الاثنين ٩ آب (أغسطس) ٢٠١٠
بقلم فلاح جاسم

القرار الأخير

مهداة إلى الدكتور حسن المضحي

ضَحِكتُ بشكل هستيري، حتى وقعتُ على قفاي، ومازلتُ أضحك، قائلاً لـزهيدة:

- الله يسامحك..
_الله يسامحك، وأنا أضحك.. ، فتردّ عليّ، ببلاهة، أو براءة بنت الريف:
- الله يسامحني!؟ ليش؟ شسويت آني؟.

فرددتُ عليها،
- ألستِ من قال قبل قليل: «تعود إلى رحم أمك؟ عندما قلتُ لك: سأعود من حيث أتيت يا زهيدة ، ثم سألتني متعجبة:
تعود إلى رحم أمك؟»
- نعم قلت ذلك، ربما لأنك غبي في إيصال المعلومة، أو أنا غبية في تلقيها.

تعرفين يازهيدة، أنتِ فيلسوفة، والله فيلسوفة؛ هذا الكلام الذي تحدثتِ به درستـُه في الدكتوراه، في لندن،يسمّونه عدم التواصل بشكل فعّال، أو خطأ في التواصل.. زهيدة أنتِ فيلسوفة بحق، ربما يكون إني أفكر في اللاشعور، العودة من حيث أتيت؛ إلى لندن، إلى الجامعة التي درستُ فيها، لأني -لا أكتمك سرّا- بعد حصولي على الدكتوراه، صرت أحسّ إني عارٍ أمام الآخرين، وأمامك، وأمام نفسي، وأبحث عن ورقة توت، أو حتى ورقة صبّار تسترني.
قاطعتني:

حرام عليك، ورقة صبّار!!! إن كان ذلك لا يضيرك، فهو يضيرني.

ضحكت، وضحكتُ أنا كذلك، ثم نظرتُ إلى المنطقة المحظورة، فرأيتُ كأن أشواك صبّار تعلق بها، وأحسستُ بوخزٍ في ذلك المكان.

غادرت زهيدة المكان، خشية أن يرانا أحد، ولاسيما أن أهل القرية يبحثون عن أي قصة يتسلون بها في ليالي الشتاء الطويلة، التي لا عمل لهم أثناءها سوى التحلـّق حول المدفأة، والثرثرة المملة، وإعادة الحديث نفسه عشرات المرات، بإضافة بعض عناصر الإثارة في كل مرّة، فيحفظه الجميع عن ظهر قلب، مضيفا له رأياً شخصيّاً، أو تحليلا نقديا.

درستُ في علم الإدارة؛ لابد من تحديد هدف ما، ثم اختيار الطرق التي توصل لذلك الهدف، والسعي لذلك حثيثا، إذا لم يُحدد الهدف لا فرق أي طريق نسلك، لأننا في النهاية لا نعرف إلى أين سنذهب. هل أنا فعلا مازلتُ أحب زهيدة؟ هل مازال ذلك الوجه القمحي يرافقني في كل مكان! العيون السود الواسعة.. الشعر الكثيف الأسود، هل مازال يرتسم في مخيلتي كما في السابق!؟ عندما طلبتُ منها بإلحاح أن تنزع " الشيلة"، كي أرى شعرها قبل سفري بيوم واحد، ففعلت ذلك عل مضض، وعلى استحياء، ولكن إكراما لي، وبدا ذلك في قسمات وجهها، أحسست بحرارة حلمتي ثدييها، عندما ألبستها سلسالا ابتعته لها على سبيل الذكرى، فيه الحرف الأول من اسمي ..أحسستُ يومها كأن الثوب يحترق من منطقة الصدر وتبرز حلمتاها، فجأة قفزت إلى ذهني ذكرى حبات العنب الأبيض الطويل، الذي يكاد يكون شفافا، كنت أداعبه بلساني قبل أن آكله، تذكرت ثمالتي وسكري برائحتها، عندما اقتربت من رقبتها وشعرها، وشممت ما تحت حنكها وأذنيها، فانتفضت كما لو أن تيّارا كهربيا سرى بجسدها، فحاولت الابتعاد، فأمسكتُ بها بقوة، واضعا يدي وراء خصرها، جاذبا إياها بقوة إلي، فتحرك جمر من تحت الرماد، احتراقه مضاعف، لأنك لا تحسب حسابا، وتدوس الرماد، مفترضا أفول النار، فجأة تحس حرارة الجمر تنتقل إلى رأسك مباشرة..استسلمنا للجمر قليلا ولم نحرك ساكنا أو نسكـّن متحركا، لم نود الخروج من ذلك البرزخ، لعله التلذذ بالألم الجميل. غبنا عن دنيانا، ومن غير وعي وجدتُ شفتيّ تطبقان على جمر لا رماد يشوبه، يتأجج لهبه. لم أكن أعلم أن للجمر تأثيرا مخدرا لهذه الدرجة، إلا حين انتفضت زهيدة كقطاة، أمسك بها طفل شقي، تحاول الإفلات، ذهبت مسرعة وبقي جزء من ريشها-أقصد منديلها الأحمر- في يدي، حيث كانت تلفـّه على رقبتها. مازلتُ أحس بحرارة في صدري، في مكان ملامسة نهديها الكاعبين، ومازلت أتذوق الجمر في فمي وأنا أتلمظه، حيث قطفت لهيب شفتين مكتنزتين، ومتحديتين..نعم متحديتين، كما يُقال: لا يسرق السارق قبل أن يحضر الفتوى..فشفتيها كانتا مكمن الإثارة والجمر. رافقني شكل وجهها المستدير ولون وجمال شعرها الأسود، الغزير، الطويل، طولها الفارع وجسمها المكتنز، من غير امتلاء ممجوج، ولا ترهل، فبدت حين أمسكت بها كانسيابية السمكة. حاجبان منظمان من غير تدخل منها، وبشرة ناعمة؛ لأنها تتلثم طوال يومها، كعادة معظم الفتيات غير المتزوجات، في قريتنا.

ربما تصبح زهيدة أكثر جمالا لو سكنت في المدينة، واعتادت العيش الرغيد، وأصبحت زوجة دكتور في الجامعة؛ هذا ما كنت أفكر فيه، قبل سفري. بعد عودتي، وفي نوبة الضحك المسعور هذه، أصبحتُ أقارن بينها وبين (كاثرين)؛ الفتاة اليونانية الأصل، التي كانت تدرس معي في لندن، شعرها الأصفر، وبياض ساقيها وركبتيها كالثلج، وصدرها غير الناهد، وخصلات شعرها، التي لا تبالي في تصفيفها في معظم الأحيان، لكن بالمقابل تتكلم الإنجليزية بطلاقة، بالإضافة إلى لغتها الأم...الزواج منها رفع للمستوى الاجتماعي، و"برستيج" في نظر الآخرين، ثم الحصول على جنسية أوربية بالتأكيد. أما زهيدة فقد زهدت في كل شيء؛ فتاة تلقائية، فيها طيبة أهل الريف، وكل ما فيها طبيعي؛ غير معدّلة وراثيا أو جينيا، كـُتب ذلك على غلافها؛ أقصد تستطيع أن تستشفّ ذلك من مظهرها.

الإنسان مخادع بطبعه؛ عندما يقول:أحتاج لوقت للتفكير، لحسم الأمر، يكون قد فكر هو أصلا، لكن يحتاج إلى صياغة قراره بكلمات. ذهبتُ إلى منزل أهلي، وأخذتُ حقيبتي الشخصية الصغيرة التي تحتوي على أهم الضروريات؛ كتاب " تاريخ الفكر العربي، للدكتور عمر فرّوخ. أشعر بانهزام داخلي وانكسار على كافة مستويات شخصيتي. ركبت الباص الصغير؛ الذي يذهب للمدينة، لأتدبر أمر حجز تذكرة الطائرة، ومغادرة جميع دوائر الانتماء، صغيرها وكبيرها؛ البيت الطيني، القرية، المدينة، الوطن، وبسمة زهيدة البريئة، ورنـّة ضحكتها التي تفيض أنوثة غير متصنعة. ركبتُ بجانب السائق، أعلق حقيبتي على كتفي، حتى وأنا جالس، وأضعها على ركبتيّ، هو تقليد تعلمته من غربتي، مررنا من خلال مزارع خضراء وبيوت بعضها إسمنتية حديثة، بنيت من الحجر الأصفر، وغطيت أسقفها بالقرميد الأحمر. أشار سائق الحافلة إلى تلك المناظر قائلا:

"شوف" يا دكتور، منطقتنا تطورت كثيرا؛ أبنية على أحدث طراز، مُدت الماء والكهرباء، كما يوجد في هذه القرية مركز ثقافي.

انتهت رحلتي، بوصولي إلى المدينة، كنت مستغرقا في تفكير وقلق دائمين، حتى أني لا أتذكر رؤية شيء أثناء الرحلة، لا الحقول الخضراء ولا البيوت التي ذكرها السائق. توجهت إلى مكتب حجز تذاكر الطائرة، احدث نفسي بحزم، كي أقنع حالي بالسفر، أنا دكتور في الإدارة، لا شقـّة لي في المدينة، وليس لدي سيارة، كما احتاج إلى الزواج والاستقرار ..أفكار بمنتهى السوداوية، تجعلك تتخذ قرار السفر بدون أي تردد. دفعت ثمن التذكرة، تسلمتها ووضعتها في حقيبتي، دون أن أطويها، مشيت وكان الوقت عصرا، دُهشتُ حين نظرت إلى ظلي فلم أره، لم أجده!!! يا إلهي أيُعقل أن يكون فـُقد!!! هل بقي في القرية، حيث تقابلنا أنا وزهيدة؟ حاولت أن أتناسى الأمر، لعل سببه ما أعانيه من ضغوط نفسية. الرجوع إلى لندن لا يعني العمل كأستاذ جامعي، لأنهم ليسوا بحاجة إلى شخص متخرج حديثا؛ يفتقر إلى الخبرة، هذا يعني إني سأواصل عملي السابق، في بيع الجرائد في الكشك على الرصيف. اجتزت الشارع إلى الرصيف المقابل، حيث محل بيع أشرطة يديره شخص أشيب، وقد ارتفع صوت أم كلثوم "يا فؤادي لا تسل أين الهوى/ كان صرحا من خيال فهوى"، أيعقل أن تكون كل تلك الأمنيات و الأحلام، قصورا في الهواء!؟ قفزت إلى ذاكرتي صورة والدتي، وهي تودعني في المرة الأولى، وتقول:"إن شاء الله ترجع، وأشوفك دكتور قد الدنيا". إنها لا تعلم عن سفري هذا، ولا عن قراري الفجائي.. سامحيني يا أمي، مددتُ يدي داخل حقيبتي لاستخراج التذكرة، وأتأكد من أن كل شيء على ما يرام، أخرجت التذكرة وخرج معها منديل زهيدة الأحمر، فامتلأ المكان برائحة الحقول في أمسيات الصيف، قررت بعصبية أن أمزق المنديل وأتخلص منه، كحبل سرّي يربطني بالقرية ومن فيها، لكني فوجئت بأني قد مزقت التذكرة، وقد سكت صوت أم كلثوم في المحل المجاور.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى