السبت ١٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم أمان أحمد السيد

استفاقــــــة

- آلو..عيادة طبيب العيون؟

- نعم.. تفضلي..

- من فضلك.. أريد أن تحددي لي موعدًا مع الطبيب لبعد الظهر.

- آسفة سيدتي .. الدخول إلى الطبيب بدون مواعيد مسبقة.. تستطيعين المجيء في الخامسة ، وستدخلين إن لم يكن قد سبقك إليه أحد.

- أأنت متأكدة؟ فأنا أتضايق من الانتظار كثيرًا..

بعدما أكدت لها ما تريده رأت أن لديها من الوقت ما يكفي .. ففكرت:

" أستطيع أن أصل في الموعد الذي حددته لي الممرضة، وبما أن ّ الوقت مبكرٌ فلأتمشّ قليلا في السوق أستعرض واجهات المحلات "..

لم تستطع الانتظار..وبعد فترة قصيرة من الزمن كانت ثانية تحت العيادة،إنها تشعر بالقلق ولا تستطيع السيطرة عليه!خاطبت نفسها بصوت لم تدري بأنه مسموع إلا حين شعرت برجل قريب ينظر إليها

باستغراب:

«لا ضير في ذلك سأنتظر تحتها إلى أن أرى الطبيب صاعدًا،وأكون أول من يزوره» ..

فوجئت أن العيادة فيها عدد من الأشخاص قد سبقوها فتأففت، وهي تريد أن تكمل موعدها بسرعة، فالانتظار شيء مرفوض عندها كليّاً ..

دخلت تخفي عينيها بنظارة قاتمة اللون تسبقها خطواتها تنهش الأرض .. ألقت تحية فاترة على الموجودين.. كانوا ثلاثة يتجللون بالوقار،وجميعهم يتنافسون في سباقات حثيثة نحو الأشواط الأخيرة من أعمارهم ..

رد الرجل الأول تحيتها بكلمات عادية، وابتسم لها الآخر بلطف..أما السيدة التي تجاوزت الستين فقد كانت من الاتزان بحيث توحي أنها تحاسب نفسها إن هي تفوهت بكلمة .. سيدة أنيقة بشكل هادئ، وراق ٍ.. متنافرة القسمات، رمادية البشرة .. تحيط رأسها بقبعة يختلط بياضها بلون ترابي باهت،ومن تحت القبعة تطلّ بضع من شعيرات بيض،أما كفّاها فقد تآلفتا فوق بعضهما مذكرتين بشباب آفل انحدر يومًا من بيت وثير.. ومن شفتيها ورؤوس أصابعها يطل لون أحمر قان ٍ يؤكد من أفتى مرةً أنّ البشر عندما يمتد بهم العمر يتعلقون بالألوان الصارخة في محاولة منهم لإنكار طعنات الزمن في ملامحهم..

أخذت الزائرة التي دخلت إلى العيادة ترقب السيدة وهي معجبة بإيقاعها البطيء في التصرف!.. إنها لا تفتأ ترسم ابتسامات ساكنة وديعة .. كم من فرق بينها،وبين الممرضة التي تتشبث كالصنم بكرسيها وراء مكتب يقع في زاوية العيادة ، ومنه تنتقل بخطوات سلحفاتية محسوبة بين غرفة الطبيب، وسجل الزوار ..

ناجت الزائرة نفسها:

«امرأتان اثنتان أهملهما قطار الزواج ،وبمحطتيهما مرّ سريعًا ،لكن الممرضة تبدومسكينة للغاية وتقترب في محياها من البلاهة ! من الواضح أنها لم تكمل تعليمها، أما الأخرى فلا شك أنها على قدر كبير من الثراء والتعليم والحنكة.. هناك أمور لا أحتاج إلى أن يفسرها لي أحد!»..

أخرجت الزائرة مبرد أظافر ذهبيًا أنيقًا من حقيبتها علّها تسلو به الانتظار، وراحت تنسّقُ نهايات أناملها.. وبين الفينة والأخرى تتحرك متململة منزلة إحدى ساقيها عن الأخرى لتعودا وتلتفا ثانية، ثم تعود تتأمل العيادة، فما زال هناك وقت طويل ليصل إليها الدور..

العيادة مرتبة نظيفة،وفوق طاولة في منتصف الغرفة بعض من وريقات مجلات وكتيبات أغلبها طبيّ وقديم، مرصوفة بعناية فوق سطح الطاولة الأملس في وسط الغرفة.. كل ما في الغرفة يعّرف الناظر أنّ الموظفة المسؤولة فتاة بسيطة خوت حياتها من الأحلام والآمال ، فصرفت اهتمامها إلى أشياء محدودة، كترتيب الأوراق ،وكنس العيادة ثم الصمت..الصمت فقط .. لا تفتح فمها إلا لتعلن عن دور المريض التالي!

سألت الممرضة الموجودين:

- لمن الدور الآن؟

تحرك أحد الرجلين من مقعده قاصدًا حجرة الطبيب ، وابتسمت الآنسة الكبيرة الراقية معلنة بتمتمات خافتة أن دورها بعده.

وفي فترة وجيزة أصبحت العيادة تغصّ بالمرضى ،نساء أغلبهن متحجبات يصطحبن عددًا من الأولاد معهن..

- هذا يؤكد ثقتي في الطبيب الذي اخترته!. المهم أنه ماهر جدا ولا بد أن يخلصني مما أعاني!

عاد الانتظار يقلقها، فتحركت من مكانها،وقامت لتحمل بعض صفحات المجلات الملقاة تقلبها وتتصفح ما فيها ثم ترميها، وعندما أحسّت بالنسوة المتواجدات يكثرن من النظر إليها كأنهن يستشعرن فيها شيئًا مختلفًا عنهن تسمّرت في كرسيّها،مخفية عينيها في الصفحات.. كانت تفكر بشيء يزعجها ويلحّ عليها .. إنه الانتفاخ تحت عينيها، ومن أجله تأتي اليوم إلى طبيب العيون.. فهي ليست تشكو من ضعف في البصر، ولامن أيّ شيء آخر.. إنه فقط الانتفاخ الذي يؤرقها، ويشوه منظر عينيها، وتحس أنه يضيف إليهما عمرًا تحاول أن تفر منه بكل ما تستطيع من مراهم ووصفات تجميلية، جاهدة للاحتفاظ بشبابها وبنظرات المعجبين حولها..

دفعت المبرد في حقيبتها الصغيرة بقوة، ومنها امتشقت مرآة يلفها قماش "الدانتيل" الأحمر الرقيق حشرت فيها وجهها، ثم لامست بأطراف أصابعها الانتفاخ تحت عينيها ، فتمادى بها الضيق والانزعاج، وأحست أن دورها في الدخول على الطبيب قد لا يأتي!

رفعـــت رأسها من المرآة بعصبية، وقد اكتست ملامحها بسخط وفير فتبدلت إلى امرأة قاسية.. وفي اللحظة التي أرادت أن تصرخ فيها بالممرضة تذكرها بنفسها استقبلت عينيها صفحة ٌ ممزقة ٌمن جريدة تحملها طفلة تجلس مجاورة لها..

في أعلى الصورة خبر نشربخط أسود عريض:

«أيها العرب..إخوانكم في فلسطين يُنتهكون في كل لحظة..أغيثوا أطفال غـــــزة..تبرعوا لهم».

لم تستطع أن تتمّ قراءة بقية العبارة لأن ما تحت الخبر كان رهيبًا بشكل منع عينيها من الاسترسال عبر سيل الحروف الدامي ..صور لجثث آدمية ملقاة في الشوارع ،أحذية من دون أقدام،وأقدام تنقصها الأحذية.. وفي وسط الصفحة صورة لطفل في العاشرة من عمره يحدق بعين واحدة إلى الكاميرا التي يحملها صحفي ويوجهها إليه، وبنظرة تحدّ يركز انفعالات تتشامخ فوق سني عمره لتتعانق ونسور السماء ..

وبدون ما قصدٍ راحت كفاها بمجملهما تتحسسان عينيها الاثنتين،وعندما تأكدت من وجودهما رمت مرآتها في سويداء حقيبتها، وانطلقت مستقبلة السلّم لا تسمع نداء الممرضة ،ولا تلوي على شيء ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى