السبت ٣٠ تموز (يوليو) ٢٠١١
من أدب السجون
بقلم مسلم البديري

فحولة عنّين

إلى جيل _ إن لم يكن موجودا- فكلي أمنيات أن يُولد قريبا

في الليل لما خلى إلا من الشاكي

في الليل لما خلى إلا مني ومن مجموعة العيون المترقبة،التي لا ترى إلا في الظلام
ولم يكن أيّ منا هو الشاكي.. لان صاحب المشكلة الحقيقي لم يشك وليلنا خلا منه
كم وددت لو كنت كافورا حتى القرارة لأمنع عنه فحولة الليل المتأخرة.

كان كل شيء ليل بلا انتهاء.. حياتنا ممتدة ليوم واحد هو الذي نحياه فقط ..كانت عيوننا تبدو كمصابيح وسط عتمة السجن الموجعة -المترقبة- هي من تترقب للجديد أما نحن فقد فقدنا هذه النعمة كل منا مشغول بشيء ..احدنا مشغول بفراغه إلى درجة الانعزال ..آخر مشغول بمداعبة أرنبة أنفه أما ذلك الجالس في عليائه فمشغول بنسج خيوط الليل ليصوغها حلة لنهاراتنا..كل شيء كان يمر حزينا بلون الظلام..حتى ذكرياتنا الفرحة وصورنا الماضية تلك التي تخرج الابتسامة عن إطارها كانت تمر حزينة وبعد بحث طويل عن اللاشيء وجدت أن الضحك هو أكثر تعابير الحزن شيوعا..لا جديد في حياتنا... كنت اشعر في بادئ الأمر أن الحبس هو مصادرة لحرية الإنسان فقط لكنني اكتشف أن الأمر ليس كذلك فكل شيء في الحبس يصادر حتى الأمل.و.و. الأيام الأولى تمر و أنت مرتقب مرهف السمع لوقع القدم كل قدم تخطو تظن أنها حاملة نبأ الإفراج..كل شمس تظنها ستغيب وأنت خارج هذا السجن كل جمعة تأتي وأنت تقول إذا كنت وكان السبت فانا خارج هذه الأسوار ..أسوار تحتضن الظلام سرقت منا كل شيء حتى الأمل وشيء فشيء بدا الأمر عاديا جدا لا انتظار لا ترقب لا جديد فبعد أن كنت أظن أن أي صوت من الزنزانة المجاورة- بالتأكيد- هو شيء مما فعله نبأ الإفراج عني ..أصبحت أرى الجديد هو أن آكل الماء مع الرز وليس الرز مع الماء..

تذوقته فكان طعم الشاي غريبا أول لقائي به في السجن فبعدها حين تسربت فحولتي وتسربت أنباء ممن تسربت فحولتهم قبلي بان الكافور كان يخلط مع الشاي

في سجن لا ترى فيه أي تاء مربوطة ولا وجود لأنثى إلا واحدة كانت لعوبً جدا وتفنينا ومابرحت كعاب تلك هي مدة ألحبس، ولكن الخشية كل الخشية على الفحولة من الفحولة !!

تك، تك- يفتح الباب-
نظراته كانت جديدة جدا
بدفعه قوية من حارس الباب كان مرميا وسط السجن
فتى يلوي نصف جسده وهو مسجى
اتكأ على ساعديه
نظراته كانت جديدة جدا
أرسلها فاحصة لا تستقر على شيء
استقرت أخيرا نظراتي في بحر مبهم تكمن خلفه مسلة من الأسرار
نظراته كانت جديدة جدا
وكأنه جمع كل ما يحدث في الخارج وصوبه نحونا
تك، تك- يُفتح الباب-
القصاع تُرمى وبسرعة البرق تُؤكل...
نظرتُ إلى حبة الأرز الواقعة في الأرض
أأكلها؟
وصوت بداخلي يقول إن أكلتها فلن تخرج من السجن
صوت آخر يقول وما علاقة الحبة بالخروج
صراع نفسي شغلني بعض الوقت
شغلني فكدت أنسى ما هو أهم....
مازال ساهم لا يحدث أحد ينظر إلى السماء تارة وتارة يداعب شعره بصمت
انتابنا نحن صمت
صمت فضول
ثم ترقب
ثم استسلام
وصوت برقةِ الانهمارِ (( يأكلها من هو أحق بها))
وجدار السجن يصمت بخطوط صاخبة يكتبها المسجونون كلٌ يبوح ....
ونهض الفتى الجديد
وجدار السجن ينطق بعبارةٍ صامتةٍ كتبها ذلك الفتى ....
إذا تبسمَ الليث فسأقلع أسنانه
صحيح انه كالعصافير ولكن له شموخ النسر

الجالس في عليائه أكمل ليل جديد واخذ ينظر في الوجوه والأجساد ..
ترى أي جسد يناسب هذا الليل ؟ سمعتها منه دون أن ينبس ببنت شفةٍ
تفحصنا .. كل منا يرتدي ليل جديد وكل منا لم يعد له ذلك الجسد الذي يناسب ليل الجالس في عليائه....
نهض فنهضنا والويل لمن لم ينهض لأمير السجن حقيقة لا اعرف أذا كان على ذلك القدر من البأس....؟ كل ما اعرفه أني حين دخلت السجن وجدته جالسا في عليائه فلم تسول لي نفسي أن أقاطع لحظة ربوبيته بثورة فحولة بائدة ، آه كم كنت على ابعد ما يكون من الصواب حين خلا الليل من الشاكي..!

نهضنا ولم ينهض وكم كانت نظراته جديدة ..تأكدت حينها أن للعصافير شموخ وهي نائمة....
النسر واقف يزمجر يبعث غضبا يقبض كفا ..يطير ..ولكن يبدو نحن- فقط - من يراه نسرا
لأنه لم يره نسرا ولو رآه بشموخ النسور لانتفض واقفا
كل ما فعله رفع رأسه وأشاح بوجهه
صوت من بيننا خائف
آخر متوسل .. وآخر مبتهل وآخر يعلن بملء خشونته التي بحجم العبودية بحجم الرجولة المنتزعة
ماذا تريد منه ؟
لم يجب الواقف فوق كبريائنا.. بل اكتفى بإشارة ذات مغزى ذكرنا بفحولتنا التي سرقها الكافور قبل أن يسرقها الجالس في عليائه الواقف الآن فوق كبريائنا ويريد العبور على كبرياء العصافير....

كان الوحيد الذي لم يجرؤ الكافور أن يسلب منه شيء ولهذا كنت اعتقد انه يستحق لقب أمير السجن..وكل سجين لابد أن يلبس ليلا من نسج الجالس في عليائه

آه كم كانت نظراته جديدة وثائرة.. صحيح انه كان صغيرا ولكنه بكبر ال -لا- صحيح انه كان جميلا ولكن بجمال السيوف صحيح انه كان مهذبا ولكن تهذيب الفرسان صحيح انه بريء ولكنه لا يُهضم
الواقف فوق كبريائنا ينتفض لرجولته التي تُسلب بكلمة- لا- يركل الفتى فينتفض الفتى ويصبح بخفة الأفراح والواقف فوق كبريائنا يريد أن يطيح به يحاصره في ركن بين جدارين يريد أن يضربه

أيدينا عرفت معنى الكبرياء ولو متأخرا ولو كان من الكبرياء قليله المهم أنها عرفت والاهم أنها منعت أن يُضرب الفتى غدرا
ولكن الفتى صدح بأعلى صوته وبصوت برقةِ الانهمارِ (( يأكلها من هو أحق بها))
وطلب أن ينازل أمير السجن فان غلبه الأمير كان له ما يشاء....ولكن شرط أن لا يتدخل احد مهما طال النزال
وبشيء من النقد تجلب المشارط من الشرطي الواقف لحراسة باب السجن وبالمشارط يبدأ النزال عدم التكافؤ الجسماني كان حاضرا والروحي أيضا..
لكمات ضربات مشارط ضربات، لكمات، اشتد الصراع ونحن نتفرج بصمت وعجب فقد تفوق العصفور الصغير وشدد من ضربه للنسر
لأول مرة نرى دماءه تسيل ذلك الذي لا يشرب إلا من عصارة دماء الرجولة
ولا أول مرة نراه يسقط ولكن أي سقوط فقد وقع في حفرة كانت مخصصة للبول وللتغوّط ولم يتركه الفتى حين سقط ولم نتدخل بناءا على إلحاحهما سقط الأمير ولكن ثورة الفتى لم تهدا فاخذ يضربه بالمشرط على كل ما ظهر من وجهه وجسده ولم يتركه إلا حين قرر الشرطي أن يتدخل بعد أن رأى الدماء تفيض كنهر آسن تدخل بعد أن ادر كان الموت سيحل وانه سينال شيء من العقاب دخل الحرس واخذوا أمير السجن إلى حيث يعالج

أيدي مذهولة.. خائفة .. مكبرة.. تريد أن تصفق ولكنها لا تقدر
وبإشارة منه أراحها من محاولة التصفيق وبإشارة يديه الصغيرتين عرفنا انه ليس من ذلك النوع وكم ذهلت حين رايته فعل ما فعل صحيح انه صغير ولكنه كان بحجم ثورة رجولته المبكرة وبعدها كان الويل لمن يثور لفحولته فقد جاء النبأ بان أمير السجن قد مات و أصبح عقاب الفتى مشدد إن لم نقل مميت فهو في نظر القانون قاتل وكفى ولكن لماذا قتل ؟ ليس مهم....
ومضت الأيام وصديقي كنسر تسرق الدنيا من عينه كشمعة تذوي ....

صحيح أن أمير السجن مات ولكن له أخ في نفس السجن لم نجتمع به فيما مضى إلا حين نخرج ساعة التشميس وكل ما نظرت إلا الفتى الثائر انتابني حزن شديد .. كيف سيخرج معنا ؟ وماذا لو رآه اخو الأمير الميت ولم تكن إدارة السجن مدركة لما أحسه أنا فأنا أحس ما أحس لأنني أراه خليقا بالعيش ولكنهم يروه إنسانا لذلك لم يدركوا....

وبالفعل حدث ما كنت أخشاه وكانت ساعة التشميس ظلاما دامسا وبسرعة البرق جاء اخو القتيل نحو الفتى الجالس بهدوء كأنه ينتظر مناجاة سماوية وبالسرعة الأكبر اخرج سكينا وبسرعة الموت غرسها في عنق الفتى الجميل وبسرعة الفراق تخرج منه الروح بلون الأرجوان
وككل ليل جلسنا نقلب الليل ولكن هذه المرة بلا أمير وفي الليل لما خلى إلا مني ومن مجموعة العيون المترقبة،التي لا ترى في الظلام
ولم يكن أيّ منا هو الشاكي.. لان صاحب المشكلة الحقيقي لم يشك وليلنا خلا منه
كم وددت لو كنت كافورا حتى القرارة لأمنع عنه فحولة الليل المتأخرة


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

طبيب وقاص عراقي

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى