الاثنين ٧ شباط (فبراير) ٢٠١١
بقلم المتوكل طه

مغناة الحاكم بأمره

الوَميضُ الكسولُ بلا عَدَدٍ في الأَسِرَّة،
والذائبُ المُنْتَشي من نبيذٍ وعطرٍ، لكلِّ الليالي،
ليجرَحني النَّايُ أَكثر.
أنا إنْ أَمَرتُ تَكونُ الضَفائرُ في مِخْدَعي،
أو نَهَرْتُ الجُنودَ تَرى الأرضُ
ما لم يَكُنْ مِنْ ملوكٍ وعَسْكَر.
ولو أَرفَعُ الحاجبَ/الإصبعَ/الرّمْشَ،
تَرْتَبكُ الأُمَمُ المُنْتَهي أَمْرُها،
إنْ لَمْ تُطِعْ نَأْمَتي،
أو تَخرّ على قَدَمي،
أو تُقَدِّم ما شِئتُ مِنْ تِبْرِها،
أو مَجَرّاتِها المائِساتِ على حَذَرِ النّارِ،
أو كلِّ ما جَمَعوا من عَتَادٍ وجَوهر.
أنا سَيَّدُ الغَمْرِ والصورة البَدْء،
إِنْ راقَ لي الوَعْلُ أُطلِقُهُ في البَراري،
وإنْ مرَّ بي النَّسرُ قدَّمَ لي ريشَهُ للظَهيرةِ،
أو هَزَّني الأُفعُوانُ أُراقِصُهُ في العَراءِ.
أنا لا أَنامُ علَى مسْنَدٍ من حَريرٍ،
أنامُ على ألفِ مُهْرٍ بِصَدرِ التي وَزَّعَتني
على جَسَدٍ من لهيبٍ وَكَوْثَر.
أنا مَلِكٌ ظَلَّ يعلو على عَرْشِهِ،
فَانْتَشى مِن هُتافِ المَدائِنِ،
حتى سَمِعتُ الحَدائِقَ والرَّملَ والناسَ
تَطلُبُ أنْ أَرْتَقي للسَّماءِ،
فأصبَحتُ آلِهةً لا تُرى،
واتَخذْتُ قِناعاً مِن الذَّهَبِ الخالصِ
الّلامِعِ المُزْدَهي باللآلئ،
كَي لا يُشاهِدُني آدميٌّ،
وأُكمِلَ قُدْسِيَّتي في الخَفاءِ.
أنا ربُّ هذي الجُموعِ التي سَجَدَت
كي أَظَلَّ على شُرْفَتي في البَعيدِ،
وأَظْهَر.
سأَنْثُرُ فَوقَ الملايينِ أَقمارَ كَفِّي،
وأَحْفرُ حَرْفي بأَلْسِنَةِ الخلْقِ.
هذا أنا الواحدُ الذي لَم يَصِلني الرعاعُ
الذين إذا أطبَقوا فَعَلى صورتي،
أو ما رَسمتُ لَهُم مِن ظِلالي.
ضَلالاتُ يَومي صلاةٌ،
وَذَبْحُ الأيائلِ أَيقونةٌ للحياة!
والرِّيحُ إنْ أَوَّبَت فَإِلى مِعْطَفي،
وإذا أَمْطَرَت فَإِلى مَصْرِفي.
وَطأَتي الأَمْرُ كي لا تَكونَ الزلازِل!
والصَوْتُ حَتى أُغَطّي البَراكينَ،
إنْ فَهَقَت لِلبَلابِلْ!
أنا المُبْهِرُ الفَرْدُ،
والكَرْبُ والسَّعْدُ والقَيظُ والرَّعدُ،
أَعفو وأَقْهَر.
ولي كلُّ ما سَوفَ تَحمِلُهُ الأُمَّهاتُ،
وما سوفَ تحكيهِ عاطِفةٌ للنُعاسِ،
والناسُ أَصداءُ صَوتي،
وصورَةُ أَخيلَتي،
فأنا رَبُّ كلِّ الهداهِدِ والجانِ
والحاكِماتِ على السَّدِّ والماءِ،
أو رُبَّما كُنْتُ أَكْبَر.
أنا مِن حجارةِ هذا المكانِ
أو أَيِّ مَملَكةٍ في الزَّمانِ،
وما زِلتُ أُولدُ في كلِّ عَصرٍ،
وما زِلتُ في عَرْشِ جَدّي،
أُعَلِّقُ ما شِئتُ في عُقْدَةِ الشَّكِ،
أو أَفلَقُ الحَبَّ في باطنِ الطينِ،
حتى إذا افتَرَعَ الأرضَ يوماً وأَزْهَر،
قَطَّعتُ قاماتِهِ بالسيوفِ،
وأَلقَيتُهُ في القِلاعِ يَباسَاً وأَخْضَر.
ولكِنَّني قَد مَللتُ البقاءَ وحيداً،
فأَسْرَفتُ في الدَّنِّ والنَّجمِ والنسْوَةِ العارِفاتِ
وما شَعَّ في الظَنِّ،
حتى أَقَمتُ جَنائِنَ آخِرَتي في زَماني،
ثُمَّ أَهْرَقتُها كي أُعاقِرَها من جَديدٍ،
فأَتعَبَني جَسَدي!
لَستُ ما شِئتُ،
والقَلبُ هَشٌّ،
إذا اجتَرَحَ الصَّمتُ مِزمارَهُ في فِراءٍ وعَنْبَر.
مَلَلْتُ، فأَحْضَرتُ سُمَّاً زُعافاً،
وقَلتُ لِنسْوَتيَ الخائِفاتِ: تَجَرَّعْنَهُ!
ثُمَّ أَغْمَدتُ سَيفي بِصَدري،
ورَحتُ إلى يَقْظتي،
غَيرَ أَنّي رأيتُ الجُموعَ تدوسُ فِراشي،
وتَكسرُ ما تلتَقيِهِ مِن الصَّندلِ الصّلبِ
أو أَبَنوسِ المَمَرَّاتِ،
كانت عُيوني ترى غيرَ تلكَ النهاياتِ!
هلْ كُنتُ أحلمُ؟
أمْ أنّني ما انتبهتُ إلى
أنَّ جوعَ النجوعِ هوَ الحقُّ!
والصوتُ إنْ لمْ يصِلْ
فسوفَ يرتدُّ عاصِفةً مِنْ جنونٍ
تُحَرِّقُ ما تلْتَقيها هَشيماً ومَرْمَر.
أنا سيّدُ الأرضِ!
قد أرفعُ النَّهرَ أو أخفضُ الشمسَ،
أو أشنقُ السّرْوَ،
أو أَبْقُرُ البطنَ الذي قد تكوَّرْ.
لكنني عَدَمٌ إنْ تحفّزت الروحُ،
وَهْمٌ إذا جَنَّحَ الطيرُ،
ظِلٌّ إذا ارتفعَ القلبُ فوق أناشيده أو تفجَّرْ.
أنا لستُ شيئاً،
إذا نبض الَّلحمُ وابتدأ الوَحْمُ،
والرَّحْمُ أكبرُ من جيشِ فرعونَ،
من سيفِ هامانَ،
من نارِ نيرونَ،
من بَرِّ كسرى،
وهذي الميادينُ أكبرُ أكبرُ من أيّ عَرْشٍ
وأكبرُ أكبرُ من تاجِ قيصرْ.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى