرارتها مع انبلاج كل فجر جديد يقلص المسافة بيننا وبين موعد انقراضنا” الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا وسباق المسافات الطويلة شارف على الانتهاء، طالب الفلسفة يريد أن يرتاح من كل هذا الذى اعتمل فى قفصه منذ الصباح، من المؤكد أنه سيرتمى فى فراشه وسيغط فى نوم عميق، فمحاضرة الغد التى سيلقيها ذاك الأستاذ المتحذلق لا تحرض على الذهاب إلى الجامعة، لم يكلم أحدا من رفاقه الذين انتظروه طويلا ليشاركهم العشاء، توجه مباشرة نحو سريره المثقوب وغاص فى ثقوبه البلا حدود.

3- تراجيديا الليل العاري

الليل عالم آخر ينفتح على حيوات من التيه والضياع، دنيا قزحية تتراقص فى أبهائها نجوم البلادة، تزأر فى أقبيتها خفافيش اللعنة، حلكته تفتض أسرار النهار المزيفة، تشى باقتحام تخوم الأنا المتشظية ”أحسنى الآن كائنا ليليا يوقع وثبات الشغب على ضفاف الأحزان، أنصت إلى القابع بين ضلوعى، وقد تعالى من حولى النباح والضجيج القادم من محركات السيارات الفارهة التى تعبر أرقى شوارع أكدال بعد منتصف الليل".

المعطى لم يحجز الليلة مكانه المفضل بتلك الحانة الحقيرة، تدشينات رسمية متوقعة جعلت جميع عمال النظافة يعملون ليلا، فلا بد من تلميع شوارع المدينة ليلا، قادته ظروف العمل هذه الليلة إلى شارع بن سينا بأرقى أحياء العاصمة، هناك عليه أن يكنس الأزبال وحده برفقة عربته الصغيرة التى تحوى كل شيء، إنها تحوى أسرار البيوت والوطن والعالم أجمع، فمن خلال الأزبال يستطيع المعطى قراءة الطالع السياسى والاجتماعى للوطن، لكنه هذه الليلة بحاجة إلى مكانه الطبيعى، يريد أن يعتذر لياسمين لما بدر منه فى ليل عارى أخر، يريد أن يقول لوالدتها المعتوهة، أنها تغتصب طفولة ابنتها بالزج بها إلى عالم الليل، إنه يكره العمل ليلا.. هدير السيارات المجنونة يمنع جفونه المحتقنة غضبا وسخطا من الإذعان لرغبة نوم تطارده منذ أول أمس، قريبا من شباب معطلين اختاروا المبيت فى العراء قبالة وزارتهم التى خذلتهم ولم تشغلهم، افترش ”الكارطون” ينتظر أول خيوط الفجر.. الأرق ”ولد الجرام” يصاحبه كرها، راغب هو اللحظة فى الانتهاء من سخافات النظر المفجوع، شباب درسوا وحصلوا على شهادات عليا فكان مصيرهم هو المبيت فى العراء، لهذا لا ينبغى له أن يظل فى هذه البلاد، لا بد من ”الحريك” نحو بلاد الشرفاء، نحو البلاد التى لا ينام فيها المعطلون فى خيام بلاستيكية وقبالة برلمان الأمة.. لابد من الهجرة نحو البلاد التى أخبره صديقه الشاعر محمد بلمو بأن العاطلون بها أسسوا منظمة تدعى ”العطالة السعيدة” يناضلون عبرها من أجل إقرار حق دستورى فى العطالة، سبحانك ربى آل الشمال يناضلون من أجل العطالة، وآل الجنوب ضاقت شوارعهم بالضائعين والمعتصمين والمضربين عن الطعام والكلام والراغبين فى الاحتراق والموت فى مقبرة المتوسط..

وتستمر الحياة عفوا يستمر الليل العارى فى اندلاقه نحو مرافئ الفقد والفجيعة، فما كان يتوقع المعطى أن يجد صديقه ”حمو” الذى كان مجتهدا للغاية معتصما فى العراء، ما كان يتوقع أن يحيك و إياه زمن العراء وبرد الليل القارس، قدمه لأصدقائه المعطلين، كان عددهم يربو عن الستين، تزاحموا كلهم على الأرضية الرخامية لمدخل وزارتهم وتاهوا فى عوالمهم المشروخة بحثا عن حبات فهم لما يحدث لهم فى وطنهم..

الدقائق تحتضر ببطء شديد والليل يمعن فى عرائه، كلام المعتصمين يرتفع بسبب خلافات”صحية”حول تطعيم الملف المطلبى وصيغ التصعيد النضالى.. الصديق العزيز ”حمو” يرفع عقيرته بالصراخ ”أضاعونى وأى فتى أضاعوا” المعطى يتذكر على التو ذكريات الخشبة والأدوار والديكور والتداريب وتلك المسرحية التى منعوا من عرضها لصاحبها محمد أبو العلا ”بعد الحكى تموت اللقالق”، فها قد ماتت اللقالق، ومتنا جميعا فى زحمة الحياة، مات المسرحى فى أعماق حمو ورشيد وعبد الكريم وعبد الله وبشرى ونزهة، ومات الإنسان فينا جميعا..

الليل ابن الكلب يرفض الرحيل، إنه يعزف سمفونية المفجوعين والمخدوعين، وها القلب المكلوم يتألم بعدما هجرته ”فاتنته” التى أعياها الانتظار مع شاب لا يجيد سوى حل الكلمات المسهمة واللهاث وراء أرقام ”الكوارطى” و "التيرسى”، قالتها عند ربوة حسان، هناك حيث حلا لهما حينا من الدهر أن يمارسا الحب ”إلى متى الانتظار؟” لم يكن أمامها إلا إعلان النهاية و”تقرير المصير” بعيدا عن المعطى الذى ترك شهادته العليا فى الفيزياء وانبرى يطهر المدينة من فضلاتها، بعدما أهداه رئيس الجماعة ”السلم واحد” جزاء له على مشاركته الفاعلة فى الحملة الانتخابية..

يرفض الليل العارى الرحيل، تراجيدياه يؤثتتها حمو وأصدقاؤه، على المعطى أن يتفقد أحوال عربته قبل أن يدركه الصباح، ها زوار الليل يتحركون، ليس من أجل اغتيال أرواح التغيير كما حدث ذات عقد سبعينى، ولكن من أجل اغتيال بقايا الأطعمة والمهملات فى قمامات الأزبال.. أطر الدولة المعتصمون غطوا فى نوم من المستبعد أن يكون عميقا برفقة هذا البرد القارس، يختبئون فى ”بطانيات” تفوح منها رائحة العرق المالح.. آه العرق المالح والموت فى المالح و الصمت المالح وكل شيء مالح.. إنه زمن الملاحات.. لم يدر المعطى كيف تسللت دموع مالحة من مقلتيه، اهتاجت وانسكبت عبر تجاعيد وجهه، تحسس ملوحتها ولعن اللحظة التى تقود نحو العطالة والمبيت فى العراء، تساءل عن مدن الملح ومرض الملح الذى اختطف منه أعز الناس إلى خافقه..

“واهم من يعتقد أن الرجال لا يبكون” القمر مترع هو الأخر بأحزانه، يتأمله المعطى ويناجيه وهو يدفع عربته نحو المجهول، وحيد فى الأعالى يتفرج على تراجيديانا العراء” إذا قدر لى أن أرحل فلن يكون الرحيل إلا من فرط الألم والضياع” هكذا قال المعطى مودعا صديقه ”حمو” الذى بقى يحرس الشهداء من بنى عطالته..

الليل عالم آخر سفر متجدد نحو ملكوت تتهامس فيه الأنواء الملتاثة، الليل عالم أثير للمعطى لكن ليس فى العراء، لقد افتقد ياسمين والحاج عمر وسعيدة والنادل القزم وباقى الكائنات الكافكاوية، إنه لا يوجد إلا هناك حيت النسيان سيد المكان، حيث اللذة تعفى من التفكير فى الجارى بلا انقطاع، إنها ليلة بائسة قادته نحو ما لا يريد الرجوع إليه، تبا له من ليل عارى ”لن أعمل مرة أخرى ليلا”حسم الموقف وترك العربة أمام رئيسه ملأى بأسرار المدينة، وسار على غير هدى يبغى النسيان..

4- كرنفال المبادئ

أفترش أحلامى الذابلة.. وقد تناثرت الأوراق من حولى، أجترحها وأمتشق فى دروبها سلالات الورد الغجرى لأوزع بحورا من الحزن فى سماوات الهذيان.. أصيخ السمع لحوافر الصهيل الأخير بحثا عن لذائذ الغربة التى تعرينى وتفضحنى..

ليس لى من مكان فى هذا العالم غير هذه الزاوية المظلمة، ليس لى من أنيس غير هذه الشمعة وهذه المرارة، وهذه ال ”ياسمين” التى تنتحر طفولتها فى هذا الهنا، ”ابتعدى يا ياسمين، اتركينى وحيدا ودعى الفواكه الجافة”، هكذا أقول لها كل ليلة، لكنها لا تمل من الشغب..

حقا أهاب الأوراق.. لأنها وبكل بساطة تعرينى وتورطنى فى البوح، إنها تأخذنى قسرا نحو انكساراتى الدائمة.. لا أدرى لماذا أكاتبك؟ لماذا أخط إليك هذه الشكاوى الملتهبة؟ تذكر جيدا أننى لم أراسلك قط، نكتفى بتبادل نظرا تائهة ”نعبر فى صمت” ونودع بعضنا فى صمت إلى أن لف الصمت علاقتنا وإلى الأبد.. ها أنذا أهفو إلى صمتك.. إلى جلستك الغريبة فى زاوية الغرفة، وعلى ضوء شمعة باهت تفك طلاسم جريدتك المفضلة.. وبين الفينة و الأخرى تعدل نظارتك السميكة.. لا تحزن إنها فى ”الحفظ والصون”، كم كنت تطير فرحا عندما ترى إسمى بالجريدة.. منك تعلمت أن البحث عن الحقيقة يكون انطلاقا من الزوايا المظلمة، ها أناى تستعمر زاوية الحانة منذ رحيلك ومع ذلك لم أبلغ حقيقة الأشياء..

لا تخف ما زلت أدمن قراءة الشعر، ألم تخبرنى يوما بأن فاتنك رامبو قال بأن أول دراسة للإنسان الذى يريد أن يكون شاعرا هى معرفة نفسه بتمامها، وها قد عجزت عن معرفة نفسى.. إذن ليس لى حظ فى دخول مملكة الشعراء.. وعاجز أنا أيضا عن معرفة أى شىء، ما أنا إلا فاشل فى زمن غريب عنى.. لهذا قصدتك كما العادة أطرق بابك، أقبل يدك الطاهرة وأرتمى فى أحضانك وربما أبلل قميصك الأخضر بدموع تخذلنى كلما أويت إلى هذه الحانة، أريد أن أشكو إليك إحساسى باللامعنى واللاجدوى من الحضور أو الغياب.. لكنك لا تجيب.. تلوذ بصمتك من جديد.. تحدثنى بعينيك الغائرتين وقد داهمهما المرض الخبيث، أعرف أنك تتألم أعرف أن الموت يتربص بك، يريد أن يختطفك منى.. ورحلت وتركتنى وحيدا أحارب بمبادئ أورثتنى إياها لا ينصح بها فى هذا الزمن، ولهذا أكاتبك اليوم، ولكن من من سعاة البريد بمقدوره إيصال الرسالة، آه لو كان بالإمكان أن نتواصل مع أحبتنا فى العالم الأخر، لكن لا يهم سأكتب وسأضع قولى فى زجاجة فارغة ألقيها فى اليم مثلما يفعل أبطال الشاشات الكبرى.. إذن إلى البدء ”العزيز دائما..” معذرة لا أستطيع مواصلة الكتابة فالسيدة سعيدة قيدومة الحانة تطلب منى أن أفك لها خطوط رسالة قادمة من ابنها/صديقى الذى ”حرك” العام الماضى إلى الضفة الأخرى”العزيزة سعيدة لن أستطيع المجيء هذا الصيف، منشغل أنا بإتمام مراسيم الزواج من ”نصرانية” ليس لها أى حظ من الجمال وتكبرك بعشرين سنة، لا يهم، المهم أنها الطريق القصير نحو ”الأوراق” لا تنتظرى منى نقودا حتى ينتهى شهر العسل أو القطران، حقا لا أدرى.. عزيزك محمود” رسالة مقتضبة جعلت سعيدة تثور فى وجه الجميع، تلعن الضفة الأخرى، تلعن الوطن الذى يهدى أبناءه لمقبرة الأبيض المتوسط، النادل القزم يحاول تهدئتها، تدفعه وتخرج نحو المجهول..

“أما أنت أيه العزيز إليك شكواى التى تذكرنى بشكاوى الفلاح الفصيح أول وثيقة فى العدالة والمطالبة بالحق فى أرض الكنانة، هذا ما أخبرك به المصريون الذين كنت تعمل بمعهدهم بديور الجامع بالرباط” ها قد تلاشت أحلامى أصابها القرف، صارت مقزمة تحلم فقط ببلوغ الخبز اليومى، فلا تقلق فالزمن الرديء سرقها منى وشوه محتواها وامتدادها، وما باليد حيلة، ما ذنبى إن كانت عملتى ممنوعة من الصرف؟ ما ذنبى إن كان رأسمالى هو تلك المبادئ الموروثة عنك؟ الكل هنا يدعو إلى الحربائية، حتى صديقى المراكشى نصحنى بالخروج من الجلد تماما كما تفعل الثعابين حتى أجد لنفسى موقعا مع “رهوط سيدنا سليمان” الذين صاروا يحكمون و يتحكمون فى كل شيء..

أداعب اللحظة نظارتك أيها العزيز، أمسح عنها غبارا طارئا.. و أتذكر ما قاسيته فى وزارتك الظالم أهلها بسبب مبادئك، وفى دواخلى تتصارع قوى خفية بعضها يدعو إلى الاستحمام فى الوحل والأخرى إلى استئناف نضالنا الصامت، فلا تظن بى ظن السوء، ولا تنس أنك أخبرتنى يوما بأن سارتر الذى التقيته بفرنسا لما كنت تعمل فى السيرك، قال بأن مهمة الكاتب اليوم هى أن تكون نوعا من الشهادة الموجزة على موت الإنسان .. فقد مات الإنسان من غير شك، من حسن حظك أن رحيلك جاء مبكرا قبل أن تطرق مسامعك موجة جديدة من المفاهيم المبتذلة ”رحلت فى الضوء” ورحلت قبل أن تسمع رحيل ذلك القبانى الذى أهديتنى كتاب حبه عندما أخبرك الوشاة بأننى غارق فى حب فتاة من الدرب، لقد رحل نزار ليقيم فينا ياسمينه كما قال الشاعر الصديق محمد بلمو الذى هجر الصحافة واختار المنفى القهرى ببلدته الرائعة بنى عمار قريبا من مولاى ادريس زرهون.

هل من السهل رسم نقطة الانتهاء، الأمر صعب للغاية وما يظهر لك بسيطا فهو الأصعب ”هكذا قال غوته ذات مرة، كيف أمنعنى من مناجاتك فى هذا المساء اللذيذ، ها قد تاه عنى كل شيء وغاب عنى كل إحساس بالزمن، لأفترش مجددا أحلامى الذابلة وقد تناثرت من حولى الأوراق والجعة والفواكه الجافة التى تحبها ياسمين، أجترحها وأمتشق فى دروبها سلالات الورد الغجرى.. لأوزع بحورا من الهذيان.. أصيخ السمع لحوافر الصهيل الأخير.. بحثا عن لذائذ الغربة التى تعرينى وتفضحنى..

النادل القزم يصيح بأعلى صوته، يقول بأن أصحاب الحال اشترطوا عليه الليلة أن يقفل فى تمام الواحدة صباحا، ثمة مسؤول جديد تم تعيينه، ولهذا فهم لم يعرفوا بعد كيف سيدخلونه إلى كرنفال المبادئ ”حتما سيدخل و سيأكل من الكاميلة” هكذا قال النادل القزم وهو يطردنا جميعا من الحانة، لا مجال، انتهى الليل قبل أن يستكمل طقوس عرائه، لا مجال، إنه زمن البؤس والرداءة..

5- حبل الكذب

“فين اللبدة والما السخون وا سربى راه العصر ودن قبيلة” الحاج عمر يخاطب إحدى زوجاته الأربعة، إنه يتهيأ للصلاة كى يخرج بعدها نحو حانوته القابع بقيسارية الذهب بسلا، هناك حيث يمضى الوقت الطويل فى لعب الورق والضامة وممارسة التلصص الجنسى، إنه يستحيل شخصا آخر كلما ولج البيت، وداعته ورقته فوق العادة التى ترافقه فى محل الذهب لا آثر لها هنا فى هذا البيت العتيق الذى يأوى زوجاته وبناته وأولاده الذين يزيد عددهم جميعا عن العشرين، إنه لا يذكر أسماء الكثيرين منهم، ولهذا يحرص دوما على مناداة الواحد أو الواحدة منهم ”آجى آ الباندى آ اللفعة”.. سيصلى الحاج عمر فى عمق الباحة، إنه يقول لهم بأنه ذات المكان الذى صلى فيه والده قبل أن يقوم بعملية انتحارية فى سبيل إخراج المستعمر، فذات البيت كان يأوى كل ليلة جماعة من المقاومين، أمه هى الأخرى كانت مقاومة تحمل السلاح وسط النعناع الذى كانت تحمله من السوانى التى تحيط بسلا، ذات السوانى التى تحتضر آنا أمام بشاعة الإسمنت التى تسرق من المدينة روعتها و براءتها.

لكن لا أمه التى ما زالت تعارك الحياة، ولا هو نفسه حصل على بطاقة المقاومة التى قد تعبد له طريق توظيف أبنائه فوق ”طابلة المخزن”، وبالمقابل فجاره الذى كان عميلا لجيش الاحتلال يحوز ذات البطاقة، ويتبجح بها خلال الحملات الانتخابية التى قادته إلى المجلس البلدى والبرلمان لأكثر من مرة، و ربما ستقوده إلى ما هو أكبر فى القادم من الأيام، فهو لم يعد يظهر له أثر فى دروب المدينة القديمة، كل الأخبار تؤكد أنه استقر بحى راق بضواحى العاصمة، ها قد تغير المعاشى وصار من علية القوم بفضل بطاقة غير مستحقة، أما الحاج عمر الذى كان يعمل مع والده فى تنفيذ الكثير من العمليات الفدائية، فحالته لا تبعث على الارتياح، وحتى محل الذهب الذى ورثه فما هو إلا واجهة لتقنيع الفقر والعطالة، ”فالبلاكيور والمشلل” هو ما يوجد به، ولهذا بدأت النسوة تهربن منه فى اتجاه محلات أخرى للذهب الحقيقى، ليجعل الحاج عمر من محله ضدا فيهن مقرا للعب الورق والضامة والتحرش بمن يقودهن المسير إلى الزقاق الذى يوجد به.

المعاشى عرض عليه مبلغا خياليا من أجل شراء المحل والبيت والراديو القديم الذى يتجمع حوله الفدائيون، إنه يريد أن يشترى تاريخا ينقصه لشرعنة وجوده وتأكيد استحقاقه لتلك البطاقة التى يشهرها بمناسبة وبغير مناسبة، كثيرون من البشر يلزمه تاريخ معين لبناء حاضر محتمل وصناعة مستقبل آخر، إنهم يلهثون وراء الخلود لكنهم متأكدون بأن ما يلهثون فى سبيله لا يكون إلا بالماضى والفائت، ها قد ملك المعاشى كل شيء، لكنه ما زال يفتقر للأهم، لتلك الذاكرة الرائعة، لتلك اللحظات الباذخة التى لم يعشها بالمرة، إنه يملك تاريخا مزيفا منقوعا فى الهزيمة والخيانة، هو كظله يتبعه أينما حل وارتحل، يريد أن يتخلص منه وأن يستبدله بتاريخ الحاج عمر، لهذا تقدم ذات مرة إليه خاطبا إحدى بناته، لكن الحاج عمر رفض ”أنا لا أزوج ابنتى من الخونة، لن تسطع شمس ذلك اليوم الذى أضع يدى فيه فى يد المعاشى” هكذا حسم الحاج عمر الأمر ”لكن المعاشى اليوم من أعيان البلد ومن أغنى الأغنياء، لقد صار له شأن فى البلاد وبإمكانه أن يخلص جميع أولادك من البطالة” هكذا قالت الحاجة كبيرة زوجاته، لكن من يستطيع تليين رأس خبرت النضال والمقاومة منذ الصغر.

بواسطة ”النفحة”الوزانية" يستطيع الحاج عمر نهارا نسيان كل شيء، إنه يمتلك بواسطتها قدرة على مواصلة المسير فى طريق ملأى بالخذلان والأنذال، وبواسطة الجعة وسعيدة قيدومة عاهرات الحانة وخالد/ربيعة يستطيع ليلا أن ينسى ويغرق فى صناعة الحياة حد الانتشاء، ولو كانت حياة مزيفة، المهم بالنسبة إليه أن ينسى ويحافظ على توازنه النفسى، إنه يعى جيدا أنه يكذب على نفسه، وأنه غارق فى الكذب والتناقض، ولكن الكذب ذاته هو ما يمنحه جرعة أخرى لمواصلة المسير فى ذات الطريق المتعفنة، أحيانا يكون جميلا أن نكذب على أنفسنا وأن نوهم أنفسنا بصدق الكذب حتى نضمن مقعدا وثيرا فى الحياة، فما جدوى الصدق والحقيقة إن كان الزيف هو ما يملأ الدنيا، إنهم يكذبون علينا فى كل لحظة، فى الجرائد والراديو والتلفزيون، فى الخطب والندوات والمحاضرات والانتخابات والإعلانات، ونحن أيضا نكذب عليهم بالتواطؤ والمسايرة والمباركة والمصاحبة والطاعة العمياء، كذب فى كذب ولاشيء غير الكذب حتى نستطيع مواجهة اليومى والاستمرار على وجه الأرض، فتاريخ الإنسان هو تاريخ الكذب، وجودنا الأول على الأرض كذبة باعها إيانا الشيطان الرجيم، إذن لا سبيل أمام الحاج عمر إلا وضع البلاكيور والذهب المشلل فى واجهته الزجاجية حتى يقنع الناس بأن تجارته لا تبور، وأن يصرخ عاليا من أجل إحضار ”اللبدة والما السخون” كى يخفى لياليه الحمراء مع سعيدة وربيعة/خالد، وليس أمام المعاشى أيضا إلا أن يبحث عن تاريخ آخر يغلف به تاريخه الحقيقى، وليس أمام الساسة اليوم إلا أن يواصلوا الكذب حتى تستمر مؤخراتهم فى الجلوس على الأرائك المصنوعة من ريش النعام، فالكذب هو العملة الوحيدة التى تصرف بدون أدنى مشكل فى جميع أنحاء الأرض.

بعد قليل سيلتحق الحاج عمر بحانته المفضلة بوسط الرباط، هناك حيث يشترى لحظات من الزيف والضحك، هناك حيث ينسى مشاكل الأولاد وشجار الزوجات والتجارة البائرة وبطاقة المقاومة وعروض المعاشى والوالدة التى هزمها الدياليز ولم تقدم لها المقاومون أى شيء، سينسى كل شيء، وسيغوص فى لذة كاذبة، سيكذب على نفسه مرات أخرى حتى يستمر، فهذا هو قدره أن يقوى حبل الكذب حتى لا يسقط فى القعر العميق..

6- صباح خريفي

عندما بلغت الرابعة عشرة من العمر، بدأت تحدث صديقاتها عن فارس أحلامها البهى، بدأت ترسم له الملامح، تلونها فى أعماقها المنشرخة، تجعله تارة أسمر اللون وتارة أخرى أزرق العينين قادما فوق صهوة جواد أبيض، لقد بدأت تهتم بنفسها كثيرا هذه الأيام، لم تعد ترضى بارتداء الملابس التى تشتريها والدتها من سوق الغزل ولا تلك التى تحصل عليها من المنازل التى تشتغل بها، إنها ترفض أن ترتدى لباسا مستعملا، تريد أن تكون مثل الزهرة البيضاء فى انتظار فارسها الوسيم الذى سيطير بها إلى عالم من السعادة والهناء، وسيخلصها من كل هذا الذى تغرق فيه مع أمها من فقر وضيق ذات يد، إنها تتبرم اللحظة من اللعب مع أقرانها فى عمق الزقاق، لقد فرضت عليها التقاليد أن تنتهى من ذات اللعب حتى لا توصم ب ”عزرى الدوار”.

الوالدة التى تمتهن الخياطة توصيها فى كل حين بأن تنتبه لتلك ”الجلدة” التى تعنى الشرف والطهارة، ”إنها أعز ما تملك المرأة وعليها أن تهديها لزوجها فقط”، فى الأحاديث المسائية التى تطول أمام ضوء شمعة باهت تردد الوالدة نفس الوصية كأنها تتوجس خيفة من هذا الذى يخفيه القدر لهما، تواصل المسكينة حياكة ثياب الجيران وصناعة الرقع، فالكل هنا يرقع الثياب أكثر من مرة، ومن الترقيع تكسب قوتها اليومى، وعلى طول خط الترقيع تتواتر الحكايا القديمة عن ”هاينة والغول” وحديدان الحرامى” و”ذات الهمة” و”سيف دو يزن”.. لكن سعيدة لم تكن تعير كثيرا من الاهتمام لما تقوله الوالدة، إنها غارقة فى روايات ”عبير” ومجلة ”الموعد” التى تكتريها من محماد بائع الزريعة، لقد كانت تنسج لنفسها عوالم جديدة من ذات الروايات والمجلات، تكتب سيرا أخرى تكون بطلتها بامتياز برفقة فارسها الوسيم الذى سيأتى قريبا لينهى مآسيها، وفعلا فقد آتاها ما كانت تحلم به على طرف النقيض وبشكل أكثر مأساوية، أتاها فارس الكوابيس ليسرق منها ”الجلدة” والشرف والطهارة والحياة..

ذات صباح خريفى كئيب جاء الخال القادم من المغرب الشقى يبغى ملاقاة أخته الخياطة التى غادرت البيت قبلا قاصدة سوق الغزل عساها تجد فيه بعض الأثواب القديمة التى تصلح للترقيع، فالكل يهفو على الترقيع، العالم كله يريد أن يرقع ثقوبه وجراحاته، كانت الفرصة بالنسبة للخال أكثر من ذهبية، وهو الخارج للتو من السجن، لم تبقه سعيدة عند الباب عملا بنصيحة الوالدة، بل رحبت به وقدمت له ما طاب من الطعام، فرحت به كثيرا، وقالت له بكل براءة ”خاصك تزطم فوق الفراح باش ما ترجعش للحبس هاد شى اللى دارت مى فاطنة جارتنا لولدها منين خرج”، نظر إليها بخبث، استشعرت الخطر يبتهج فى عينيه الغائرتين، أخبرته بأن موعد ذهابها إلى المدرسة قد حان، تركته يشعل سيجارة من الدرجة الأخيرة وتوجهت نحو أقصى الغرفة لتدهن شعرها بقليل من الزيت البلدية..

لما أرادت البدء فى تغيير ملابسها فاجأها الخال بعينيه الغائرتين، يقرأ تضاريس جسدها الصغير، أسرعت فى سد أزرار القميص والقلب يرتجف خوفا وألما من الخال الذى كثيرا ما لعبت فوق كتفيه، اقترب منها محاولا تقبيلها لكنها صدته لأن عيناه لا تؤكدان بأنها قبلة عائلية بريئة، ثار الخال وأمسك بها، قطع الملابس وهتك العرض، لم يشفع بكاؤها ولا توسلها عنده، بدا كحيوان كريه، تصبب عرقا وخسة، وبكى طويلا توسل إليها ألا تخبر أحدا بالأمر، وعدها بإصلاح الأمر، لم تعرف المسكينة أى طريق ستسلكها بعدما سرق أقرب المقربين منها أعز ما تملك، انهارت سعيدة وتاهت عنها سعادة الاسم، أعطته وعدا قاطعا بأنها لن تخبر أحدا، أوهمته بأنها ستذهب إلى المدرسة فخرجت ولم تعد، كان ذلك الصباح الخريفى آخر لقاء لها مع البيت، وكان أول يوم لها فى دنيا الشارع العبثية.

سارت لمسافات طويلة، أعياها المسير فجلست عند ضفة النهر الرقراق، فكرت طويلا فى وضع حد لعلاقتها بهذا العالم غرقا حتى تنتهى من الألم الذى يربض فوق قلبها، أجهشت بالبكاء، علا نحيبها فأثار انتباه شاب كان يجرب حظه مع الصيد، اقترب منها، كفكف دموعها، طلب منها مرافقته إلى بيته ضاربا لها موعدا مع السعادة والرفاه، حسبته الفارس الذى كانت تقرأ عنه فى روايات عبير، الفرح الطفولى يستعمر تقاسيم وجهها من جديد، شرعت أمامه ما رقد فى القلب من ضنك، كان محاورا رائعا أنساها ما فعل بها الخال، قال لها ”أنا بحالك تعدى على عمى فالصغر، ولكن أنا ما زال عايش، ما شى نهاية العالم إيلا تعدى عليك، أنا ما غاديش نتخلا عليك”، صدقت كل كلمة تفوه بها ومضت معه تنسج من جديد حلما بهيا سينهار أيضا بمجرد دخولها بيت الصياد.

كان البيت الكائن بأحد دروب الملاح بالرباط ممتلئا عن آخره بعاهرات وسكارى من الدرجة الأخيرة، ترددت فى الدخول، لكن الصياد جرها بعنف ليضع حدا لكل تلك البراءة التى كان يعلنها قرب النهر الرقراق، دخلت مكرهة وانطلقت رحلة أخرى من الاغتصاب والتعنيف والإجبار على الشرب وممارسة الدعارة، ليتواصل الألم مع دخول السجن لأكثر من مرة، والعمل بأكثر من ماخور وفى أكثر من مدينة وفى أكثر من بار.

“أنا الوحيدة اللى دخلت لجميع البيران ديال المغرب” هكذا تردد دوما أمام الحاج عمر عندما تحدثه عن أمجادها وبطولاتها فى عالم ”الزهو”. هكذا كان البدء فى عالم الليل، هكذا كانت خطوة الألف ميل مع عذابات الذات المجروحة، وها الرحلة الحارقة ما زالت تتواصل بكل التفاصيل الأليمة لتتساءل معها على الدوام ”إن كان ضروريا أن يحدث كل هذا؟ تتساءل أيضا عن السبب الذى جعل فارس الأحلام يخلف موعده؟ عن السبب الذى يحيل الأفراد وحوشا جبانة تتربص بالأجساد الحالمة؟ لكنها لا تجد من جواب غير الغرق فى كأس تلو أخرى، إنها لا تمل من الشرب، ولا سبيل أمامها إلا مرارة الكأس لهزم مرارة الأيام، ولنسيان ألم الخال وضياع الأم وفارس الأحلام. إنها تحجز نفس المقعد وفى نفس الحانة منذ عشر سنوات، منذ أن أصبحت لا تساوى شيئا فى سوق الدعارة، تعيش عزلتها الحارقة وتحمد الرب كثيرا لأن الحاج عمر وخالد/ربيعة لم يتغيرا ولم يعرضا عنها كما فعل الكثيرون، من المؤكد أنهما سيأتيان هذه الليلة وستنسى معهما غصة القلب الشريد.

7- من أكون ؟

من عمق الزقاق المؤدى إلى مطرح نفايات المدينة، كان الشجار يتعالى يوميا، بين والد خالد/ربيعة ووالدته التى كانت تحمل كل عام فى انتظار ازدياده، فالنسوة كن يعيرنها بأنها ”أم البنات”، والزوج كان يهددها دوما بالطلاق إن لم تلد له من سوف يحمل الاسم ويضمن استمرار العائلة، ففى كل مرة تريد فيها تجريب وصفة من وصفات العطارين والمشعوذين كان الشجار يتعالى والكلمات النابية يتم تبادلها بين الوالدين، وكان الجيران أيضا يتدخلون لإصلاح ذات البين. استمر الحال على ما هو عليه زهاء عشر سنوات كان مطلوبا فيها من الزوج أن ينفذ بعد لأى طقوسا غريبة قبل أن يأوى إلى الفراش، لكنها لم تكن تدرى أن ذات الزوج لم يكن له أى استعداد لمعاشرتها وهو القادم بعد يوم ثقيل من مطرح الأزبال هناك حيث يمارس النبش فى فضلات الناس عله يفيد منها شيئا ”عليه قيمة”، فالفقر الذى يكتم أنفاسه وأحلامه ما ترك له فرصة للالتذاذ بالجنس، وكومة البنات السبعة اللواتى يقاسمنه بيت النوم لم يتركن له الرغبة فى الاقتراب من هذه الزوجة المهووسة بالذكر..

لكن بعد طول ألم وشجار سوف يأتى خالد/ربيعة وسوف يرتاح الزوج النباش وجيران الزقاق المؤدى إلى مطرح النفايات والنسوة اللواتى كن يتشاجرن معها، سوف يرتاح الجميع من ”صداع الرأس”، فخالد/ربيعة ملأ دنيا الأم وجعلها تقدم للكل دليلا قويا على أنها تلد الذكر والأنثى، وهو ما يعنى أنها لن تتعرض للطلاق ولن تعير بعدئذ بأم البنات، ولهذا كله سوف تسخر جهودها كلها من أجل تربية هذا القادم الجديد، فهو الأمل والخلاص ولهذا فهو جدير بالاهتمام والحب المختلف.

فمنذ قدومه إلى الزقاق المؤدى إلى مطرح النفايات وهو ينام بجانب والدته ولا يستجيب إلا لكلام والدته، لا ينأى عنها بأى حال من الأحوال، فحتى الحمام الشعبى الخاص بالنساء تدخله إليه برفقتها بعد أن تلبسه لباس البنات، هكذا استمر الحال به حتى حدود سنته الرابعة عشرة، فلم يكن يفارقها بالمرة، يحضر معها خلال الأفراح والأقراح، يشاركها جلسات النسوة وأحاديثهن الباهتة، ينقل لها أخبارهن ويناقش معها مشاكلهن الفارغة، بل لم يكتب له قط أن كان برفقة الذكور من أبناء الزقاق، فأمه كانت تحذره دوما منهم ”عنداك يديرو ليك الكلام اللى ما يصلحش”، ولهذا كان يتحاشاهم ويبقى قريبا من البنات اللواتى يشاركهن لعبة ”شريطة” والحبل و”القيوش” وما إلى ذلك من الألعاب النسوية، أما الألعاب الذكورية من قبيل ”دينيفرى” والطرومبية” و”البى” فلم يلعبها قط فى حياته، وهذا ما أكده للحاج عمر وسعيدة قيدومة عاهرات الحانة.

ومع مرور الأيام سيكتشف خالد/ربيعة أن الأنثى فيه مستيقظة أكثر من الذكر، وأنه ما كان له أن يكون ذكرا من الناحية الفيسيولوجية، فالجميع ينعته ب ”المريوة”، حتى أمه انقلبت عليه وصارت تكيل له أوسخ الشتائم التى تطعن رجولته المزورة، الأب لم يحتمل وجوده بالمرة ولم يكن يوليه أدنى اهتمام فهو فى نظره ”ولد مو"، أخواته السبعة كن يكرهنه، فهو الذى سرق منهن أمهن منذ مجيئه إلى الزقاق المؤدى إلى مطرح النفايات، انتقاله إلى الثانوية سوف يمنحه فرصة للقاء شبان مثله قادتهم ظروف الرعاية الزائدة أو الحرمان المفرط إلى هكذا حالة، ليغرق معهم/معهن فى عوالم اللذة الملعونة، وليصير الإسم ربيعة بعد خالد، فهو الاسم الذى اختاره له أحد الذين ”اصطادوه” من شارع النصر بالرباط.

ففى شارع النصر انطلقت ربيعة/خالد فى موسم العرى والألم، وفى كل يوم تندلق الحكايات وتنكتب السير مع أناس من مختلف الأجناس، ويمتلئ القلب الشريد بما جناه عليه شجار زقاق النفايات ولهاث أمه المستمر وراء الذكر، وعلى طول الشارع إياه تنتشر حكايا شباب مثله اغتيلت رجولتهم على ضفاف الحرمان والرعاية الزائدة، يذرعون الشارع جيئة وذهابا مع رحيل الشمس فى انتظار زبائن يفضلون الذكر على الأنثى. لكن ربيعة/خالد وأشباهه من أشباه الرجال لم يعودوا مقتنعين بشارع النصر كمجال لعرض بضاعتهم الملعونة، إنهم/إنهن يردن الانتظام فى إطار جمعية معترف بها على غرار ما هو معمول به الضفة الأخرى، هذا ما أسر به للحاج عمر وسعيدة القيدومة .

لكن ربيعة/خالد وبالرغم من سعيه الحثيث لإنشاء ذات الجمعية فى مغرب مفتوح على كل الاحتمالات، ما زال يطرح السؤال الذى استبد بذهنه أول مرة أخذته أمه إلى الحمام البلدى، وألبسته لباس البنات ”من أكون؟” فمن يكون؟ أهو الذكر أم الأنثى أم هما معا؟ ففى كل ليلة ولما ينتهى من عمله/دعارته يطرح نفس السؤال ويغرق فى القلق والابتئاس ولا يجد بدا من هزم السؤال غير الغرق مجددا فى مرارة الكأس برفقة الحاج عمر وسعيدة القيدومة. فمن يكون يا ترى؟؟ ذات السؤال يتردد على نطاق واسع داخل هذه الحانة القذرة، كلهم يبحثون عن هوياتهم المفقودة، كلهم يغرقون فى الكأس بحثا عن حبة فهم تهزم عسر المعنى الذى اجتاح الجميع، لكن الكأس تأبى منحهم الجواب المفتقد، إنها تأخذهم نحو مزيد من التيه والألم، لتجعل من سؤال الهوية سؤال الراهن الملتهب، وسؤال الغد المجهول.

لا يهم إذن أن يكون الذكر أو الأنثى، سؤال الهوية الجنسية ما عاد له معنى ما منذ تعرف على الحاج عمر وسعيدة القيدومة، ها قد وجد سؤاله الهارب بجلستهم التى تخصص كل ليلة لاستظهار آخر ما جد فى عالم النكث الجنسية، فعبر النكتة يقفز الجميع على المكبوت والمسكوت عنه ويقوى الكثيرون حبل الكذب ويتناسى آخرون صباحاتهم الخريفية، ويصير انتهاء سؤال الهوية بلا معنى، وهذا ما يجعل خالد/ربيعة مصرا على البقاء فى عالمه الملعون بعيدا عن الزقاق المؤدى إلى مطرح النفايات، هناك حيث كان ضياع الهوية.

8- مسيو طونيو

“النصرانى سوف يرحل ويترك لى الحانة” هذا ما كان يحلم به النادل القزم دوما، وهذا ما كان يلوح به لسميرة التى كانت تمقته ”لقد أخبرنى بأن الأمور لا تسر، ومن الأفضل أن يعود إلى بلده” إنه يذكر سميرة بهذه المعطيات كلما قابلها فى سلالم العمارة، لكنها لم تكن تعير أى اهتمام لما يقول، أما هو فقد كان يحلم باليوم الذى يرحل فيه النصرانى ويملك مفاتيح الحانة ويتزوج من سميرة الفاتنة، فمتى يرحل هذا النصراني ”الكافر بالله”؟ أعياه السؤال والانتظار وتضرع إلى مولاه أن يرسل على النصرانى ”شى مصيبة” تجعله يقرر العودة إلى فرنسا على عجل، فسميرة أصبحت ”عاطية للعين” ومن الممكن أن يخطفها أحد ما منه، فمؤخرتها صارت مكتنزة وصدرها أصبح بارزا جدا، وفوق هذا فقناصو الأجساد ضاقت بهم العمارة والحى بأكمله.

عشية الانتفاضات التى عرفتها البيضاء خلال الثمانينات سيعود النصرانى مذعورا إلى الحانة بعد أن أخذته رحلة عمل وتجارة إلى البيضاء، ليخبر النادل القزم بأنه سيعود إلى موطنه الأصلى ”الحانة من الآن فى ملكيتك بشرط أن تظل مفتوحة وإلى الأبد”، هناك فى البيضاء وغيرها من المدن المغربية كان شهداء كوميرة كما وصفهم بكل خسة وزير الداخلية الأسبق، كانوا يموتون وينكل بهم، وفى الرباط كان النادل القزم يفيد كثرا من الانتفاضة البضاوية التى أدخلت الرعب إلى قلب النصرانى وجعلته يهاجر على عجل، فمصائب قوم عند قوم فوائد..

وها النادل القزم صار اليوم مالكا لحانة محترمة تنتصب فى عمق الرباط و قريبا جدا من شارعها الرئيسى، وها سميرة اليوم تبادله التحية وتخطب وده، وها جيران العمارة يدعونه لكى يترشح فى الانتخابات البلدية، حارس العمارة بدوره صار يبادله التحية ويطلب منه أن يشتغل عنده فى الحانة ك ”فيدور” بعدما كان يعيره فى السابق بقامته القصيرة، الكل تغير إذن، ولم يعد أحد ينادى عليه ب ”القزم”، أصبح يدعى ”مسيو طونيو” منذ انتقال الحانة فى ملكتيه الخاصة، فقد آثر أن يطلق على نفسه لقب النصرانى صاحب الحانة، إنه الوفاء لرجل منحه وجودا جديدا وحقوقا وجديدا والأهم من ذلك منحه احترام الناس ونفاقهم ومنحه أيضا سميرة التى كانت ترفض قبلا النظر إليه، فها هى اليوم تقبل تراب رجليه، راضية باقتسام بيت الزوجية مع ثلاث نساء يكبرنها ويصغرنها، وبالطبع فلا يمكنها أن تعترض على هكذا وضع ما دامت العمارة التى تأوى أهلها قد صارت فى ملكيته أيضا، وبإمكانه أن يطرد أهلها لو فكرت فى الاعتراض على ذات الوضع. فمسيو طونيو يملك كل شيء ومع ذلك يصر على الحفاظ على وظيفته كنادل، فهو لا يثق فى الغير، وعليه تجده كل مساء يقدم الطلبات إلى زبناء حانته التى لا يريد أن يضيف عليها أى تغيير، فنفس الكراسى والطاولات التى اشتراها النصرانى نهاية السبعينات، هى التى تملأ المكان، ألهذا إذن يعشق الكثيرون حانته، إنها لم تخرج بعد من جلدها كما تفعل ثعابين الوقت، إنها تحافظ على زيها الأول الذى اختاره لها النصرانى، ألهذا تجد ياسمين ضالتها بين هذه الكراسى وليس برفقة الرسوم المتحركة؟ أهو عبق التاريخ المغتال الذى يجعل الحاج عمر وسعيدة القيدومة وأم ياسمين وخالد/ربيعة والطالب الجامعى والشباب المنزوى ورجل النظافة وغيرهم من كائنات الليل العارى، يفضلون حانة النصرانى عفوا القزم على باقى الحانات التى تنتشر كالفطر بمركز المدينة؟

لا أحد يمتلك الجواب غير النادل القزم، فهو لا يقدم لزبنائه لا ”قطعة” ولا هم يحزنون ومع ذلك يحجون إليه فرادى وجماعات، سعيدة تقسم بأغلظ الأيمان بأن القزم يستعين بفقيه سوسى محنك، يكتب له التعاويذ التى تجعل أبواب الرزق مشرعة فى وجهه ”واش نسيتو أش كان، السحور باش خادام” لكن النادل القزم لا يعطى كبير اهتمام لما تلوكه الألسنة حوله، فيكفيه فخرا أن ينظف جيوب الجميع مع منتصف الليل من آخر الدراهم، وأنهم يقبلون يديه كلما خانتهم جيوبهم، طالبين منه بإلحاح أن يلبى طلبات شربهم إلى غاية نهاية الشهر، ولإنه لا يثق حتى فى نفسه، فإنه يلبى طلباتهم بعد أخذ شيكات بالمقابل أو أشياء ذات قيمة قابلة للرهن، ولهذا فخزانته ملأى بالخواتم والقلادات والساعات والشيكات أيضا. فالحانة هى مؤسسة بنكية أيضا، ولهذا يستمر النادل القزم فى الوفاء لشرط النصرانى الذى استوجب عليه فتحها وإلى الأبد حتى يحافظ على تاريخه ويخلد حضوره بالضفة الجنوبية.

مسيو طونيو القادم من مغارات الصمت والموت الرخيص صار اليوم مالكا لرقاب الناس فى الحانة والعمارة والحى بأكمله، سلطته امتدت إلى باقى الأحياء المجاورة، فقد صار من أباطرة الإسمنت المسلح، لا يجد أفضل من الاستثمار فى البناء، عمارة تلو الأخرى، وشيكات تلو الأخرى، وسميرة تلو خديجة تلو فاطمة، وسيرة نساء لا تنتهى من قاموسه، إنه يريد تعويض ما فاته من خسارات خلال فترته القزمية، أما اليوم وقد تعملق فى الأعالى فلا شيء يحد من طموحاته ونزواته، فقد اهتدى مؤخرا إلى زواج المتعة، يختار ما لذ وطاب له من الفتيات ويشتريهن لقاء مبلغ معلوم ولزواج محدود، وبالطبع فإنه يجد الراضيات بهكذا زواج ما دام الفقر والألم يرافق الكثيرات من فتيات الضفة الجنوبية.

النادل القزم عفوا مسيو طونيو يخاف الموت جيدا، فهو لحد الآن لم يرزق بطفل يرث ما اكتنزه من أموال، كل التحاليل الطبية تثبت أن لا عجز يعانى منه ومع ذلك لا يستطيع إلى الولد سبيلا، كل الزيجات التى جربها وما زال يجربها لم تقده إلى الولد، ولهذا يبدو مهووسا هذه الأيام بنساء الضفة الأخرى، ”الكاورية النصرانية هى التى سوف يكون معها الولد” هذا ما أسر به للحاج عمر، فهو أصبح مسيو طونيو وولده القادم لن يكون إلا من رحم نصرانية ”كافرة بالله"، لكن من من بنات الروم ترضى الزواج به وهو القزم؟ سؤال جارح يعانقه مسيو طونيو كل مساء بعدما ينتهى من تكديس الأموال والشيكات والخواتم والقلادات والساعات..


تشرين الثاني 2004

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

٢ مشاركة منتدى

  • أحييك أخي عبد الرحيم العطري على تنوعك و امتدادك ، فحتى عهد قريب لم أك أعرف أنك تكتب القصة القصيرة ، كنت أعتقد أنك غارق حتى الثمالة في شجون البحث السوسيولوجي ، لكن ها أنذا أكتشف فيك القاص و الشاعر و التشكيلي أيضا ، فمزيدا من الحضور و التنوع الباذخ
    أخوك في البحث السوسيولوجي عبدالله الوديعي من المغرب

    • شكرا أيها الأخ العزيز عبد الله
      إننا نحاول فقط أن نساهم في صناعة حياة جديرة بالحياة ، نجرب كل المتاهات ، نهتك ستارة الليل العاري ، نمتطي صهوة الحلم و الألم و التيه و الفقدان بحثا عن معنى التشظي و الانهيار
      شكرا