الاثنين ٧ شباط (فبراير) ٢٠١١
بقلم قاسم مسعد عليوة

السيناريوهات القريبة للثورة المباركة

بكل المقاييس هى ثورة مباركة. فجَّرها الشباب واشترك فيها الشعب.. كل الشعب.. بمختلف فئاته وطوائفه وأعماره وتياراته السياسية والفكرية؛ وخاضتها معهم كل أحزاب وقوى المعارضة، العلنية والسرية، اليسارية واليمينية، الراديكالية والليبرالية. هى ثورة مدنية لا عسكرية ولا دينية؛ وهى واحدة من أخطر الثورات فى تاريخ مصر الحديث، بل فى التاريخ الإنسانى الحديث برمته؛ وفى حدود علمى، لم يشهد التاريخ الإنسانى الحديث سوى ثلاث ثورات تشبه ثورة 25 يناير 2011م. المصرية.. ثلاث ثورات شعبية فقط هبت قبلها بدون قيادات فردية أو جماعية يمكن أن يقال إنها هى التى أشعلت فتائلها.. هذه الثورات هى: الثورة الفرنسية، ثورة 19، وثورة تونس؛ لتأتى ثورة 25 يناير فتكمل مربع هذه الثورات التى مازت على وتميزت عن ثورات أخرى كثورة 1805م. لمصرية وثورة البلشفيك الروسية وثورة الصين وثورة العصيان المدنى فى الهند والثورة الإسلامية فى إيران، لأنها جاءت فى هيئة ومظهر شعبيين شعبية خالصة؛ وقد مازت الثورتان الأخيرتان .. ثورتا تونس ومصر.. بقدرتيهما على الاستفادة من الإمكانات التى وفرتها تكنولوجيا الاتصال الإلكترونى؛ والرائع أن ضلعين فى مربع هذه الثورات الشعبية الخالصة ـ أى نصفه ـ موسومان بالمصرية الخالصة.

ثمة من يتخوف على ثورة 25 يناير لأنها هبت بدون قيادات متفق عليها، وثمة من يعيب عليها هذه الخصيصة، وما أكثر من يحاربونها الآن من هذه الزاوية ظناً منهم أنها ثغرة يمكن النفاذ منها لضعضعتها وإضعافها؛ وواقع الأمر يؤكد أنه لا خوف من اندلاع ثورة 25 يناير المصرية بدون قيادات، فهى قادرة على استيلادها؛ وكما أفرزت الثورات الثلاث بعد اندلاعها قادتها، ستفرز هذه الثورة المباركة قادتها؛ وهى ككل الثورات الحقيقية قادرة على غربلة أولئك الذين يعرضون أنفسهم للقيام بهذه المهمة وتملك من ملكات التبصر والاستبصار ما يمكنها من إقصاء اللص والانتهازى والوصولى والعميل والضعيف عن مواقع الصدارة فيها.

ربما تكون هذه المقدمة ضرورية للحديث ـ على عجل ـ عن بعض السيناريوهات التى أراها قابلة للطرح الآن مع لفت الانتباه إلى حركية الظروف وعدم استقرارها وتتابع المتغيرات وكثرتها وتباينها. وقد تكون الإشارة هنا إلى أن كل سيناريو من هذه السيناريوهات ينطوى على سيناريوهات فرعية غير قليلة يشترك ـ بل يشتبك ـ فى وضعها أطراف محلية ودولية غير قليلة منها المخلص للثورة والمعادى لها، ومنها ما يتسم يسعة الأفق، ومنها ما يعمل على تضييقه.

السيناريو الأول: الاستسلام لمطالب الثورة

وبمقتضاه يضطر محمد حسنى مبارك إلى عدم استكمال ولايته خلال أيام أو أسابيع؛ ولن يتحقق هذا السيناريو إلا بقناعة من الجيش أن استمرار مبارك قد صار عبئاً عليهم وعلى الوطن، وعند الحديث عن الجيش فإننى أفرق بينه وبين قادته الكبار المرتبطين بنظام مبارك.

السيناريو الثاني: إصلاحات محدودة

وبموجبه تتم الاستجابة إلى بعض المطالب التى قد توحى بالكثرة وتوهم بأنها تحقق مطالب الشعب مع الإبقاء على النظام ورئيسه، وهذا ما اتبعه النظام وورد فى كلمتى محمد حسنى مبارك، وما قال به النائب عمر سليمان الذى قام بتعيينه، هو ورئيس الحكومة الجديدة أحمد شفيق الذى اختاره مبارك ليشكل وزرارة بديلة لوزارة رجال الأعمال التى كان يترأسها أحمد نظيف، ومن هذه الاستجابات الشروع فوراً فى إدخال تعديلات على المادتين 67 و77 من أجل توسيع فرص الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وتحديد مدد فترات الرئاسة، ومكافحة الفساد، ومحاسبة المسؤولين الأمنيين السابقين، مع وضع شرط الحوار مع المعارضة حول باقى المطالب.

ويلاحظ أن هذه الاستجابات جاءت مقطرة، بما فيها استقالة هيئة مكتب الحزب الوطنى وخروج صفوت الشريف وجمال مبارك وغيرهما من قيادة الحزب وتعيين آخرين بدلاً منهم، مما يدل على شكلية كل التعديلات التى قام بها النظام، وأنها وإن لم تأت على النمط الذى اعتاده، إلا أنها تعمل على ستر عوراته لأطول مدة ممكنة، تشبثاً بأمل إمكان استرداد القوة والقدرة على الحركة لاجهاض هذه الثورة.
السيناريو الثالث: النكوص عن التعهدات التى بذلت للشعب

وقد خبر الشعب المصرى سلوكيات السلطة وتراجعها عن وعودها وتنكيلها بخصومها عقب انتفاضة يناير 1977م. ضد محمد أنور السادات الذى لم ينته حكمه إلا والشعب المصرى كله رهين السجن والاعتقال، مع أن أبواق إعلامه ملأت الدنيا كلها بأنه الرئيس المصرى الذى جاء ليحطم السجون والمعتقلات.
وإرهاصات تنفيذ هذا السيناريو لا تزال قائمة، فمازال رجال الأعمال قادرين على اللعب فى الكواليس، ومازالت قيادات الشرطة والجيش موالية للنظام، ومازال كل هؤلاء قادرين على توظيف الإعلام الرسمى لخدمتهم.، لكن ما نراه حتى الآن هو تيقط قوى المعارضة لهذه المحاولات وتحركها باتجاه عدم تمكين النظام الذى تزعزعت أركانه من تطبيق هذا السيناريو.

السيناريو الرابع: الفوضى

عمد النظام إلى التلويح بهذا السيناريو بإقدامه على سحبه لقوات الشرطة وفتحه للسجون وإخلائه للمساجين وحرقه لعدد من الأبنية فى مقدمتها مقر الحزب الوطنى ذاته ومقار أقسم الشرطة والمستشفيات ومبان حكومية أخرى، وإطلاقه يد النهب والسلب فى جميع المدن وبعض القرى لوضع الفوضى التى تسبب فيها مقابل الاستقرار الذى يزعم أنه يحققه، ثم تطويره الأمر إلى الاعتداء على المعتصمين بميدان التحرير والمتظاهرين فى كل أرجاء مصر لمَّا تبين أن الثورة نجحت من خلال لجانها الشعبية، بمعاونة من الجيش الذى تمسك بثوابته الوطنية، فى السيطرة على أعمال النهب والسلب والبلطجة، وأنها كفلت الاستقرار الذى استهدف النظام ضربه.

ويتضمن هذا السيناريو عدد غير قليل من السيناريوهات الفرعية، لعل أبرزها تلك السيناريوهات التى يقوم بها الإعلام الرسمى وفلول الحزب الوطنى وبعض الشخصيات الرسمية، فهؤلاء وموجهى مراكز إعلام غربية وعربية يقومون ببث الشائعات التى تستهدف النيل من الثورة عن طريق إحداث الانقسام بين صقوقها، فتارة ييم التغزل فى الشباب وأخرى يقولون إن شعاراتهم كانت مطلبية ثم ما لبثت أن تحولت إلى سياسية، والمتابعة الحقيقة لممهدات الثورة تثبت عكس ذلك؛ وثمة تصريحات قال فيها عمر سليمان إن أجندات القوى الوطنية وأحزاب المعارضة ـ كلها ـ أجندات غير وطنية وأنها تتلقى تعليماتها من الخارج.

تتواكب هذه التصريحات والتلويح بالوجود الشيعى فى قلب الثورة من إيران وأفغانستان وباكستان ولبنان، وأخرون يستخدمون بعبع الأخوان ويلحقون بهم ما لايقدرون عليه، فالأخوان كما يقول النظام وثبوا على الثورة وهم الذين باتوا يقودونهم.. وهم.. وهم.. ولا يدرى النظام المتهاوى أنه بهذا يقوى شوكة الأخوان ويعمل على تسليمهم مقادير البلاد بإدراك أو بدون إدراك، لكنه مشغول عن هذا بحاولة تصدير الإسلام فوبيا إلى الغرب الأوربى ليُعِّدل تأييدهم المزعزع له بما يمكنه من سحق الثورة.

يضاف إلى هذا حملة التشويه الساذجة التى يقوم بها التليفزيون الرسمى وتليفزيونات عدد من رجال الأعمال من افتعال اللقطات والمسامع التى تشير إلى وجود مؤامرات من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لإسقاط نظام الحكم، ومنها أبضاً اقتحام مواقع الاتصال ببث معلومات مزيفة أوإتيان أفعال القرصنة على المواقع الإلكترونية وصفحات الفيس بوك وإطلاق الفيروسات على أجهزة كمبيوتر المعارضين ومنها جهازى الشخصى حيث تدم تدمير نظامه وإيقافه عن العمل عن طريق لإطلاق حزمة فيروسات عليه عطلته تماما..

*******

سيناريوهات الحلول:

معروفة للكافة، متعددة ومعلنة.

لعل أهمها من وجهة نظرى، هو الانتقال السلمى للسلطة بإعلان إيقاف العمل بالدستور القائم استناداً إلى شرعية ثورة 25 يناير، وحل مجلسى الشعب والشورى، وتفويض نائب الرئيس بسلطات الرئيس، وأن يشكل النائب مجلس أمناء الدولة والدستور برئاسته، ليعمل فى ظل إعلان دستورى مؤقت لفترة انتقالية محددة، وتشكيل حكومة انتقالية تضم ممثلى كل القوى السياسية؛ وهو السيناريو الذى قال به رجل القانون محمد نور فرحات، ومنطقية هذا السيناريو تتكئ على أنه من غير المقبول أن يقود مبارك مرحلة التحول لإلى الديموقراطية الحقيقية وقد حارب باستماتة ضدها على مدى فترة حكمه التى استمرت ثلاثين عاماً.

وإلى الذين يستخدمون الدين لتفتيت عضد الثورة ويلوون أعناق الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة لتكريس بقاء حسنى مبارك فى السلطة، أذكرهم بما كان من عمر مكرم أحد أول ثورة مصرية حدثت فى عصرها الحديث (1805م.) حينما التقى أثناء احتدام ثورة الشعب على حكم خورشيد باشا بمستشار هذا الخورشيد وكان اسمه عمر بك. حينها قال عمر بك لعمر مكر " كيف تنزلون من ولاه السلطان عليكم؟ وقد قال الله تعالى أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ؟ّ" ـ النساء: 59 ـ فأجابه عمر مكرم" أولوا الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل، وهذا رجل ظالم، حتى السلطان والخليفة إذا سار في الناس بالجور فإنهم يعزلونه و يخلعونه"، فقال عمر ب "وكيف تحصروننا وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلوننا؟.. أنحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك؟"، فكان رد عمر مكرم عليه" قد أفتى العلماء والقاضى بجواز قتالكم ومحاربتكم لأنكم عصاة".

ونحن وجموع الثوار وعقلاء مصر جميعهم لا نريد لهذا البلد الآمن أن يخوض فى حمامات الدم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى