الأربعاء ١٣ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم فلاح جاسم

حمارٌ بـِكُلّ فـَخر

على ما يبدو أن الحمير-أجلكم الله- كانت تحظى باهتمام كبير من قبل الإنسان في سالف الأزمان، وتجدد هذا الاهتمام في عصرنا الحالي، حيث أكد باحثون إيطاليون إن حليب الحمير يساعد في الحفاظ على الرشاقة وصحة القلب. وهذا الخبر تناقلته معظم وسائل الإعلام.. ومفاد الخبر، يا سادة يا كرام: توصلت مجموعة من العلماء إلى أن حليب الحمير ذو تأثير إيجابي مميز، كونه يساعد المرء على التمتع بالرشاقة التي يطمح إليها، ويهب له القوام الممشوق الذي يحلم.

وأضاف الباحثون أن حليب الحمير غني بزيوت الأوميغا 3، ؛ إذ تلعب الأحماض الدهنية الأوميجا-3 دورا هاما في تحسين صحة الإنسان، وأهم فوائدها أنها تحمي من الإصابة بتصلب الشرايين، وجلطات الدم، وارتفاع ضغط الدم، وتخفض مستوى الكوليسترول الضار والجلسريدات الثلاثية في الدم ، ومفيدة أيضا في علاج الأمراض الالتهابية، والتهاب المفاصل، والروماتويد، وتحسن من نمو المخ والأعصاب، وترفع مستوى الذكاء لدى الأطفال ، وتنشط الجهاز المناعي، ومفيدة جدا خلال فترات الحمل والرضاعة. وتبين أن معدلات الدهون في الدم التي يمكن أن تلحق ضررا بالشرايين، والقلب كانت أقل عند ممن شربوا حليب الحمير، والذي ساهم أيضا في عمل خلايا الطاقة بسرعة أكبر بحيث تحول الغذاء إلى طاقة.
لاحظ معي أيها القارئ المبجل أنه حان الوقت لتغيير نظرتك إلى الحمير، ونعتها بالغباء، إذ أن الأوميجا-3 ترفع نسبة الذكاء لدى الأطفال، ليس كما يتصور البعض أن من شرب لبن الحمير أصبح غبيا، وليس كل من ذاق الهوى عرف الهوى، ولا كل من شرب المدام نديم. وربما عمد بعضهم إلى إرضاع الأبناء لبن الحمير، كي يتمتعوا بذكاء خارق، كي يتفوقوا على أقرانهم، ويسودوهم، ويحكموهم، بسبب اكتسابهم لصفتي العناد والذكاء من الحمار.

اهتمام الإنسان بهذه الفئة من الحيوانات قديم جدا، وموضة شرب حليبها ليست حديثة العهد؛ إذ أن شرب حليب الحمير كان رائجا في العصر الفيكتوري، حتى أن أبو الطب أبوقراط (وهو الطبيب اليوناني الشهير، والذي يقسم قسمه معظم خريجي كليات الطب في العالم) أوصى به لعلاج الكثير من الأمراض بدءا من لدغات الأفاعي ووصولا إلى نزف الأنف.

أملا أن يحظى الحمار ببعض احترامنا بعد الكلام آنف الذكر، نود أن نورد شيئا عنه، مبتدئين بنسبه أولاً؛ قال الدميري في كتابه "حياة الحيوان الكبرى" عن الحمار:

"الحمار جمعه حمير وأحمرة وربما قالوا: للأتان حمارة، وتصغيره حُمَيّر ومنه توبة بن الحمير وكنية الحمار أبو صابر وأبو زياد".

وفي "لسان العرب" يقول ابن منظور" الحِمَار، العِير، حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ شَدِيد الصَّبْر عَلَى الكَدِّ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي البَلادَة وَيَكُون وَحْشِيًّا ويُقَال لَهُ حِمَار وَحْش وحِمَار الوَحْش والحِمَار الوَحْشِيّ ج أَحْمِرَة وحُمُر وحَمِير وحُمُور وحُمُرَات ومَحْمُورَاءُ". ومن الأسماء الغريبة والجميلة، والتي ربما تخفى على الكثيرين؛"الأتان"، وهي أنثى الحمار، ومنذ القديم عرف العربُ أن حليبها هو الأقرب إلى حليب الأم البشرية، و لو أننا نقبنا في كتب التراث العربي لوجدنا هذا الأمر قد تطرق له العديد من المؤلفين، قال ابن الأَثير: "وقد جاء في بعض الحديث، اسْتـَأْتـَنَ الرجلُ اشْتَرى أَتاناً واتـّخَذَها لنفسه؛ اسْتَأْتَنَ الحمارُ: صارَ أَتاناً.. وقولهم: كان حماراً فاسْتَأْتَنَ أَي صارَ أَتاناً؛ يضرب للرجل يَهُون بعد العِزّ" وقياساً عليه؛ هل يمكن القول: "استحْمَرتِ المرأة، إذا تسنـّمتْ مَنصِباً رَفيعَاً جداً، وأصبح لها عِزّ وَجَاه؟". وولدُ الحمار هو "الحجش"، ويمكن أن نقول: هذا الجحش من ذاك الحمار؛ أي من شابه أباه..

الحمارُ صديقٌ وفيٌّ للإنسانِ منذُ أمدٍ بعيد، حَمَلهُ هو وأثقاله بـِجَلدٍ وطولِ صبر، دون تذمر، أو كلل، ولم تكن نظرة الإنسان منصفة له، كما هو الحال مع الكلب -أجلكم الله- الذي دائما يُستحضر ذكره للدلالة على الوفاء، وبيت علي ابن الجهم، الذي مدح فيه الخليفة على سجية بدوي، وفطرة قروي، ذاع صيته وردده كثيرون، لكن الحمار في معظم شؤونه كان مادة تندر وسخرية، ومن الطرائف أنه مات لبشار بن برد حمارٌ، فقال : كان حِمَارِي أعقل من ....، ليس له هفوة ولا زلة، فاعتل على حين غفلة، فمات، فرأيته في النوم، فقلت له: أَلمْ أُنقِّ لك الشعيرَ، و أُبرّد لك الماءَ ؟ فما سبب موتك؟ . فقال: أتذكر إذ وقفتَ بي على الصيدلاني - يعني العطار-؟. قلت: نعم. قال: مَرَّتْ إذْ ذاك أَتَانٌ، فافتتنتُ بها، ومتُّ مِنْ عِشْقِهَا . قال بشّار : فقلتُ : هل قلتَ في ذلك شيئا؟ قال: نعم. وأنشد:

هَامَ قَلْبِي بِأَتَانِ
عِنْدَ بَابِ الصَّيْدَلاَنِي
تَيَّمتْنِي يَوْمَ رحْنَا
بِثَنايَاهَا الْحِسَان
ذَاتُ غُنْجٍ ودَلاَلٍ
سلَّ جِسْمِي وبَرَانِي
ولَهَا خَدٌٌّ أَسِيلٌ
مِثْلُ خَدَّ الشَّيْفَرَانِ
فِيهِا متُّ ولَوْ عِشْـ
ـتُ إذَا طَالَ هَوَانِي

فقيل لبشار: ما الشيفران؟ . قال: هذا من غريب لغة الحمير، فإذا لقيتم حماراً فاسألوه.
آمل أن نغير نظرتنا، وقناعاتنا حول الحمير، لما تتحلى به من صفات كالصبر، والقوة، والتحمل، والذكاء أحياناً، كيف لا وقد شربتْ لبن أمهاتها، وهو يساعد على تنمية القدرات العقلية والذكاء. ومن غريب ما سمعتُ من الأخبار: إن عريساً طلق عروسه وهو يرقص معها في صالة الأفراح، بعد أن تناول مكبر الصوت من المطرب الذي حضر للغناء؛ لأن العروس طلبت من المغني أغنية "بحبك ياحمار"، وعندما صدح المطرب بتلك الأغنية شرعت بالرقص مع عريسها بدعابة، وجرته ضاحكة من ربطة عنقه، ومشت أمامه تتمثل كلمات الأغنية فطلقها في الحال. فلو أن هذا لزوج قرأ قصائد الشاعر الكبير أحمد مطر عن الحمير ربما تريث في قراره قليلا.

سنتناول سيرة الحُمْر في الأدب العربي في مقال آخر.


مشاركة منتدى

  • الرجاء اصلاح اسم ان و البدل في (....حتى أن أبو الطب أبوقراط.....) :( ابا )وليس ابو / ثم : ابا قراط وليس ابو قراط = ابا بدل من (ابا الطب)

    والمقال جيد وفيه عبرة لمن يعتبر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى