الاثنين ١٠ أيار (مايو) ٢٠١٠
بقلم مي محمد أسامة

بداية لا تشبه الأمس

التواصل، الكلام وكيفيّة التعبير عن أنفسنا، شيء نبدأ تعلّمه في وقت مبكّر جداً من هذي الحياة، منذ نعومة أظفارنا، والمفارقة في الأمر، أننا كلّما كبرنا وأجدنا الكثير من المفردات، تضاءلت قدرتنا تدريجيّا على إيجاد ما نقوله، حتّى قدرتنا على طلب ما نريده حقّا.

ذلك المساء، وعند عودتي إلى المنزل، لم ألتفت كثيرا لحديث أعينهم. رغبتي في عدم التلفّظ بشيء أنهكتني. حاولتُ تجاوزُهم في المجلس بحثِّ الخُطى، ليأتي صوت أمّي المنهك بالأسى خلفي:

كيف أصبحت يا محمّد؟أشغلتَ خاطري عليكَ يا ضوءَ عيني. .

بخير. . بخير. .
مع همهماتٍ متلاحقة، أغلقتُ باب غرفتي، صومعتي كما يحلو لشقيقاتي مناداتها، خلفي. أسندتـُه بظهري ملتقطاً أنفاسي المتلاحقة الصادرة من أعماقي، نفثاتُ نيرانٍ لا أنفكّ أُخمدها، لتشتعلَ من جديد. .

أجلتُ ناظري في غرفتي، نظيفةٌ كما دائماً، جديدةٌ أيضاً كما دائماً.

تسحقني مراراً فكرة عدم التآلف مع الأشياء، عدم استمرارها معي في العيش طويلاً بدعوى «القِدم» فأنا أوّلاً وأخيرا «جديدهم الغالي»!

وعلى هذا فقد أفردوا لي طريقاً ممهّداً لدرجة الغثيان، طريّ حدّ القرف. .

أورثني «طريقهم» لي، الكثير من العلل، أوصلني للسقم أخيراً. .

أتحسسُ ظرفَ الدواء القابع في جيبي، جولةٌ حول العالم، بدقّة أكثر، حول أطبّاء العالم مع حقيبةٍ مليئة بصورٍ وتحاليل دون جدوى، حتّى أسئلتهم وعلاجاتهم لم تكن ذات جدوى هي الأخرى: صداعٌ نصفيّ سيلازمني لحتفي، متصاحباً مع هذه المسكنات التي تقتلني، ليس من عدم جدواها فقط، إنّما مع آثار التعاطي التي تُدخلني في حالاتٍ كهذه. أتمنّى لو أقذفُ به بعيداً، لو أستطيعُ الصراخ دون توقف، لو تشفق دمعتي عليّ من ذاتي فتغادرني.

سِرتُ صوب النافذة المغلقة، ثمّة ذبابة تحاول اقتحام الزجاج، تناطحه بعنادٍ أخرق، ذبابة حمقاء كمعظم البشر، ممن يحاولون مقايضة ما يألفون أو ما لديهم. . بما يجهلون أو لا يملكون على مبدأ كلّ ممنوع مرغوب. . حتّى لو خسروا جرّاء هذا. . حياتهم.

يوقظني من فكرتي صوت جوّالي المبحوح، أنقضّ عليه لأكتم خَرقَه، لأخرسه وأرميه بعيدا عنّي، فراشي الواسع شديد البرودة، المزيّن بوسائد ريشٍِ زرقاء مذهّبة، تغريني بدفن رأسي لأبكي، لولا الصقيع الذي يلازمني.

لا أريد دخول دوّامة الأمس، أوجاعي تأنّ في صدري كنبضٍ منتظم.

أذرعُ الغرفة جيئة وذهاباً، أرفع رأسي للسماء، ألقي نظرة على وجهي في مرآتي اللامعة، تلك التي لا تعرفني أبدا.

أتهيّأ لمعاودة الخروج، أصطدم بفكرة "أمّي " التي تنتظرني خارجاً، غارقة في الأسى.

أمّي التي وهبتني الحياة بعد خوفٍ مرير من سيف طلاقٍ مرفوعٍ فوق رأسها، بدعوى خمسة من البنات أنجبتهم لزوجها\جلّادها.

جئتُها سادساً، معلناً انتصارها الدامي على الشبحِ الذي أرقها، حاملا الخلودَ كما يُعتقد، لذكورةٍ لا تشبه الرجولةَ في شيء، إلا في كومةِ شعيرات تحتلّ الوجه والجسد، وبعض من غُلظة تغلّف الصوت والروح.

أمّي، تلك الأنثى المرهقة رغم الثراء الذي تعيش فيه، الحزينة رغم احتفاظها بقلب زوجها و اسمه. هل أنظر في وجهها؟

هل أقدر. . ؟

تتعثّر خطواتي قليلاً، تُجزِمُ أنني عاجز عن البقاء ساكناً، وأنني إذا بقيت، ألف صوتٍ سيتوثّب خارجاً منّي.

أسرعت بالخروج من الصومعة، لا تزال أمّي في ذات المكان بذات النظرة الكسيرة.
- محمّد يا نور عيني. . لا تزد عذابي يا غالي. . تعال إليّ. .

حسم قلبي الجدال واقتربت، لم أجرؤ على النظر في عينيها، وزّعت نظراتي بعيداً، أمْسكتْ يدي بين يديها، حرارةُ عاطفٍة بدأت تسري كالكهرباء، رجفةٌ احتلّت أوصالي، وصلتْ إلى أعماقي بذاتِ السكون الذي أتصنّعه.

- عبير. . هاتي العصير الذي أوصى به الطبيب.

- لا لا أريد.

قفزت كالملسوعِ من خَشية الأذى، أدرتُ القفل بلحظة، لفحةٌ من الهواء البارد استقبلتني. . رذاذ قطرات الطلّ الربيعيّة.

عبير؟ ضحيّة أبي، مثلنا جميعا. هي وحدها من أحبّ من بناته، أو هكذا ادّعى. لبّى لها كلّ رغباتها، وهبها ما تمنّت طوال حياتها، ميّزها في العلم والمال وحتّى المصروف عن باقي أخواتها، صباح سعاد وحتّى جميلة، تلك الجميلة حقّا. أتعبَ والدي جمالها حتّى تخلّص منها بتزويجها في السابعة عشرة.

أمّا عبير، فقد عاشت في الحُلمِ حقّا. تنقّلت من رفاهيّة بيتنا لبيتٍ أكثر رفاهيّة، بيت ابن عمّي، زوجها، في المدينة المجاورة.

والدي و بطريقته الملحّة، أقنعها بأنّها لن تخسر شيئا لتنالَ رضاه كما أرضاها، بل ستربح الشيء الكثير وستعيش كما عاشت وأكثر، وأنّ عبد الله ابن أخيه سيكرمها لنسبها وجمالها وعلمها.

صدّقت المسكينة الكذبة، وفي ليلة مثل ليالي الأساطيرِ رحلت، لتعود ليلاً أيضا، بعد ثلاثة أشهر كاملة كسيرة النفس، والجسد، من أثر ضرب زوجها السكّير المقامر.

أخذت نفساً عميقا لأصحو من ضرب الذكريات على دماغي، على غير هدىً قادتني خطواتي، إلى لا مكان، خَطر مازن على بالي، تأتيني ذِكراه كلّ ذاتِ حالة كهذه. رحلَ منذُ أعوام. لم تحتمل صباح فكرة القُرب من الجلّاد (أبي)، الذي حاربهما طويلا حين أرادا الزواج. مع أنّ صباح ذات أخلاق مثاليّة. على الأقلّ في نظر الجميع، إلّا أنّه أراد هندسة حياتها كيف يشاء.

- لكنّها حياتي يا أبي، وأنا موافقة.
- إنّه فقير لا يمِلك قشّة.
- معه علمٌ وإيمان وثقةٌ بنفسه، هذا ما يعنيني، ثمّ. . لا نستطيعُ شراءَ السعادةِ بالمالِ يا أبي. .
- بالطّبع نستطيع. . المالُ يشتري كلّ شيء، هذه العبارة كِذبةٌ نخبرها الفقراء فتبقيهم بعيداً عنّا.
بعد زواجِهما على مضضٍ من الجلّاد، غادرا إلى استراليا. . اشتقتُ لهما كثيراً جدّا.
. . . . . . . . . . . . . . . . .

وصلتُ إلى الجسرِ حيث وقفت. غالبا ما يتراءى لنا الأمس كتيّار ماءٍ يجري تحت جسرٍ كهذا، تيّارٌ نلقمه أخطاءنا، أحلامنا الضائعة، حبّنا الغبيّ أيّام المراهقة، الرغبات التي أسقطنا وجودها والفرص التي لاحت لنا مرّات ولم نحسن التقاطها، معتقدين برميها خلاصنا وراحتنا. لكن عاجلا أو آجلا، سيرتدّ هذا التيّار المُترع بأحمالنا إلى صدورنا، عند أدنى تذكِرة، أو وميضِ أمسٍ يعترينا، أشعلتُ سيجارتي أتعلل بها السلوى، أنفثُ دخانها لهيبَ صدري. . صوتُ أغانٍ تصدح من بعيد، تصيبني بالضجر كالعادة. . . أتابعُ سيلَ أقدامي وأفكاري.

- لم أنا هكذا؟هل هي موروثات جينيّة أم موروثات تربويّة؟
تمنّيت دائما في سرّي أن أشعُر كالآخرين، أن أغضبَ حتّى مثلهم، أن أحزنَ بصوتٍ مرتفع دون أن أنكفئ على داخلي، أن أبكي على نفسي كما تنزل دمعتي على غيري. حتّى أنّي تمنّيت فعلاً أن أقع في الحبّ، أن أجيد التحدّث عنه كما يتحدّث عنه الجميع. يسخرُ بعض أصدقائي من برودي، بعضهم يُشعرني بحسده، على تعاملي اللا مبالي مع كلّ شيءٍ حولي، على قبولي الأعمى لكلّ طعنات الحياة دون تأثيرٍ يذكر.

تلتمعُ أضواءٌ بعيدة في عيني، زاهيةٌ غسلها ماءُ المطر الرقيق، اجتهد في الاقتراب منها. ( باليه ) المقهى الصغير على زاوية الشارع، غارقٌ بأبخرة هذا المساء البارد. ادفعُ الباب، رنّة صغيرة للباب رافقت دخولي، بعض أبصارِ الجالسين حاصرتني، روائح دخان عميقة رحبّت بي في المكان، قليل من الدفء أيضا. على طاولةٍ قريبة من النافذة، وحدي جلست، كوبَ قهوة زكيّ الرائحة تتصاعدُ منه الأبخرة أمامي. أقلّب الوجوه المحيطة بي في محاولة لرسم بعضٍ من حكاياتهم كعادتي.

سألتني صباح مرّة، وهي تُعدّني ليومي الأوّل في المدرسة: ماذا تريد أن تمتهن حين تكبر بإذن الله يا حبيبي؟ أجبتها: سائق سيّارة. . ضحكت ملء أشداقها: سائق؟ مثل عمّ وهيب؟ قلت لها: أريد أن يصبح عندي سيّارة لأقودها. . ! بعد سنوات ستّ في تعلّم القراءة والكتابة، عاودتُ الإجابة: سأصبح كاتبا قصصيّا، سأكتبُ قصصاً لا يموتُ فيها أحد، ولا يتألّم فيها أحد.

الجانبُ المظلمُ من الأشياءِ لا يُعجبني، قصصي لن يكون فيها ظلمٌ ولا مشقّة، ولا حبيب يهجر حبيبته أو يموت في النهاية.

أرتشفُ القهوة قبل أن أُشعل لفافة أخرى. المقهى المكتظّ بروّاده يشغلني قليلاً عن يأسي، وجوهٌ تبتسم، لعلّها سعيدة، أو ربّما تدّعي السعادة لتقمعَ فضولَ الآخرين لا أكثر. وجوهٌ غارقة في الثرثرة تلوكُ ألسنتها الكلام والطعام معاً. وجوهٌ أخرى ترتدي الصمت تحلّق في البعيد. أغاني متقطّعة هادئة تلفّ المكان، شاشةٌ كبيرةٌ معلّقة لا صلةَ بينَ ما تعرضهُ وبين أصواتِ الأغاني، مجرّدُ جذبٍ للأنظار. الليل الذي يزورنا مبكّرا في مثل هذا الوقت من العام.

عود لفنجاني ولفافتي الثالثة، أحدّثهما كما لم أتحدّث من قبل، سنيني باتت حبالاً تلتفّ حول عنقي، أيّامي تستشعر الخواء كثيراً، وروحي ضاقت بها نفسي.

معاودة الصداع تقودني للجنون، لابتلاع حبّات لا أريد ابتلاعها، لا أحسَبها مسكّنات أبداً، أخبرتُ الطبيبَ الليلة الفائتة بهذا، أخبرته أنّي اعتقدها شظايا زجاج ابتلعها لتشرخ روحي، يؤلمني مفعولها بعد نوبة الصداع أكثر مما يقتلني الوجع.

أطلب فنجاناً آخر من نادلٍ يتصنّع الابتسام، في عينيه بعضٌ من الرثاء على وحدتي، أتراني استحقّ الرثاء؟
. . .
طفولتي. . . كانت جميلة حقّاً. كنتُ وسمير نفعل كلّ ما لا يُفترض بنا فعله، نخرق كلّ حدّ مستطاع. حتّى في المدرسة، لم أكن طالبا مجدّا أبداً، بل ربّما كنت أقلّ الجميع إحساساً بالمسؤوليّة، أمارسُ ما يحلو لي متى بدا لي، مع هذا لم يشتكِ منّي أحد من المدرّسين، ليس لأنني ابن فلان، إنّما لأنني على حدّ قولهم لم أقلل احترام أيّ منهم، وكنت ذكيّا لحدّ ٍأحبوه، وعلى هذا مضت سنين دراستي على خير.

في الجامعة اختلف الكلام، كنت أحبّذ الدراسة في جامعة بعيدة، بيروت مثلا أو حتّى دمشق، ربّما كي أكفّ عن الحياة " مُسبقة التخطيط".

أريد دراسة التجارة والاقتصاد، هذا الفرع غير متواجد هنا في حمص.
أريدك مهندساً، مدنيّا أو كهربائيّا، أو حتّى بإمكانك دراسة هندسة البترول \ بترو كيمياء.
لا أهوى هكذا أشياء، أريدُ دراسة الاقتصاد.

هل تتخلّى عنّي وعن أسرتك؟ أنت وحيدي، لن تذهب من هنا.

وبعد عبور الأمنية كسحابة تبشّر بأمل، نفختها أناملُ الريح بعيداً فجأة، بتوصية وإصرارٍ من أبي. .

كنت رغم كلّ شيء ولداً مطيعا، أسعى لإرضائه ما استطعت. أبي، ذاك الذي لم يكتفِ قطّ بعمله المرهق الذي يستغرق نهاره، بل تجاوزه إلى ممارسة هوايته المفضّلة، القمع.

القمع، إمساك خيوط الدمى من حوله، وتحريكها كيف يشاء. أمّي، أخواتي، موظّفيه، وصولاً إليّ بدعوى الحبّ والاهتمام. بدعوى الحبّ ولاهتمام يحرمني من قراري، من ميولي التي أحبّ متعللا تجنيبي الأخطاء والحُزن، لم يدر بخلده قطّ أنّ الأخطاء ربّما هي من تصنع حياتنا وأنني بحاجة لتعلّم الحياة من منطلقي أنا لا من منطلقه وأنّ الأحزان تصقل القلب وتجلي الروح.
أبرر له أفعاله دائما، وأعزو ضعف أمّي أمامه لحبّها له، أما ضعفي، إن لم يكن ورثة أمّي لي، فهو محاولتي الواهنة في تلبّس الطاعة حبّا بالله.

. . . أضعُ النقود على الطاولة، استعدّ للبردِ خارجاً، ألتحفُ همّي وأعاود المسير، عشوائيّا كما خرجتُ أوّلا. هل أعودُ إلى المنزل؟ لازال الحبل يخنقُ أنفاسي، كأنّي هارب منهم، من كلّ من حولي، وأنا الهاربُ من نفسي. في طرقات وطأتها أقدامي كثيرا، طرقات لم أطأها من قبل، قادتني خطواتي المتعثّرة، غارقُ في اجترارِ أمسٍ بعيد إلى ذاتِ الجسر، ومشهد التيّار الرهيب.

- محمّد تلك الفتاة تناظرك. . يشيرُ مازن مطلقاً ضحكة خبيثة.
- طبعا تناظرني، فأنا أكثركم وسامة وجاذبيّة. .
- أنت أجملنا سيّارة فقط يا مغفّل. .

مازن -الذي يكبرنا بكثير من الأعوام، اضطراره للعمل وتفويت الجامعة، أرجعه إلينا. سمير وماجدٌ وأنا، وأروع أيّام جامعة قضيتها في حياتي. رغم بعض الكدر الذي رافق بدايتنا مع المحيط هناك. من المفترض أننا نضجنا، النضوج في مفهوم معظمهم يحتوي العديد من الرذالة الأخلاقيّة، شُرب، أحزاب، فتيات و تفاهات أخرى تصل أحيانا إلى المقامرة. لم يكن يعنينا أيّ من هذه الأمور، لا الشرب ولا حتّى الفتيات وإن كان تحت ستار الحبّ كما يدّعون. وأنا شخصيّا، كما يعرف سمير والبقيّة، لا تهمّني أيّ فتاة تناظرني، بل أكره من تقع في حبّي. دائماً ما رمقتُ في عين من يحبّ ضعفٌ أمقته، بالفعل أمر غريب حين أمعنه تفكيراً، لكنّه أنا وعليّ قبول ذلك.

حين أمعنه تفكيراً، لكنّه أنا وعليّ قبول ذلك.

أكره ضعفنا أمام من نحبّ، إحساسنا الداخليّ أننا ضعفاء و به نقوى، أكره حاجتنا له، فأنا قويّ كما أنا لا أحتاج أحداً.

سبع سنواتٍ في دراسة هندسة الكهرباء، تلك التي تستغرق فقط خمسة، لكننا كنّا سعداء، لم نكن نريدُ لهذه الأيّام أن تنتهي. . أو ربّما هو القدرُ الذي أبقاني هناك لأعرفها.

كنّا في السنة الأخيرة، نزور الجامعة فقط كي نلتقي لا لشيء آخر، لتذوّق إحساسنا كطلبة مع موادٍ قليلة تفصلنا عن التخرّج، كحلمٍ لا نريد له نهاية.

في يومٍ ربيعيّ، أشهرٌ قليلة قبل الامتحان، صادفتها. لم يلفتني أبدا جمالها ولا مظاهر العزّ أو الأبهة التي تشرق في محيّاها، ما أثار إعجابي فعلا هو أنّها لم ترني، أو ربّما رأتني وتجاهلتني كأنني لم أكن. غرقت في تأمّل تلك الثقة التي تلفّها، كيف لم أدركها طوال تلك السنوات، الكبرياء الذي يسكن عينيها البنيّتان، لا مبالاتها بكلّ من حولها أسرتني. صحوت على سخرّية بدأها الشباب، ضحكت معهم ولا زالت نظراتي معها. حبّ؟ لا ليس حبّاً، من يعتقد بإمكانيّة الوقوع في الحبّ من النظرة الأولى، غبيّ. القبولُ هو صنو الخطوة الأولى، و الاعتقادُ بإمكانيّة الحبّ. الحبّ أكبر من مجرّد نظرة.

تنتابني القشعريرة فجأة، أُحسّ بالبرد الآن، لم تعد ركبتاي تقوى على حملي، استدرت لأسير في الاتجاه الآخر، علّني أحظى بمقعد أو مكان مشرع الأبواب ينتظرني.

لم تكن خطأً في حياتي، فأنا المخطئ هنا، باستطاعتي أن أختار لوم الظروف، القدر، أبي أو الناس من حولي، وباستطاعتي أيضا مسامحة نفسي على ما حدث لأنّ هذه الحياة تنتمي لي. كان قراري بيدي، أنا المُلام الوحيد. أنظرُ إلى ساعتي، تتعانقُ عقاربها على الحادية عشرة، صمتٌ و حُلكة ظلام، وشلّال أمس يخطِف أنفاسي.

لن أدّعي أنني لم أنم ليلتها، إنّما فعلاً تبلبلَ خاطري، ربّما هي تلك الصورة التي يحتفظ بها جميعنا في أعماقه، الخيال الذي مجرّد مصادفته تفتحُ عليك أبوابا لا حصرَ لها، أمانٍ لا نهاية لها وإمكانيّة سعادة غريبة. في اليوم التالي تأنّقت أكثر، وضعت من كلّ عطر أمتلك، حلقت ذقني سألت أمّي مراراً كيف أبدو، لمعة عينيها الضاحكتين أنّها كشفتني حكاية أخرى. ذهبت مبكّراً جدّا كأنني المتفوّق الوحيد في هذا العالم وأنّ اليوم هو فيصل النجاح. سخرية أصدقائي لا غنى عنها طبعا، لكن ما كان في داخلي فقط هو مجرّد شوق لأراها مجدّدا، لأعرف ماهيّة ما أشعر لأتأكّد من أنّها موجودة –حقيقة. و الملل الذي انتابني لطول ساعات الانتظار، لازال مضرب المثل بين أصحابي، فلم تظهر إلّا في الثانية عشرة. ورغم وقوفي في طريقها مثل "المخبول" إلّا أنّها ومجددا، لم ترني. سخريّة الأصدقاء الحقيقيين في مثل هكذا مواقف تنقلب شفقة، حاولوا إبهاجي، تشتيت تركيزي ومن ثمّ محاولة التحرّش بها. لكنّها في الداخل. خطر لماجد فكرة البحث عن سيّارتها التي نزلت منها أمس و سؤال السائق عنها، أرسلنا مازن بدلاً منه لمكالمة السائق، مع فنجان قهوة وعلبة سجائر و بعد أن نعتنا بالبرجوازيّة ونعتناه بالشيوعيّة امتثلَ وأمره لخالقه.

لينا، هذا هو اسمها، طالبة في السنة الأولى مدني. عِرف سميرٌ والدها، من معارف والده، كلام كثير قيلَ عنهم، ما تثبتت منه هو الآتي: بيئتها غريبة.

عندما ساورني الشكّ اتجاه هذه العبارة وسألتُ أكثر: والدها رجل متحرّرُ الفكرِ، واسع الأفُق، ربّى أولاده على المساواةِ الفكريّة والحريّة بين أبناءه وبناته، و تعليمهم الاعتماد على أنفسهم في صنع قراراتهم رغم غناه ونفوذه.

أهذا أمر يستحقّ وصفه بالغريب؟ أن يعتقدَ الإنسانُ أن حياةَ غيره وإن كان من صُلبه، حياةٌ قد تعتمد عليه في البداية، لكنّ هذا الاعتماد، لا يخوّله الحقّ بتملّكها في النهاية فهي ليست حياته، أمرٌ هو الواقع المطلوب، لا الغريب.

بقدرِ ما أدهشني تعليقاتهم، بقدر ما وثقت أنّها المطلوبة. عشرةُ أيّام بعدها وأنا أعترِضُ طريقها، عشرةُ أيّام وأنا أحاول فقط لفتَ انتباهها. المضحك أنّها رمقتني ببعض النظرات، فسّرها لي الشباب كالآتي: أحمق، معتوه، أحمق !

ما أجمل حمق تلك الأيّام، كيف طاوعتني ذاكرتي على خيانتها؟

وصلت صوبَ البيت، رمقتُ النوافذ، الأضواءُ الخافتةُ دلّتني على نومهم. أفتحُ البابَ بهدوءِ سارقٍ آثم، نظرات سريعة أطمئنّ فراغَ المكان، أنسلّ على مهل. أقفلتُ صومعتي دونهم، تمددت على فراشي ولا زلت لاهثاً، رغم أنّ رائحة حزني تعطّرت بذكراها.

بعد أيّام العتهِ العشرة، وقفتُ جازما على التحدّث معها. صفعتني شمسُ الربيع كجزاء لجرأتي، ولكنني بقيت منتظراً. .
- لماذا تبتسمين كثيراً وحين ترمقني نظراتك، تكفّهرين؟
وقفتْ مثل البلهاء، التفتت حولها مذهولة: أتخاطبني؟
- أعتقد هذا. .
- هل أعرفك؟
- لا إنّما أريد التعرّف إليك. . .
- حسناً، قُلتَ تُريد؟

أومأت برأسي أن نعم.
- أنا لا أريد. شكرا.

سارتُ وتركتني كالمعتوه فعلاً. .

بعد محاولاتٍ عديدةٍ عقيمةٍ أخرى، حَدث وصادفتها في مقصف الجامعة تقرأ كتاباً، توجّهت مباشرةً إليها، فقد التبستني صفة مغفّل وانتهى الموضوع، جلستُ قبالتها:
- اسمي محمّد الأدهم عمري خمسة وعشرون عاماً، السنةُ الأخيرة كهرباء.

منذُ شهرٍ وأنا أحاولُ التعرّف بك وأجابهُ بالرفض، لستُ من الشباب العابث أبداً، بإمكانك التأكّد من ذلك، أنا فقط أودّ أن أعرفك أكثر.

بنفس البلاهة الباردة، مع نظرة ثاقبة هذه المرّة، أجابتني: حسناً، اختصر.

- لا أدري كيف ولماذا صُعقت بردّها، لكنني استدركتُ الموقف بسرعة:
أريد اقتراض بعض النقود. . سيارتي ينقصها البنزين وأصدقائي جياع يطلبون طعاماً وأمّي ستضربني إن أضعتُ ثمن الخبز وأنا جائعٌ أيضا وأبحث عمّن يتوسّط عند المدرّس لإنجاحي في المادة و. . . . .
بعد موجة الضحك تلك، تحدّثنا كثيراً وكثيرا جدّا، عن أبيها، إخوتها عن دراستها التي اختارتها عن سابق رغبةٍ منها، عن قصص أجاثا كريستي و فورستر، كتب جبران وقصائدَ سيدني عن الطعام والسفر.

ثلاثُ ساعاتٍ ونصف اختصرت حياة كاملة، لم أشعر بمرورها، وددت لو بقينا هكذا أكثر، لأتعمّق فيها أكثر، قد لا تشبهني بالفعل، لكنّ هذا لا يعنيني، ما يعنيني أنّ داخلها ينتمي إليّ.
الرّقة التي تخفيها تحت ستار قوّتها، آسرة، عدا عن فكرها الثاقب وجمالها أيضا. كم من الساعات بعد أن غادرتْ، بقيتُ لم أتكلّم فيها لا أعرف. كأنّها أخذت كلماتي منّي، وبقيتُ خلفها كالطفل يتلمّس ملامح وجهٍ غريبٍ لأوّل مرّة. بدأ الغمز واللمز، والسخريّة منّي، الشباب اتخذوني "سُخريّا". سميرٌ، من ضمنهم، هذا الذي يحبّ ابنة الجيران، دائما ما يتفاخر بأنّه يحبُّ " حبّاً مثاليّا "، أنا لست مثله، لا أؤمن بالحبّ الكامل، الحبّ المثالي الذي لا تشوبه شائبة، ولكنّي أعتقد بوجود نوع من الأشخاص يرتبطونَ معاً بشكلٍ يصعُب تفسيره ويصعب أيضاً فصمه.

شهوري النهائيّة في الجامعة، كانت الشهور التي شكّلت حياتي بوجهها الحالي، القبيح. عشت للأعماق، حلاوة ترقّب اليوم الآتي، الاستعداد وتحضير الكلام، استعدادي الخفيّ غير المقصود، كما كلّ البشر، لارتداء الوجه المثالي أمام من نحبّ، علّة بشرية مبتذلة ولعبة نمارسها بقناعة الحمقى، لم أعاني معها منها، كلماتٌ مثل أكره ولا أريد ولا يعجبني، تتكرر دائما، لم تحاول أبداً خداعي، ولا تدّعي حبّ الشيء إذا لم تحبّه فعلاً، كانت في قمّة الوضوح، وكنتُ في قمّة الغباء. أعتقد أنني أحببتها بل أكثر، شُغفت بها هي كما هي بكلّ ما تكره وجلّ ما تحبّ، بطريقتها البسيطة في التعاطي مع الأشياء، بحزمها الذي كان ينقصني منه الكثير. أخبرتُ أمّي عنها، أخبرت صباح وسعاد وعبير، حتّى الشغالة أخبرتها عن عزمي الزواج بعد التخرّج. فصّلت الحُلم واخترتُ ألوانه، وبدأت بحياكته في الهواء.

- اِبنةُ مـَنْ؟
- منير الراوي.
- أ أحمق أنت أم تدّعي الحماقة؟
- . . . . . .
- منير الراوي صاحبُ العائلةِ التي لا تهاب أحداً؟
بناته من أكثر بناتِ البلد قوّة وشكيمة، هل تريدُ الزواج بمن تسحقك؟ بمن تصيغ كلامها أوامر و نواهي؟

أنت لا تحتاجها، أنت تحتاج لفتاةٍ مطيعة تلبّي كل طلباتك وهي صامتة فأنت وحيدي.
- لا أريد ما تريده يا أبي، أريد الزواج بلينا و أظنّها تريدني. . ومن ثمّ لينا قويّة الشخصيّة لا قويّة عضلات أو سيّئة أخلاق.
- الموضوع هو ذاته، شخصيّتها هي لسانها لا عضلاتها يا غبيّ، ستتحكّم فيك حتى تحرمك من شخصيّتك أنت وتصبح أنت و كلّ عائلتك التي تحبّك، لعبتها.
- أنت تبالغُ يا أبي.
- لا لست أبالغ، لن نتخذها لك زوجة، كلامنا انتهى.

وكأنّ ماءا حارّا سقط على رأسي، فقدت القدرة على النظر فيمن حولي، زاغَ بصري وهويت جالسا كأنني خُرقة بالية يطوّحها الهواء. معتادٌ أنا على تسخيفه رغباتي، تفضيل ما يريد على ما أطلب، لكن أن تصل إلى حرماني من لينا مستخدماً نتّخذها؟ ذلك الذي سأعجزُ عن التعايش معه.

- استهدِ بالله يا أبا محمّد، ابنك متعلّق بهذه الفتاة، سُمعتها وسمعة عائلتها لا غبار عليها، أناس طيّبون وعائلة ممتازة، والولد يحبّها.
- الولد مراهق لا يعرف مصلحته يا امرأة، فاصمتي.
- قلبه اختارها.
- قلبه لا زال يتعلّق بكلّ سيارة جديدة يراها فيلحّ على شراءها ثمّ ينسى أمرها و يطلب غيرها.
- هل الزواج مثل السيّارة؟ الزواج قرار حياته الأكبر، دعه يتّخذه بنفسه.
- أقسمت عليك بالله يا أبا محمّد إلا فعلت و. . .
- لا تُقسمي يا امرأة، محمّد. .
- نعم. . أتت كحشرجة المقبل على الموت.
- دعني أفكّر بالأمر قليلا، هل هذا ممكن؟
- أرجوك يا أبي. .

بعد أربعة أيّام قضيتها في السرير، نوبتيْ صُداع أوقفتا الطبيب عند رأسي، طلبات لتحاليل وصور وأشّعة، ألمُ رهيبٌ أعجز عن تخيّله.

- عليك أن تسافر يا محمّد. . أوّلا فرصة للنقاهة، ثانيا لإجراء فحوصٍ شاملة تطمئننا عليك. حجزت لك في مستشفى الإم بارك في زيوريخ. وهم بانتظارك.
- لا أبغي السفر الآن يا أبي.
- لزام عليك هذا، هل تريد الزواج وأنت معطوب؟ خذ هذه الأوراق، ضع توقيعك عليها لأجهّز لسفرك قريبا. .

تلك الكلمات هيّأت لي للحظة، إمكانيّة تقبّل أبي للفكرة، كنت أفكّر في حال عدم قبوله، أن أتزوّج بلينا وألحق مازن وصباح. لكنني أعجزُ عن الوقوف كثيرا في وجهه، تعلّمت طاعته منذ كنت طفلاً صغيراً، لا لخوفي منه إنّما لأنّني في أعماقي، خشيت الله فيه كما علّمتني أمّي، وصرت أُطيعه في كلّ ما يريد، وعكس ما أريدُ غصباً عن داخلي.

بعد ثمانية أيّام، كنت و أحمدُ، ابن عمّتي الموظّف في شركتنا على متن الطائرة، اتصلت قبلاً بلينا، أبلغتها ما حصل، لم أُخفِ عنها شيئاً، أحسست أن اختلاق كذبة أ أو حتّى تزويق الأمور لن يجدي، و لو كذبتها وعَرِفت، سأكون الخاسر معها، وأبي المستفيد الوحيد. تواعدنا على أنّ أكلّمها أسبوعيا لحينِ عودتي.

عند هبوط الطائرة وترجّلنا منها، فوجئنا بالبرد، الخريف في بلدتي لم يكن قد بدأ بعد.
أدخلوني المستشفى، فحوصات وأجهزة يُدخِلونَ بها جسدي، وأطبّاء تسأل وأنا أجيب.
في اليوم الرابع، وبعد انتهاء كامل الفحوصات و نتائج التحاليل، هنّأني الأطبّاء، لديك صداعٌ نصفيّ لا أكثر. لا علاج له إلّا قدرة الله، مسكّنات قبل النوبة قد تقيكَ طورها الأصعب، حُقنٌ في حال بلوغها الذروة. لائحةٌ طويلة من المحظورات، ولائحة أقصر بالمسكّنات.

أبلغ أحمدُ والديّ بالنتيجة، انتقلنا إلى الفندق أيّاماً قليلة بانتظار الحجز، فرصةٌ للتعرّف على المدينة، سأستغلّها. صورة لينا لا تفارق رأسي، تفكيري بالقادم لا ينفكّ يشغلني للنخاع.

الواحِدةُ ليلاً، لا زلت بكاملِ ملابسي، اعتدلتُ جالساً على السرير، جرعتُ قليلاً من الماء، أشعلتُ سيجارة أخرى.

بعد يومين من تجوالي في زيوريخ أزُف وقت اتّصالي بلينا، لم أصدّق نفسي أنني أحدّثها، نسيتُ قصّة الصداع والألم والمدينة، و طفقتُ أسمعُ وأتحدّث كأنني تعلّمت توّاً الكلام. حدّثتها عن الجمال هنا وعن البرد الذي يكادُ يفتك بنا، الطرقات الواسعة شبه الخالية من البشرِ طيلة النهار تقريباً، والمساءات المزدحمة. قُلت لها أنني أراها في كلّ واجهة أنظرها، في ظلِّ كلّ إنسان يسير أمامي. أبلغتني يومها أنّ دوامها الجامعيّ قد بدأ، وأنّها كرهت الجامعة لغيابي عنها.

أحسست يومها أنني سعيد دون سبب، سعيدٌ لدرجةِ البكاء فرحاً لغير غرضٍ معلوم.
بعد انتهاء المكالمة مع وعد منّي بتكرارها اليوم التالي في نفس الموعد، داهمني النعاس، و براحةٍ هذه المرّة، استغرقت في النوم فترة طويلة قبل أن أشعر بيد أحمد تهزّني برفق: والدك على الهاتف. .
- صباح الخير. .
: محمّد، هل تذكر الأوراق التي وقّعتها بنيّ؟

. . . . . . . . . استغربت حدّ الدهشة سؤاله، حتّى نبرته أزعجتني.
- ما بها؟
- إنّها أوراق انتسابك لمعهدٍ عالٍ في لوزان للحصول على الماجستير هناك.
- لكن. . لكننّي. . لا أعتقد أنني أريد هذا، أريد العودة وإتمام مشروع زواجي الذي فاتحتك فيه.
- أعرف مخططاتك مسبقاً ولكن، ألم تقل أنّها طالبة سنة أولى؟
أليس مبكّرا مشروع الزواج قبل بلوغها العشرين؟ وأنت أيضا لا زلت في السادسة والعشرين، عِش بعضا من حياتك قبل التضحية بها كلّها أنت ناضج يا محمّد، لا تتصرّف كالأطفال. .
- . . . . .
- سنتان فقط، ستعود بعدها للزواج والاستقرار / أؤكّد لك. أوراقُك جاهزة، وموّقعة. حظّاً سعيدا.

الغبن، إحساس انقضّ عليّ فجأة، بدرجة عالية الحدّة، أوقفتْ أفكاري عن العمل. أشياء كثيرة تحدث لي دون أن أطلبها، مواقف قد لا أقدر على استيعابها تأتي كضربة على رأسي. .
سنتان؟ وحدي في بلد غريبة واسعة لم أخترها أساسا بإرادتي؟

بقيتُ صامتاً طوال النهار، أرقب الساعة بتململها البطيء أمامي، إلى أن حان وقت مكالمتي لها.

عندما وصلني صوتها البعيد، أجهشتُ بالبكاء، أخبرتها كم أشعر بالوحدة والضآلة، أخبرتها بأنّ النضوج حالة كذبٍ نرتديها لملائمة أجسادنا الضخمة، ليس هنالك من ناضج في الحياة، النضوج مجرّد لباس نستر به الطفل في أعماقنا. أخبرتها أنني في مأزق اسمه أبي، لا أعرف سبيلاً للخلاص منه.

بعد صمتٍ عميقٍ انتهجته بالاستماع إليّ، طمأنتي أنني سأكون بخير، وأنّه رغم كلّ شيء والدي، أي أنّه الأعلم بشأني وشأن مستقبلي، حريصٌ عليهما. أخبرتني أنّها بالفعل تريد إنهاء دراستها، وإن حدث ودخلتُ حياتها عنوة، فذلك قدرٌ رحبّت هي به وإن كان غير مخططٍ له. وأنّ الأشياء الفجائيّة التي تحدُث سواءَ أكانت هذه الفرصة أو علاقتنا، قد تكون الأشياءَ الأجمل في حياتنا إن أجدنا استغلالها فعلاً ولم نتصرّف بغباء. راحةٌ غمرتني يومها، وكأنني عُدت إلى الواقع مجدداً، فوجدته أجمل، أنْضَجَتْ بكلامها المتّزن الرؤيا في عيني فقبلتها. و ارتضيتُ الاستمرار في ذات الطريق الذي لم يكن باختياري، مع اتّفاق بأن أهاتفها إسبوعيّا، في موعدٍ معيّن.

بعد تلك المكالمة بيومين، أعطاني أحمد أوراقي واعتمادي الماليّ، رافقني إلى محطّة القطارِ موّدعا، ورحلت. واجهت الحياة لأوّل مرّة بمفردي تماماً.

انشغلتُ بتحصيل اللغة ومن ثمّ إكمال المعاملاتِ الورقيّة و وثائق الدراسة المطلوبة فترة من الزمان، اتّخذتُ من شِقّةٍ صغيرة مسكناً لي في أجمل شوارع المدينة. عشت حياتي كأنني رجل آليّ مبرمج على التحوّل إلى إنسان مساءَ كلّ يوم جمعة، الساعة التاسعة، حين تجمعنا الأسلاك معا.

بعد مرورِ أربعة أشهر، أتى يوم الجمعة كالعادة، كنت في غاية الإنهاكِ بعد انتهاء اليوم الدراسيّ، ارتميت على الكنبة في الصالةِ الباردة، ممارساً لعبتي المفضّلة: مراقبة عقارب الساعة. حين تعامدت العقارب معلنةً التاسعة، طلبتُ الرقم بشغفِ المُشتاق، المتلّهف للحصول على الدفء من صوتها.

صوتٌ غريب طرق مسامعي. صوتُ رجل. اعتقدت أنني مخطئ في البداية، أعدتُ طلب الرقم بدقّة أكثر، أتى نفس الصوت ليطرق أذني.
- مساءُ الخير
- مساءك سعيد، محمّد؟
- نعم.
- أهلا يا بنيّ، أنا منير والدُ لينا.
- أهلا بك يا عميّ.
- محمّد.
كنت أودّ لو عرفتكَ في ظروفٍ أفضل ولكن. . لا يبدو أنّ الأفضلَ سيأتي بيننا. والدكَ يا محمّد، منذُ اللحظةِ التي غادرتَ فيها البلد، وهو يمارسُ الضغوط عليّ وعلى أسرتي، مرّات بالكلام عن الخصوصيّات مع العملاء وتجّار السوق ومرّة بالتهكم على سُمعة ابنتي التي ارتبطت بك دون إذني. حاولتُ مراراً من أجلها ومن أجلك، أن أُفهمه أنّ ابنتي حرّة في اختيارها، وأنّها وبعد لقاءكما الثالث أخبرتني بكلّ شيء وأعطيتها الضوء الأخضر لعلمي بقدرتها على الاختيار بوضوح ولعلمي أيضا بمن تكون وما هي بيئتك رغم اعتراضي على منهج والدك القاسي المعروف للقاصي والداني. لكنّ الأمور ساءت جدّاً بيننا واعتقد أنّه حكم بالإعدام على أيّ ارتباط قد يأتي بين أسرتينا. . اعذرني يا بنيّ، هذا قرار مشترك بيني وبين ابنتي، قرارٌ نهائيّ.

كعادتي، أتقبّل الضربات التي تهبط فجأة على رأسي بالصمت الثقيل. . لم أنبس ببنت شفة طيلة ثلاثة أيّام. لم أدرك يوماً أنّ الشرّ موجود في هذي الحياة بهذه الكثافة. في الطفولة نتعلّم أنّ قوّة الخيرِ و دائما تنتصر على الشرّ في النهاية، لكنّنا كلّما كبرنا أكثر، نُدرك أكثر، أنّ الأمر ليسَ بهذه البساطة، فآثارُ الشرّ، تبقى ظاهرة دوماً في كلّ الوجوه.
الشرّ، هل تراني أتمثّله في والدي؟؟

عد تلك الأيّام الثلاثة، حزمتُ أمتعتي، وعدت إلى زيوريخ. صديق لي في المعهد أمّن لي عملا هناك. لا أريد متابعة شيء ليس اختياري أصلا، لا أريد أيّ رابط بأبي ولا حتّى ماله ولا أريده أن يعرف أصلاً بمكاني.

أجهدتُ نفسي في العمل كي لا أفكّر بشيء، رئيسي أكبرَ فيّ الذكاء والاجتهاد، وطبعا عملي لمدّة أربعة عشر ساعةٍ متواصلة يوميّا، مع إجازة إسبوعيّة: نصف يومٍ فقط.

انخرطتُ في العمل، وفي الحياة، مارستُ الشُرب وتعلّمت طريقَ النساء، لعبُ الورق أيضاً، أصبحت محترفاً. نسيت بلدي وكلّ من فيها، أهاتفُ سمير وماجد كلّ فترة، مازن وصباح أسبوعيّاً. ذهبت لزيارتهم في عطلة لي، وعشت حرّاً، كما اعتقدت أخيراً. بلا جذورٍ تربطني بأحد، بلا عوائقِ أهلٍ يلاحقونني كيفما يمّمتُ وجهي، بلا ارتباطٍ لا أقوى على الوفاءِ به.
عشت هكذا لثلاث سنوات، أيقنتُ النضوج أحياناً، وفي أحيانٍ أخرى أغرق في أحلامِ الأطفال فأعود للهزأ بتلك الكلمة. بعد عيد ميلادي الثلاثين بأسبوع، رنّ هاتفي بإصرارٍ شديد، كنتُ نائما فأيقظني، على الطرفِ الآخر أتاني صوتُ أحمد: والدك في المستشفى، حالته خطرة. أقفل السماعة دون أيّ زيادة، وخزةٌ طفيفة أحسستها في قلبي، لا يزال رغم كلّ شيء، أبي.
نهضتُ بتثاقل، أخذت حمّامي ثمّ اتّصلت بسمير، طالباً منه التأكّد من الخبر الذي أتاني.
بعد ظهر نفس اليوم ردّ سمير اتّصالي: والدكَ انتابته أزمة قلبيّة، بعد التأكّد من حالته، ثَبُت احتياجه لتغيير عدّة شرايين في قلبه. نقلوه إلى مستشفى القدّيس جاورجيوس في بيروت بانتظار العمليّة.

على وجهِ السرعة أعددت جواز سفري، حقيبة بها بعض الملابس، استأذنت لأسبوعين من العمل و أوّل طيّارة متّجهة إلى بيروت، كنت على متنها.

حالةُ والدك عسيرة، عدا انسداد الشرايين، يعاني من الضغطِ الدمويّ المرتفع وعدّة أمراض جانبيّة مثل الحساسيّة لكثيرٍ من الأدوية التي يتطلّب علاجه بشدّة استخدامها.

الحلّ يا دكتور؟

عليه المكوث في المستشفى شهر كامل لإجراء اختبارات الحساسيّة، وقد تأخذ وقتا أكثر، ومن ثمّ يتقرر موعد العمليّة.

ستّة أشهر، وجلّادي مرميٌّ بخالصِ ضعفه على فراش في المستشفى، وصلَ إلى الموت مرّات عديدة ولكنّه جبّار حتّى على الموت. بكيتُ قليلا لا أنكر، إنّما يبدو أنني بكيت شفقة على نفسي منه ومن حياتي معه. عملي تمّ فصلي منه، اتّصلتُ بصديقتي أولغا، طلبتُ منها إنهاء عقد إيجاري والاحتفاظ بأمتعتي. وسكنت المستشفى مع والدتي.

والدتي التي قبّلت الأرض عند رؤيتي، قالت لي أنني أصبحت كبيراً، و وسيماً كأنني أوروبّي حقّ. والدتي التي علمت بفعلة أبي معي، وردّت عليها كعادتها بالدموع والخنوع المهين.
بعد مرور سبعة أشهر، تمّ تغيير الشرايين على خير، وقضى ثلاثة أسابيع نقاهة في شقّة أخذناها في الأشرفيّة قرب المستشفى نفسه.

مير صديقي القديم، لم يتخلّ عني لحظة، كلّ عطلة يأخذها يتمثّل أمامي لمساندتي. الصديق الجيّد، هو الذي يقوم بدعمك عند وقوعك في مأزق، أو سؤالك عمّا ألمّ بك من أحزان أو ألم و من ثمّ مواساتك، الصديق العظيم مثل سمير، هو الذي يتصرّف دائما، وكأنّ شيئا لم يحدث، أيّ نقطة متابعة معك، يُكمل فيها وكأنّه ما فاتك لحظة زمن.

سألتُ سمير عن البشرِ جميعا، فقط كي يوصلني السؤال إليها، آه كم اشتقتُ لها. أخبرني سمير أنّها غادرت البلد بعد سنةٍ على سفري لحِقت بأخيها في أمريكا بعد أن جعل والدي سيرتها على كلّ لسان. الإشاعات في بلدتنا، مثل الهواء المحمّل بالروائح، يشتمّه الجميع، يشتُمونه، ثمّ يعيدون إصداره.

وأعود لأبي، كان يخاطبني كأنّني لم أبتعد عنه لحظة، بنفس القسوة التي عهدتها منه طوال عمري، بنفس الجبروت يلمع في عينيه. كرهته أكثر رغم كلّ شيء عاناه أمامي، وكأنّ قلبي قُدّ من جلمود. انتظرت حتّى عدنا إلى بلدتنا، وأبلغتهم عزمي بمعاودة السفر. بدأ بالاعتراض قائلا أنني الأغبى فيمن عرف، أنني عديم الإحساس بالمسؤولية وأنني أحمق. واجهتهُ للمرّة الأولى، بكلّ ألم ألبسني إياه تلك السنين، بكلّ حلمٍ حطّمه بيديه. قلت له أنني حرّ و أنّها حياتي أسيّرها كما أشاء. وأنني لا أريد مساعدته ولا أحتاج منه إلّا الابتعاد عن طريقي. أخبرته أنني كنت مطيعا جدّا، فضّلت رغباته دوما على ما أريد، بدءا بالألعاب التي كان يختارها هو انتهاء بتخصصي الجامعي الذي اختاره. لم أفلح يوما في جعله يحبّني أو يختار أن يحبّ ما أريد. قلت له أن مخزون الطاعة نفذ عندي وأنني أصبحت حرّاً. جابهني بدموع والدتي، رغبتها في تزويجي بعد أن قطعت الثلاثين. قلت لهما أنني لا أبالي، وأنّ الزواج لم يعد يعني لي شيئا، الحياةُ بمطلق الحريّة، أثمنُ من ارتباطٍ بإنسان قد يكرهني، لأنني أنا شخصيّا أكره نفسي، أكره ما صنعاه فيّ، أكرهه.

حجزتُ مقعدا على الطائرة المغادرة بعد يومين. عُدت إلى زيوريخ، استلمتُ أغراضي من أولغا، أنهيت مسائلي العالقة، اتّصلت بمازن على ملبورن، طلبتُ منه إيجاد عملٍ لي فقد كرهت زيورخ، كرهت ارتباطي بأمكنة لا أنتمي إليها، كرهت ارتباطي بأيّ شيء، طالما ارتباطي بجذوري هي التي أورثتني الضياع.

سافرتُ إلى استراليا، شهور قلائل و عُدتُ سيرتي الأولى في زيورخ، حتّى مازن وشقيقتي، قلّت رؤيتي لهما، كرهت رؤية انعكاسي في عيون الناس التي تعرفني حقّا. أخذني العمل ومباهج حياة عشتها للثمالة. هربتُ من نفسي كثيراً، أوقات طويلة تجنّبت فيها الخلود للوحدة ولو دقيقة، تجنّبت التفكير بالأمس، اعتبرته شبحاً يطاردني إلى اللا مكان، سيطاردني إلى أن أتدثّر الموت يائساً من الحياة. حاولتُ العثور على حبّ جديد، البدءُ بحياة جديدة، لكن البدايات تحتاج لنفسٍ طويل، ما عاد لديّ ما أتنفّسه أصلا. غرقتُ في الحياة دون تفكير، تعرّفت على الكثير من النساء، ما أن تصل علاقتي بهنّ للارتباط، أتهرّب بأي عذر، وأقطع سبيلها إليّ تماماً. تِسعُ سنوات وأنا أحيا دون حياة، دون أمل، دون يأس. دون أيّ حلم أتمنّى تحقيقه، أيّ هدف أسعى إليه. حياة فارغةُ المعنى مرتبطةٌ بعقاربِ الساعة التي تدور دون توقّف، بالتقويم الذي نقذف قصاصة تاريخ كلّ يوم فيه إلى المهملات، لنبدأ يوما آخر له ذات المصير مساءاً. حياة، لا شيء فيها يذكر، لا شيء في تلك الأيّام يشبهني أو يعنيني. وكما أنّ لكل بداية، نهاية أكيدة، مهما تشعّبت الطرق أو الخيوط، مهما التفّت، مصيرها هو ذاته، أن تنتهي في وقت ما، هذه المرّة بصوت صباح: والدك تعرّض لحادث مريع، فقد كان آتيا إلينا كي يراك، الطقس باردٌ كما تعلم في الشتاء، الجليد يكسو الطرقات. سرعته الجنونية أدّت إلى تزحلق سيّارته، دورانها عدّة مرّات حول ذاتها، قبل أن تصطدم بعارضة الطريق.
حزمنا أمتعتنا جميعاً، مرّة أخرى، نحن الهاربين منه كلّنا، وعدنا. في المستشفى، قالوا لنا أنّ الخطر شديد، وأنّه لن ينجو ربّما.

بعد خمسة أيّام توقّفت أجهزة إنعاشه ورحل.

بعد أن حوّل حياتنا جحيماً من المال الذي أمدّه بالسلطة، بالجورِ الذي مارسهُ مطلقاً على أبناءه، بعد تضحيته بي وبعبير و صباح، رحل، رحلَ وكأنّه لم يكن، كأنّه ما فعل شيئا.
أقنعتُ نفسي بعدها أنّ صباح تحدّته لما أرادت، ولم تلبس ثوب الضحيّة، فحازت النصر وتابعت حياتها. أنا وعبير، ربّما عن ضعف، أو عن رضا مارسنا الطاعة والغباء حتّى خرجت دفّة حياتنا عن طريقها القويم لأننا رأيناها من خلاله لا من أعيننا.
لم يكن موته صاعقة ولا مفاجأة، لا مفرحاً ولا محزناً، كان فقط غريباً لدرجةِ الابتذال.

أوّل أمس، اجتمعتُ مجدّداً و بعدَ خمسة عشر عاماً و سمير، مازنٌ و ماجد، نحن الأربعة، هناك عند الجسر، وقفنا وظهورنا للمياه تجري وراءنا.

ماجد فشِل زواجه لاختيار والدته السّيئ. سميرٌ لم تبدأ حياته بعد، ابنةُ الجيران التي أحبّها خدعته، ألقته وراءها بكلّ نذالة وتزوّجت غيره. مازن حاز من حياته على كثير مما أراد ويستعدّ للسفر بعد ساعتين ومعاودة حياته. وأنا، الخالي الوفاض إلّا من بعض الندوب غير الظاهرة. المسؤولُ عن أمّي، عن شركة أبي، عن كلّ عبيده \ موظّفيه. و عن حياة ظلّت خمسة عشر عاماً تلاحقني.

كلّنا متضررون، كما يظهر، كلّ البشر. بعضنا متضرر أكثر من بعض. كأننا نحملُ الأضرار في أعماقنا منذ الطفولة. نُعطي بقدرِ ما نأخذ، ونُحدث أضرارا أخرى، في أنفسنا، في الناس من حولنا في الحياة جمعاء، ثمّ قد نفطن مجددا إلى ما أحدثناه، فنبتدئ بعمل تصحيحات لما نقدر، علّنا نقدر يوماُ.

لم يبقَ الكثير لبداية النهار، ذلك الذي سأبدأ فيه العيش كأنا، كإنسان لا يخشى الانتماء، إنسان غير هارب من شيء، ولا حتّى ذاته، إنسانٌ يريد فعلا أن يعود إنساناً.

هل سأقدر على بداية جديدة بعد سنوات كثيرة من الهروب؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى