تأخر النطق عند الأطفال مظاهــره، وأسبابــه، وطرق علاجـــه

، بقلم حمدان رضوان أبو عاصي

يعتبر الكلام أو النطق أحد أهم مظاهر أو مؤشرات التطور الطبيعي عند الأطفال. ويختلف التطور النطقي عند الأطفال من طفل إلى آخر (حتى وإن كانوا ضمن أفراد عائلة واحدة).
ولعل من أهم الأمور في رعاية الطفل وجوب فحص قدراته، والتأكد من سلامة أعضائه منذ الولادة، وكذلك التأكد من أنه لا يعاني من الصمم (الطرش)، أو من تخلف عقلي، أو من أية أمراض أخرى تؤدي إلى التأخر في النطق واللفظ. كما يجب معرفة إنْ كان الطفل يفهم الأوامر البسيطة (يجب أن تكون بلغة سهلة) ويستجيب لها، مثل: اجلس، احضر الكرة، ... وغيرها، فإنه عادة ما يكون قادراً على السمع وفهم ما يقال له. ويُلاحظ أن هناك بعض الأطفال في سن 2 أو 3 سنوات يستخدمون الإشارة، أو التعبير بتقاطيع الوجه (وهذه الطريقة أسهل لهم من الكلام) دون التعبير باللفظ والكلمات ليحصلون على ما يريدون؛ مما يؤدي إلى تأخر بعضهم في النطق.

إن مرحلة بدء الأطفال في تقليد اللغة تبدأ في الشهر الثامن عشر إلى ثلاث سنوات؛ فنجد الأطفال حينها يحاكون ألفاظاً أكثر تعقيداً لتكوين عبارات من كلمتين، وهذه محاولات ممتازة تعكس مقدرة الأطفال على إيصال أفكارهم، فالأطفال مقلدون جيدون، وهذه المهارة تزداد بتعلم الكلام، فعادة ما يحاول الأطفال خلال هذا العمر الثرثرة مع أنفسهم أو مع ألعابهم؛ لذا يجب عدم مقاطعة هذه الثرثرة، لما لها من تأثير في تطور مقدرتهم على الكلام خلال هذا العمر الذي يميزهم بحدة الانتباه. وعلى الرغم من أن معظم الأطفال في العام الثاني من العمر لديهم المقدرة على نطق الكلمات أو الجمل البسيطة، إلا أن بعضهم قد يتأخر عن النطق.

ماذا يقصد بالتأخر اللغوي:
يُقصد بالتأخر اللغوي (تأخر النطق) في المصطلح العلمي: تأخر الطفل في البدء بنطق كلمة ذات معنى، أو كلمتين أو أكثر في الوقت المفروض لذلك، ليعبر بها عما في نفسه. وتختلف قابلية الأطفال في تعلم الكلام أو البدء به، من طفل لآخر.

ويعرف عبد العزيز السرطاوي وآخرون الطفل المتأخر لغوياً في معجم التربية الخاصة بأنه ذلك الطفل الذي يستخدم لغة بسيطة للغاية في المراحل التي تنمو فيها اللغة عادة؛ مما يؤدي إلى بطء وتأخر اكتساب اللغة لديه [1].

وفي موسوعة التربية الخاصة والتأهيل النفسي يعرف كمال سيسالم القصور أو العجز اللغوي بأنه يتمثل في قصور في تنظيم وتركيب الكلام، والتحدث بجمل غير مفيدة، واستخدام الكلمات والأفعال والضمائر في أماكن غير مناسبة لها، فقد يضع الفعل مكان الفاعل، أو المؤنث مكان المذكر، أو الضمير المتكلم مكان الغائب .. وهكذا [2].

أولاً- مظاهر تأخر النطق عند الأطفال:
ومن المعروف أن أهم مظهر لتأخر الكلام هو انعدام النطق بالألفاظ اللغوية في الوقت الذي تظهر فيه هذه الألفاظ عند الأطفال العاديين من أقرانه. وهناك مظاهر أخرى مثل إحداث أصوات غير معروفة يقوم بها الطفل كوسيلة للتخاطب، أو أن يعبر الطفل بإشارات وإيماءات مختلفة عن طريق الرأس أو اليدين أو استعمال لغة خاصة ليس لمفرداتها أية دلالة لغوية، وقد تكون ضآلة في مفرداتة اللغوية والإجابة بكلمة واحدة على الأسئلة أو الصمت والتوقف في أثناء الحديث. وهناك مظاهر أخرى لتأخر النطق عند الأطفال، منها:
- أ- أن ينطق الطفل صوتاً مكان آخر: عملية إبدال، مثل اللثغة كأن ينطق الراء "لاماً أو ياءً أو واواً "، أو يبدل السين «بالثاء أو الذال».
- ب- أن يحذف الطفل بعض الأصوات فلا ينطق صوتاً معيناً نهائياً، وقد يكون ذلك لعدم الإحساس بمخرج الصوت. أو يحذف صوتاً معيناً في مواضع، ولا يحذفه في مواضع أخرى "تبعاً للصوت التالي له وتأثيره عليه" .
- ج- أن ينطق صوتاً فيه تشويه أو تحريف عن مخرجه الأصلي.
- د- التهتهة أو "اللعثمة" أو "التأتأة".
- هـ- الخنف أو الغنة الأنفية.
- و- الكلام الطفلي كأن يتكلم بعمر أصغر من عمره على طريقة كلام الأطفال الأقل منه سناً.

وقد عددت الباحثة «حورية باي» مظاهر التأخر اللغوي (تأخر النطق عند الأطفال) في عدة نقاط منها [3]:

- افتقار التراكيب التي يستخدمها الطفل لغوياً إلي "التماسك والترابط" نتيجة نقص فيما يأتي: أدوات الربط -حروف الجر- ظروف المكان و الزمان.
- الالتباسات وتداخل بين الضمائر المنفصلة، والضمائر المتصلة، والمفرد والجمع والمؤنث والمذكر.
ويلخص فيصل الزراد أهم الأعراض الشائعة للتأخر اللغوي فيما يأتي [4]:

1- إحداث أصوات عديمة الدلالة، والاعتماد على الحركات والإشارات .

2- الاكتفاء بالإجابة (بنعم) أو (لا) أو بكلمة واحدة، أو بجملة من فعل وفاعل دون مفعول به.

3- التعبير بكلمات غير واضحة بالرغم من تقدم عمر الطفل.

4- تعذر الكلام بلغة مألوفة ومفهومة .

5- ضآلة حصيلة عدد المفردات.

6- صمت أو توقف في الحديث يرافقه اضطرابات سلوكية ونفسية.

ثانياً- أسباب تأخر النطق عند الأطفال:

1- طبيعة العائلة؛ فقد يكون تأخر كلام الطفل حتى بلوغه العامين أو أكثر أمراً طبيعياً بالنسبة لأشقائه الآخرين.

2- نقص في خلايا الدماغ؛ نتيجة للعوامل الوراثية أو عوامل مرضية مثل: التهاب السحايا والتهاب المخ، فيقل بذلك مستوى ذكاء الطفل عن الحدود الاعتيادية؛ وبذلك يتأخر الكلام. وقد تُصاب الأم في أثناء فترة الحمل بالحصبة الألمانية خلال الأشهر الثلاثة الأولى التي تؤدي إلى نقص الأوكسجين لدى الجنين، وتتلف خلايا مخه، وقد يعود سبب نقص خلايا الدماغ عند الطفل إلى سوء تغذية الأم الحامل.

3- الصمم؛ لكي يتعلم الطفل الكلام لا بد أن يكون سمعه طبيعياً، وإذا كانت درجة الصمم عند الطفل شديدة لا يستطع النطق بتاتاً حتى لو كان ذكاؤه طبيعياً أو أعلى من الحد الطبيعي.

4- عدم قدرة الطفل على تحريك لسانه؛ بسبب وجود رباط عضلي يربط لسان الطفل بقاعدة الفك السفلي من الفم؛ مما يمنع حركة اللسان بحرية.

5- تضخم اللوزتين والزوائد الأنفية والتهابها؛ لأن المستوى السمعي للأطفال يتضاءل في مثل هذه الحالات.
لكن هل يدل النطق المتأخر على بطء في التطور العقلي؟ ... ذلك أول ما يخطر ببال الوالدين ويؤلمهما!
والحقيقة أن بعض الأطفال المتخلفين عقلياً يتأخرون في تعلّم النطق والكلام، غير أن الكثيرين منهم أيضاً ينطقون بالألفاظ في وقتها المعتاد ... ومع ذلك فالصحيح أيضاً أن الأكثرية الساحقة من الأطفال الذين يتأخرون في النطق حتى العام الثالث من العمر يتمتعون بذكاء طبيعي، بل إن بعضهم أذكياء جداً ولامعون.

أسباب أخرى لتأخر النطق عند الأطفال:

1 - النقص في القدرة العقلية:
فهناك عامل ارتباط بين الذكاء والنمو اللغوي، وهذا ليس ضرورياً في جميع الأحوال، إذ أن بعض الأطفال المتأخرين عقليا قد لا يكونون كذلك.

2 – نقص في حاسة السمع :
إن الطفل الذي يفقد حاسة السمع، أو تكون ضعيفة ضعفاً كبيرا لا يستطيع الكلام؛ لأنه لا يسمع نطق الحروف والأصوات، ومن ثم لا يستطيع تقليدها، وبالتالي لا يستطيع أن ينطق كما ينطق الآخرون. وهناك أعراض كثيرة لنقص السمع منها:
(أ) تحريك الرأس نحو اتجاه الصوت باستمرار.
(ب) تغير في حركة عضلات الوجه وتقليصها أثناء الإصغاء للصوت.
(جـ) عدم التقيد بالتعليمات، وعدم الاستجابة للنداء.
(د) ظهور مواد صمغية من الأذن بين فترة وأخرى.
(هـ) الخلط في نطق بعض الكلمات، وعدم الاشتراك في النشاطات الجماعية للأطفال.

3 - إصابة الطفل بمرض مزمن في الأشهر الأولى من حياته:
فقد يصاب الطفل بمرض شديد لفترة طويلة، وبعد الشفاء يبقى هزيلاً؛ مما يؤدى إلى ضعف في مقاومة جسمه للأمراض، وقد يؤدي ذلك إلى تأثر مراكز الحركة الكلامية عند هذا الطفل، وبخاصة في حالة ارتفاع درجة الحرارة المستمر في أثناء المرض.

4- وجود خلل أو سقم في بعض تراكيب الأعضاء التي تؤثر على الكلام:
كانشقاق شراع الحنك وإذا عولج هذا الانشقاق في الوقت الملائم فإن كلام الطفل لن يتأثر بشيء.
كذلك سوء الإطباق فإنها تؤثر على الكلام ولاسيما إذا كانت مترافقة بحالة صغر في الفك السفلي.

5- الظروف الاجتماعية غير الملائمة:
ويقصد بهذه الظروف عدم كفاية النموذج اللغوي المقدم للطفل؛ مما يفقده فرصة المحاكاة اللغوية الصحيحة، ومن ذلك قلة التجارب العامة التي يمر بها الطفل، مثل:
(أ) عدم وجود أطفال آخرين يتحدث إليهم.
(ب) جهل الأسرة بطرق التربية السليمة، فتراهم يجبرون الطفل على الكلام ويوبخونه بشدة عندما يفشل؛ مما يزرع الخوف أو العناد البشري في نفسه، فيمتنع عن المحاولة مرة أخرى (خوفاً أو عناداً).
(جـ) انشغال الوالدين وترك الطفل لدى مربية لا تتكلم بلغة الطفل.
(د) اختلاف لغة الوالدين، فقد يكون أحدهم عربي والأخر أجنبي.
(هـ) اختلاف لغة التعليم المبكر (الحضانة)، وذلك لمن يدرس أطفالهم في مدارس أو حضانات أجنبية.

6- التوائم:
قد يتأخر التوأم في تعلم الكلام عن غيره من الأطفال الأسوياء الذين هم في مثل سنه من غير سبب ظاهر، ولكن ذلك التأخر كثيراً ما يصيب أحد التوأمين، ولا يصيب التوأم الآخر إلا نادراً.
ويعزى سبب التأخر إلى أن الأم لا تجد الوقت الكافي للتحدث مع طفلين اثنين مدة كافية، كما يعزى أيضاً إلى أن التوأمين يقلد أحدهما الآخر بالكلام بدلاً من تقليد الكبار الآخرين الذين يتحدثون إليهما.
وقد أجمل بعض الباحثين الأسباب الاجتماعية والبيئية والتربوية لتأخر النطق عند الأطفال في النقاط
الآتية [5] :

  • عوامل التنشئة الاجتماعية.
  • فقر البيئة الاجتماعية بالحديث السليم والكلام الموجه.
  • عدم وجود التدريب المناسب للطفل.
  • تعلم عادات النطق السيئة.
  • عدم توجيه الوالدين الطفل إلى النطق السليم.
  • تعدد اللهجات واللغات في البيئة الواحدة.
  • تقليد الأطفال المضطربين في النطق.
  • الكسل لدى بعض الأطفال، والتمركز حول الذات، والرغبة في جذب
    الانتباه.
  • سوء التوافق الأسري والاجتماعي.

وهناك أسباب اجتماعية، وبيئية، وتربوية أخرى كثيرة لا يمكن حصرها.

ثالثاً- طرق العـــلاج:

1- لابد من تشخيص الحالة لمعرفة السبب، ففي الحالات التي يكون فيها السبب نفسي أو عقلي، فإن الحل يكمن في توفير معلم مختص، وأن تكون المادة التعليمية ملائمة لقدرات الطفل المعالج.

2- إذا كان التأخر عضويا، فإن معالجة هذه الحالة ترجع إلى دقة التشخيص وتقديم العلاج الملائم.

3- إذا كان تأخر الكلام راجعا إلى أسباب اجتماعية، فيكون الحل في تغيير هذه الظروف.

4- فيما يتعلق بالدراسة والمدارس الأجنبية فلابد من مراعاة تمكن الطفل من لغته الأم أولا .

5- اختيار مربية مناسبة والاتفاق بين الوالدين على اللغة التي يرغبان أن ينشأ عليها طفلهما، ويُفضل أن تكون هذه اللغة هي لغة المدرسة التي يراد إلحاق الطفل بها.

حواشي

[1معجم التربية الخاصة: عبد العزيز السرطاوي ويوسف القريوتي وجلال القارسي- دار القلم- دبي 2002م.

[2علاج اضطرابات اللغة المنطوقة والمكتوبة عند أطفال المدارس العادية ، حورية باي _ دار القلم- دولة الإمارات العربية المتحدة، 2002م.

[3علاج اضطرابات اللغة المنطوقة والمكتوبة عند أطفال المدارس العادية ، حورية باي _ دار القلم- دولة الإمارات العربية المتحدة، 2002م.

[4اللغة واضطرابات النطق والكلام- د/ فيصل محمد الزراد، دار المريخ - الرياض 1990م.

[5التواصل اللغوي ودوره في دراسة عيوب النطق ومشكلات التخاطب: د. حمدان أبو عاصي، بحث نُشِرَ في مجلة العلوم الإنسانية –جامعة البحرين- العدد 15/7 0 ديسمبر 2007م


حمدان رضوان أبو عاصي

الدكتور حمدان رضوان: باحث واكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف