الأحد ٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم فلاح جاسم

موت النورس

صوت دموع عينيك،يبدد صمت المقابر، يلقي حجراً في الماء الراكد،حرارة دمعتك أذابت صقيع ثلوج النفس، تسلل بهاء وجهك كما نور الشمس من شقوق الباب الخشبي، أصبح للرمل لون ذهبي،بعد أن كلله لون الرماد، لم يعد الشط مقبرة لموت النوارس، تعرت أشجار التوت من أوراقها... ريح تعوي، وتلوي أغصان الأشجار كغدائر يتيمة، يمشي الشيخ مقوس الظهر، يلفّ "لفاحته" على عنقه، معتمراً طربوش الصوف السميك، يدس يديه في جيبي سترته الباليه، ذات اللون العسكري،وقد تعرت ياقتها بفعل القدم، حتى بانت بطانتها، يلبس بنطلوناً أسود من المخمل، وقد أصبح ساقاه مدوران لأنه ينام فيه ويستيقظ فيه، ويحلم وهو فيه، ويصحو وهو فيه، حُلة جميع الفصول وجميع المناسبات، حذاءه ليس أحسن حالاً مما علاه من لباسه، مصنوع من الجلد كان لونه بنياً في يوم ما، وقد أصبح يميل إلى اللون الأبيض في مقدمته بفعل عوامل الحت والتعرية، قال لي مرة: إن هذا الحذاء تعاقب عليه ثلاثة محافظين، اشتريته أول استلام المحافظ محمد أكرم الألوسي مقاليد السلطة في محافظتنا،يعرف أخبار "المجمع الحكومي" للسلطة,الذي يقع في وسط المدينة بالتفصيل وذلك بحكم عمله، حيث يفرش الكتب على رصيف المبنى، على حصيرة قديمة، يجلس مسنداً ظهره إلى الجدار، الذي أصبح يشعر بالأمان عند وجوده بقربه،طالما كان الصديق الذي يقف بجانبه عندما أدار له جميع العالم ظهر المجنّ.

كان يشعر بالزهو بداخله، حينما يرى ابنه الأكبر يمر بسيارته من أمامه، ليركنها في مواقف المجمع الحكومي، حيث يعمل هناك مدير دائرة... لم يحقد على ابنه يوماً.على الرغم من تنكره له في ذلك السن، وإعراضه عنه بوجهه حينما يمر بجانبه، وهو منهمك بكتابة معروض لأحد المراجعين،رافضاً أن يتقاضى عنه أي أجر، بحكم أنه كان يعمل مدرساً في غربته،التي لم يجني منها سوى عمارة أصبحت فيما بعد شققاً على عدد أولاده، وقد ضاقت به طوابقها الأربع وغرفها جميعاً...

كان أكثر ما يمتعه في حياته،-إن جاز إطلاق ذلك عليها-هو صحبته للكتب، وافتراشها أمامه كمائدة ثقافية، ينتقي منها ما شاء، دون مقاطعة من زائر طارئ، جاء للسلام عليه وتأدية واجب

أثناء قدومه في إجازة، حيث سيارته الفاخرة تقف أمام الباب، لم يكن لديه الوقت، بحكم تعاقب الزوار والأصدقاء.

بقي صاحب مبدأ، لم يتقاضَ أي أجر على كتابة المعاريض، ولم يمتهن بيع الطوابع، اقتصر عمله على بيع الكتب المستعملة فقط.

كان يعرف معظم الوجوه التي تمر به حيث يتجاهله كلهم ويغير نظره عنه فجأة، ويلهي نفسه بالعبث بحك ذقنه أو تعديل ربطة عنقه، أو حتى تعديل شماغه وعقاله...

في ذلك اليوم الشتوي طال نومه على غير عادته، ارتفعت الشمس، والمراجعون يروحون جيئة وذهاباً، وهو نائم، ربما يحلم أن يقرأ كتبه التي في مكتبته التي غدت للزينة فقط، ربما يحلم بالدفء وهو يجلس قرب المدفأة على فراش من جلد الخرفان.

تفقده جاره الذي يبيع الطوابع فإذا به أسلم الروح لبارئها، يحلم بشمس نيسان الدافئة.

تقبل ابنه الأكبر العزاء في البيت الذي أقاموه لهذا الغرض، زاره صديقه القاضي، وسأله عن كيفية وفاته، كعادة جميع المعزين، فردّ عليه: لم يكن يرضى ليرتاح،لقد أدمن الشقاء، عبثاً حاولنا معه جميع السبل.

قال القاضي: يجب أن تفكر بحصر الإرث للورثة بعد العزاء، ردّّ عليه: بابتسامة ساخرة: وما هو الإرث ؟؟ كل يسكن في شقته ؟؟؟؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى