الاثنين ٣٠ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم عائشة المؤدب

خلل مناخي...

حدّثني المطر أنّه كان يطرّز فستان عروس منشور على جسدها بصوت بكاء المكان،
حدّثني المطر أنّه كان يبلّل عطش اللاّهثين وراء هتافهم، أنّه كان يهدهد صراخ فراشة غيّبها الصمت فراحت توزّع اللافتات والأعلام على الطيور والأشجار والأحلام والصباحات المغبّشة ومصابيح الطريق وإشارات المرور وأعمدة الإشهار ...

حدّثني أنّه كان كلّ صباح يشطف الإسفلت المكهرب بدماء الشهداء وعلب الغاز الفاسدة، يعدّ الرصيف لمقامرين جدد، لحالمين جدد، لشمس جديدة تغسل البلاد المصابة بروماتيزم الفساد المزمن.

أخبرني أنّه عرف للتوّ صوت الرعد يفتكّ دمدمته المغتصبة ويتطهّر من لامبالاته بنار تُأجّج مزاج الطقس الكسول.

عدّل المطر مزاجه على خلل مناخيّ طارئ ومكث غير بعيد عن القلب ثمّ حدثني أنه ترك الشتاء يرحل وحيدا ورابط أمام شرفة تعاني خللا منظوريا، حدّثني عن اعتصام طيور الدوريّ على جدران "القصبة" تريد سماء بحجم السماء، تريد حياة بحجم الحياة، تريد قوس قزح. حدثني كثيرا عن لياليها المخلّة بالوقت، عن خيمة تكدّست حولها الحكايات، عن الهتافات تغادر الحناجر ليلا لتحرس وجع البقاء وتقبلُ قبل الفجر على الحزن تلمّه وتمسح أثر اليأس من اليوم الجديد المكرّر، أخبرني أنّه كلّ ليلة يتسلّل إلى الحشايا يبلّلها بالأحلام، يغرقها في بركان حبر، كان يعلم أنّ الشمس المولودة من حناجر الجدران المطلية بالصمود قد أودعته اللهب وأكملت طريقها.

كان يلهث وهو يقف عند الباب، وكدت أصدّق أنّ صوته يئزّ بريح غريبة، لولا أنّي كنت أرى وجهي على شفتيه.
دعوته ليدخل، ليرتاح من الماء الثقيل فبلّل العشب المجفّف في الكتب، بلّل عيون دمية أهملتها منذ ضفائري بلّل أفكاري المقلّمة فأورقت .
حين خفّف من وحل الطريق وأبطأت أنفاسه على زجاج النافذة تنهّد وقام ليرحل.

استبقنا السماء غير أنّه تعثّر بصراخ الدماء في صوتي التفت حين قبضت على غيمته أقدّها من دبر. قلت خذني: أبلّل وجهي المجفّف بريح الشهيد، خذني: أعلّق صوتي على صدره المطرّز بالغدر، خذني: أهدّئ نوح الملائكة على قارعة الرصاص، أوزّع الماء على اللاهثين خلف الهتاف وأمطر ثوب العروس بدمعها، أهدهد صرخة طفل تعلّم اليوم أنّ السماء سماء، أن الحياة قوس قزح.

غير أنّي حين انتبهت إلى يديّ تحملان رائحة التراب رأيت عيون البنادق تقلّب ثوبي المبلّل بعرق السماء وتسرع نحوي حناجر الرصاص لأركض إلى صوتي قبل هطول المطر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى