الأحد ٢٤ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم حسن عامر

الطبَقْ

لم يكن يعلم أنه على موعد مع عشاء فاخر في إحدى دور الضيافة، حين طلب منه المكلف بالعلاقات الخارجية مرافقة الضيوف من الفندق إلى «الدارْ الكبيره».
«وأنّا لي أن أعرف الطريق إلى هذه الدارْ؟» تساءل في صمت قبل أن يجهر بسؤاله.

«هههه، ألآ تعرف الدارْ الكبيره؟» أجابه بسخرية ودون أن ينتظر رده، ناوله خارطةً للموقع.

«ولمَ يسخر مني؟ أيضن أنني أتردد على هذه الأمكنة؟ ألآ يعلم أن أجرتي لا تسمح لي بتسديد فواتيرها الباهضة؟ وكيف له أن ينعم بخدماتها إن لم يكن يحصل على تكملة للأجر ونحن غافلون؟»

أدار السائق محرك السيارة ثم انطلق داخل أسوار المدينة العتيقة، وبعد فترة قصيرة ركنها في حارة واسعة وأكملوا الطريق مشيا على الأقدام عبر زقاق ضيق إلى أن وصلوا إلى مدخل واسع يتوسطه باب خشبي مزين بفوانيس معلقة على اليمين والشمال. هناك وقف بعض الفتية لاستقبال الوفد بما يليق من حسن الضيافة؛ يقرعون الطبول وينقرون بأصابعهم صفائحَ من حديد ويقفزون في الهواء بشكل مائل وأعينهم تنظر للسماء.

"الدارْ الكبيره" تحفة قادمة من عمق التاريخ، اجتمعت فيها دقة الصانع ولمسات الفنان، بزرابيها المبثوثة وبأفرشتها الموضوعة وبلوحاتها الفنية التي تزين الجدران وأوانيها الفاخرة الأصيلة التي تتكلم جهرا عن المكان والزمان.

فوق الموائد تكدست أنواع مختلفة من المُقَبّلات والمأكولات وكل ما يلذ ويطيب للشاربين. أكل بشراهة وهو يتحسر على ما تبقى من أكل، متحرّقا لو كان في إمكانه ادخاره ليوم آخر.

بعد إزالة ما تبقى من فتات الطبق الأخير وتقديم بعض الحلوى وكؤوس الشاي، أطل رئيس الخدم على مجلس الضيوف ويده اليسرى وراء ظهره، ثم انحنى في تحية للجميع وانزوى جانبا كي يفسح الطريق لفريق يحمل سلة من قصب. سَوّى الخدم السلة فوق الأرض بحذر ثم تراجعوا بخطوات خفيفة إلى الوراء. بالقرب منها جلس أحدهم على قدميه وأزال غطاءها بحركة مترددة وسريعة ثم بدأ ينفخ في مزماره.

"إلاهي ستلتهمني هذه الأفعى" قال أحد الحضور عندما لوت بشعرها وهو يفرك يديه ويطيل رأسه إلى الأمام كي تكتمل له الرؤية.

كانت الراقصة ترتعش وتتلوى نحو الأعلى ومعها تعلو أنفاس المشاهدين إلى أن بدت مكشوفة السوءة، مجردة من كل ثياب، لا تكسو قدها الممشوق غير بعض القطع من القماش نحو الصدر والخصر وقليل من الحبيبات البراقة المرشوشة على النحر وجوار المقلتين.

"الدارْ الكبيره" توحي بكرم لا حدود له، "خِيمه كبيره" تتسع للجميع ولا تضيق بأحد، ومن كرم الضيافة أن يتم ختم العشاء بجسد مفاض لراقصة محلية تهز جدعها على أنغام رشفات الشاي في حركات تثير شهوة الحضور، فشراهة الزوار لا تنتهي بإشباع شهوة البطن، فلا يملأها إلا التراب.

استمر فريق العزف في تهييج الراقصة، وبنباهة محترفٍ دنا منها صاحب الطبلة وسوّى كرسيا ليسند عليه رجله وطبلته دون أن يتوقف عن النقر، ثم استمر في مداعبة أفعاهْ. فجأة انخفض صوت الآلات الموسيقية المرافقة وعلا فوقها صوت الطبلة، فارتفعت إيقاعات الرقص وارتفعت معها حرارة الضيوف. وكما تخبو ارتجاجات الماء في بحيرتها خبتِ اهتزازاتُ الراقصة في مكانها، وبحركةٍ حادة أخذت تدكُُّ بخصرها الفراغ نحو اليمين والشمال ثم الخلف والأمام وتلوي جسدها وهي واقفة على أصابع قدميها.

مع اقتراب آخر فقرة من برنامج الليل الساخن، بدأت الراقصة في مراقصة الضيوف، تمد يدها لهذا ثم لذاك. ولما أحست بارتفاع حرارتهم، سوّتْ نفسها فوق المائدة وبدأت في "الهزّ" وقد برزت مفاتنها جليا فتركزت عليها عيون الحضور، ثم ختمت عرضها بانحناءة عميقة جعلت شعرها يتدلى نحو الأسفل ويكشف عن ظهرها العريض.

همََّ الجميع بالخروج، وعند الباب أثارت انتباهه فتاة رشيقة. أهِيَ هي؟؟؟ تساءل ثم ابتسم لها وسألها: ″أَحرّةٌ أنتِ هذه الليلة؟″

أجابت: ″عذرا سيدي، لي موعدُ عمل بعد حين″. فأدرك حينها أن طبقا في الجوار في طريقه إلى بعض الضيوف.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى