الأربعاء ٢٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠١١
بقلم أحمد زياد محبك

العشاء مع الزوجة... والأولاد

عجلة القيادة أمامي، "عليك أن تتولى أنت قيادة القطار، أنا ذاهب لأنام"، ولكن كيف سأتولى قيادته، والمقعد الذي أنا فيه هو في الاتجاه المعاكس، ولا شيء أمامي سوى عجلة القيادة، وهي معلقة في مسند الكرسي الذي هو أمامي، أين أذرع التحكم؟، يا إلهي، مئات المسننات وقطع الغيار تتراكم أكواماً أكواماً فوق السكة في مواجهة القطار، "أنت صنعتها بنفسك، وأنت المسؤول عنها، هيا تدبر الأمر، وإلا اصطدم القطار بها"، أين ذراع المكابح، التيار الكهربائي انقطع، لا يمكن للمكابح أن تعمل، يارب، العجلات تسحج، القطار يتوقف.
أفتح عيني.

الحمد لله، هو مجرد حلم، أنهض، أنزل مع الركاب.


لن أتناول العشاء في البيت، سأدعو زوجتي والأولاد إلى المطعم، من حق الأولاد أن يستمتعوا بصحبة أبيهم، ومن حق الزوجة أن ترتاح ولو لساعات قليلة من عناء البيت والتزاماته، ومن حقي أيضاً أن أعيش متعة اصطحاب الزوجة والأولاد خارج البيت، كم أشعر بالسعادة حين نجتمع معاً على المائدة، ولا أريد لأمهم أن تنهض عن المائدة لإحضار أي صحن أو كأس ماء.

أنا في الحقيقة متعب وجائع، ولكن ساعة معهم في المطعم تنسيني التعب كله، هأنذا أعود إلى البيت عند العاشرة والنصف، وقد خرجت منه في التاسعة والنصف صباحاً، ساعتان ونصف في الذهاب في الحافلة، وساعتان في العودة بالقطار.
كل ما أرجوه ألا يكون أحد الأولاد قد أخذ السيارة ومضى بها مع أصحابه.

يمكن أن نأخذ سيارة أجرة، ولكن لا تحلو السهرة في غياب أحدهم، لا بد أن نكون جميعنا معاً.


أضع المفتاح في الباب، أسمع جلبة في المطبخ، قعقعة صحون ووسوسة ملاعق، وضحكات، وأحاديث، وأصداء صراخ في التلفزيون.
أمضي في الممر الضيق الخافت الإضاءة نحو المطبخ، زوجتي والأولاد حول المائدة وقد فرغوا للتو من العشاء، وهم يجمعون الصحون والملاعق، ويلمّون كسر الخبز وبقاياه، صخبهم يعلو، والتلفزيون يبث مباراة رياضية، عيونهم معلقة بها، وهم يلغطون ويضجون.
كسر خبز كثيرة، وبقايا متناثرة، تجمعها زوجتي، تكوّمها في جانب من المائدة، تحملها، تمضي بها إلى سلة القمامة.


جدتي تقول لي:
ـ الخبز نعمة، لا يجوز أن نرمي منه أي لقمة، أبوك يتعب في خبزه، لا يجوز أن نرمي منه أي شيء.
أسمع وسوسة المفتاح في الباب، أسرع، أخرج إلى فناء الدار، القمر ينير الفناء، متغلغلاً عبر أغصان شجرة التوت الكبيرة، ومن خلال أوراقها، ليرسم على أرض الفناء نقوشاً من ظل وضوء فضي، أسمع خفق جناحي يمامة، أفزعها صفق الباب، وهو يغلق ورائي، أجد أبي يسد بقامته الباسقة الباب، وهو يحمل كيساً ورقياً، يميل نحوي، يقبّلني، آخذ يده بين يدي الاثنتين، أقبّلها، أشم عطر الورد الذي لا يغادرها، أمي ورائي تهتف بأبي:
ـ أهلاً، الحمد على سلامتك، هات عنك.

تتناول منه الكيس الورقي الكبير، وهو يقول لها:
ـ هذا الخيار لنا وللجيران، نقي الخيارات الصغيرة، أهدي الجيران منها، والباقي قطّعيه واصنعي منه المخلّل.
تخرج جدتي إلى فناء الدار، يسرع أبي إليها، يميل على يدها، يقبل يدها ورأسها، تسأله:
ـ ربطت العربية بالجنزير؟.
أبي يرد:
ـ راحت العربية والميزان، وما سلم غير كيس الخيار هذا.
ـ سلامتك أنت يابني، الله يعوضك إن شاء الله.
أمي تعلّق مستاءة:
ـ في أول يوم تأخذ الشرطة العربية والميزان، ما شافوا غير عربيتك؟!.
ـ كل العربيات معروفة عندهم، يدفع أصحابها لهم الرشاوى، أنا عربيتي جديدة، وأنا لا أعرف أي واحد من الشرطة.
وتقول أمي:
ـ ادفع لهم.
وتعلّق جدتي:
ـ الله يخزيهم، لا تدفع لهم ولا ليرة، أنا بكرة أنزل إلى السوق، أبيع الحلق في أذني، لتشتري عربية جديدة غيرها.
يعلّق أبي:
ـ إلى بكرة، يفرجها الله.


ليس هو اليوم الأول لعمل أبي على العربية، هكذا أمي دائماً تتكلم، وكذلك جدتي، كل منهما تكبر الأمور، أو تصغرها، هو اليوم الرابع، أو الخامس، قبل ثلاثة أيام أو أربعة اشترى أبي عربية، وبدأ يبيع عليها الخضار والفواكه، في اليوم الأول والثاني باع بندورة، ثم باع كوسا وباذنجان، واليوم كان يبيع الخيار، قلت له: "أريد الذهاب معك"، قال:"لا يا ولدي، الزم مدرستك ودروسك، لا أريد لك هذا الشقاء، أريد نجاحك في الدراسة، حتى تصبح معلِّم مدرسة"، لو كنت معه لكنت دفعت العربية بسرعة، وركضت بها، وما سمحت للشرطة بأخذها، المدرسة مسلية، ولكن متى سأصبح بطول أبي، أو طول معلِّم الرياضة، وأنا أقصر طالب في الصف الأول، المعلمة نادتني، وكنت في المقعد الأخير، قالت لي:"أنت اقعد هنا دائماً، لا تغير موضعك"، وضعتني في المقعد الأول مقابل اللوح، وأنا لا أحب الصف الأول، المعلمة دائماً تسأل الطلاب الجالسين في مقاعد الصف الأول.

عمل أبي بالبيع على العربية في الصيف أجمل، أنا فرحت لما قال أبي لجدتي:"الحاج صالح صرفني من الفرن، صرف ثلاثة صنّاع، قال: فرنه لا يحتاج لستة صنّاع، يكفيه ثلاثة"، جدتي قالت له:" لا تحزن، الرزق على الله"، ولكن ليست هذه هي الحقيقة، أبي عانده في الرأي، فصرفه، أنا أعرف الحقيقة، هو حكى لأمي، وأمي حكت لي، قالت لي: "أبوك عنيد"، بقي أبي يومين وهو في البيت، بعدها بدأ العمل بالبيع على العربية، لم يكن مع أبي غير قليل من ثمن العربية، أمي استدانت له باقي الثمن من والدها، أبي وفَّى المبلغ بعد ثلاثة أيام، كل يوم كان يرجع، يقعد على الأرض، ويبسط ملاءة، ويفرش عليها النقود، يعدّها، بعد ثلاثة أيام قال لأمي:"خذي هذا المبلغ، رجِّعيه مع الشكر لوالدك"، العمل في البيع على العربية أفضل من العمل في الفرن، أبي ما رجع مرة من الفرن إلى البيت ومعه مثل هذه النقود الكثيرة، ولكن العمل في الفرن في الشتاء أفضل، والعمل في البيع على العربية في الصيف أجمل.

أنا كل يوم أزور أبي في الفرن، أنصرف من المدرسة، أمر به، أراه في حفرة واطئة في الأرض، وهو يقف أمام التنور، أو بيت النار، أمامه طاقة تنفتح على سطح حجري لاهب، كأنه جهنم، النار تتقد في الداخل، وهو يدفع بالأرغفة إلى بيت النار، يحملها على قطعة خشبية منبسطة، لها ذراع طويلة، يصفّ الأرغفة في رتل، رغيفاً وراء رغيف، ثم يدفع بها إلى بيت النار، هناك تصطف على السطح الحجري المتقد داخل بيت النار، وسرعان ما تنتفخ الأرغفة، تعلو، كالقباب، يتوهج لونها الذهبي، ثم يسحبها بقطعة خشبية أخرى، مسطحة أيضاً، مثل راحة الكف، لها ذراع خشبية طويلة، سمعته يقول لصانع آخر يساعده: "ناولني السيخ"، وهو يعني بالسيخ تلك القطعة الخشبية التي رأيت في الصور مثلها على جانبي الزورق، سألت المعلمة عن اسمها فقالت: "مجذاف"، هي في الماء إلى جوار الزورق مجذاف، وهي في بيت النار تحمل رقائق الأرغفة هنا السيخ.

كل مرة أرجع من المدرسة، أمر بالفرن، يعطيني أرغفة ساخنة، أحملها إلى البيت، لتناول الغداء مع أمي وجدتي. مرة رجعت من المدرسة، فرأيته يدفع إلى بيت النار برقائق من العجين، وقد بسط فوقها اللحم الناعم المفروم، وبعد قليل أخرجها من بيت النار، وضعها على طبق من قش، ودفع بها نحوي، وقال:"انتظر قليلاً حتى تبرد، ثم احملها إلى البيت، كلها أنت وأمك وجدتك"، كانت شهية جداً.
دائماً أرى العرق يتصبب من جبين أبي وهو أمام بيت النار، وإلى جواره إبريق ماء، يشرب منه بين حين وآخر. مرة دخلت إلى الفرن، لم أجد أبي أمام بيت النار، سألت عنه، قيل لي هو في الداخل، مضيت إلى الداخل، وجدت أبي يعرك العجين بذراعيه العاريتين، وقد خلع قميصه، أحسست أن أبي قوي، في ذراعيه عضلات مفتولة.

أنا فرحت لأن أبي ترك العمل في الفرن، العمل في البيع على العربية أفضل، ليتني أعمل معه، لأدور في الشوارع والحارات.


أمي تقول لأبي:
ـ العشاء جاهز.
أبي يرد:
ـ الله يعطيك العافية، لا أشتهي الطعام، سأحمل الفراش إلى السطح لأنام.
جدتي تتدخل:
ـ لا يابني، لا أريد أن تنام وأنت زعلان، الله يرضي عليك، خلينا نسهر، العشاء أذّن من عشر دقائق، أنا الآن صليت، الجو صيف، نعم، ولكن الليل بارد، أخاف عليك.
_أمي تقول له:
ـ ما رأيك في زيارة أخي محمود؟، بيته قريب، نسهر عنده.
_أبي يرد:
ـ لا أشتهي السهر، لا في البيت، ولا عند أحد.
أمي تقول له:
ـ أصلحك الله، أنت غلطت، هو المعلم، وهو صاحب الفرن، والخبز خبزه، غلطت، كيف تقول له: نقلل الخميرة، ونضيف الحليب للعجين، طبيعي، غضب، وفصلك عن العمل، لا يريد الخسارة، الحليب أغلى من الخميرة.
_أبي يرد:
ـ الخبز هو خبز الناس، وما هو خبزه، والفرن لكل الناس، والخبز مع الحليب أطيب، وتقليل الخميرة يحمي العجين، ويظل الخبز يومين وثلاثة وكأنه خارج للتو من الفرن، ما صدق لما قال الفرن لا يحتاج إلى ستة صناع، الفرن يحتاج إلى عشرة، بكرة يندم، ويطلب مني العودة للفرن.


أبي يحمل فراشه، يصعد السلم الخشبي، أمي تلحق به تحمل الوسادة واللحاف، ثم تهبط وهي مكتئبة.
جدتي تقول لها:
ـ لا تنزلي، خليك فوق، لا تتركيه وحده.

أنا أحب النوم فوق السطح، تهب النسمات هادئة ناعمة، وأسمع رفرفة أجنحة اليمامات، وطيران بعض العصافير، القطة اللعينة تتسلق الشجرة في الليل، تصطاد الفراخ الصغيرة والأمهات نائمة.
ضوء الفجر يزعجني عند الصباح، أستيقظ باكراً على زقزقة العصافير، جدتي لا تريد لي ولا لأبي النوم فوق السطح.

ويقرع الباب، أسرع إلى فتحه، وإذا الحاج صالح بالباب.
أعرفه، هو صاحب الفرن، قصير، بدين، رأسه مثل كرة السلة، أصلع، له شاربان أسودان لا أحبهما، مستقيمان، كأنهما مسطرة الهندسة.
ـ أبوك في البيت؟
ـ نعم.
ـ ناد والدك، بسرعة.
تبرز جدتي، وغطاء الصلاة الأبيض فوق رأسها، يبادرها الحاج صالح.
ـ يا أم حسين سامحيني، أنا بحاجة لولدك حسين، العجين في المعجن اختمر، أخشى يحمض، والصانع مريض، ما عندي أحد غير ابنك حسين ينقذني، لا يجوز، الناس مع الفجر محتاجة للخبز، قولي له: أجرة اليوم بيومين، وكيلو حليب له وللعيلة، وكيلو حليب للعجين.
أسمع صوت أبي وهو يهبط على السلم:
ـ حاضر، تكرم ياحاج صالح، أنا بخدمتك.
أبي يسرع نحو الباب.
أمي تستوقفه:
ـ ولكن هو فصلك من العمل، وتركك سبعة أيام، وأنت تعبان، ومن غير عشاء.
أبي يرد:
ـ لا يمكن ترك الناس من غير خبز.
جدتي تعلق:
ـ الله يرضى عليك يا بني.
أبي يرحب بالحاج صالح:
ـ أهلاً بالحاج صالح، أنا مثل ابنك، لا أجرة يوم، ولا يومين، ولا أريد الحليب لي ولا للعيلة، يكفيني خبز يوم واحد، لي وللعيال، حتى ولو من غير إدام، لكن كيلو الحليب للعجين نعم، هذا ضروري، ولا تنس حميد وعدنان، الفرن من غيرنا لايمكن يشتغل.
ويرد الحاج صالح:
ـ أمرك، بكرة يرجع عدنان وحميد للفرن.
أبي يخرج ليمضي مع الحاج صالح.


أتجاوز الممر، أصل إلى المطبخ، الأولاد وأمهم مستغرقون في الصخب.
أتنحنح، أسعل، تتنبه إليّ زوجتي والأولاد.
تسرع إلي الزوجة.
ـ أهلاً، الحمد لله على سلامتك، سامحنا كان يجب انتظارك، ولكن الأولاد جاعوا، وما عادوا يستطيعون الصبر، بعدما رأوا الطعام.
أقول لهم:
ـ بالهناء والعافية.
الأولاد يغادرون المطبخ، ينصرف كل منهم إلى غرفته، يغلق عليه الباب.

ولكن لماذا هذه الجلبة كلها، ولماذا هذا الضجيج، كلكم يعرف موعد القطار، يصل في العاشرة إلى المحطة، تمنيت لو كان سامح في انتظاري بالسيارة، السيارة واقفة أمام العمارة، ولا أحد يأتي بها لانتظاري، بصعوبة استطعت الحصول على سيارة أجرة، الزحام شديد. سامح سنة رابعة هندسة، أمل سنة ثالثة طب، سمير سنة أولى آداب، منير ثالث ثانوي. لا أحد منهم يقول:"أهلاً بابا"، لا أحد يهمس:"الحمد لله على السلامة"، ولكن، بعضهم بعضهم يثرثرون ويلغطون ويعلو صخبهم.

يرجع منير:
ـ بابا، أريد قسط الدورة، تأخرت ثلاثة أيام عن الدفع.

أعرف هذا جيداً، أنا فقط مورد للمال، مصرف تجاري، كنت أقعد معهم ساعات أعطيهم دروساً في الرياضيات واللغة الإنكليزية والعربية، ولا أحد منهم يقعد معي الآن ربع الساعة، لا أريد منهم أي شيء، ليعيشوا حياتهم، هذا من حقهم، أنا جهدت وتعبت وناضلت لشراء دار واسعة يكون فيها لكل منهم غرفته، ولكن من حقنا جميعاً أن نجتمع معاً على مائدة العشاء، عرفت هذا، لم يعد جديداً، هذه ليست أول مرة أصل فأجدهم يتناولون طعام العشاء، أو يكونون قد تناولوه قبل بضع دقائق، هم يعرفون موعد عودتي، في العاشرة والربع، أو العاشرة والنصف أكون في البيت، القطار يصل في العاشرة، تمنيت لو أن أحدهم مرة واحدة انتظرني في السيارة ليرجعني إلى البيت، بدلاً من أخذي سيارة أجرة.


زوجتي تجمع كسر الخبز وبقاياه، ترميها في سلة القمامة، أقول لها:
ـ لا يجوز رمي الخبز، وراءه تعب.
ـ لاتعب، ولا أي شيء، التعب كان في زمان جدي وجدك، الطحين الآن كله مستورد، وآلات تعجن وترق وتخبز، وأنت تذكر المطاعم، ترمي من الخبز ما يكفي الدنيا كلها.
وتلتفت إلي لتغير من نبرة صوتها:
ـ هل أجهز لك المائدة؟

الأمر لا يحتاج إلى سؤال، أنا متعب وجائع، ولكن، لن أتناول العشاء، وهل يمكن أن أتناوله هكذا وحدي؟ هل أدعو الجيران ليتناولوا العشاء معي؟ كم من مرة دعيت إلى عشاء أو غداء واعتذرت، لأنني لا أريد تناول الطعام وحدي من دون زوجتي وأولادي، لا أقبل دعوة إلا إذا كانت لي وللزوجة والأولاد، إلا بالطبع الدعوات الرسمية ودعوات العمل.

أقول لها:
ـ سأمضي إلى غرفتي في الداخل، أنا متعب، لا أشتهي الطعام.
ـ أوه، نسيت، الساعة الآن العاشرة، بعد نصف ساعة يبدأ اجتماع مجلس الحي في بيت قاسم، وأنت مندوب عمارتنا، حضورك ضروري، الحفرة أمام عمارتنا نعاني منها، وعمود النور في نهاية الشارع صدمته سيارة، وعامل التنظيفات يغيب يومين أو ثلاثة في الأسبوع.
أدير ظهري وأمضي إلى الداخل.

ليتني أحمل فراشي والوسادة واللحاف لأنام على السطح، ولكن أنا في شقة في بناء طابقي، والسطح يغص بالمداخن وبراميل الوقود وخزانات المياه وبقايا كراس وصناديق محطمة، ونحن في فصل الشتاء، لا بد من أن أدفن نفسي في الداخل في العمق.

زوجتي تفتح الباب وتدخل حاملة فنجان قهوة.
ـ اشرب قهوتك، لا يمكن أن تنام في العاشرة، ما رأيك في زيارة أخي عماد، والسهر عنده؟
ـ أنا متعب، السفر أرهقني.
ـ هذه مسؤوليتك، أنت المخطئ، لو لم تصلح المضخة، ووافقت على شراء قطع الغيار، كنت صرت الآن أنت المدير.

حتى أنت يا ليلى؟! هل أصبح الصدق والإخلاص جريمة يعاقبنا عليها أقرب الناس منا؟ هل لأني صلحت المضخات، كلها، وصنعت قطع الغيار بنفسي، أنفى إلى بعد مئتي كيلو متر عن مقر عملي، لأسافر يومياً، وأصبح مجرد مراقب في غرفة صغيرة ولا عمل لي سوى السفر، وأنا الذي كنت المشرف على عشرة مهندسين، صدقت أيتها الزوجة الواقعية، لو أنني لم أصنع قطع الغيار بنفسي، لكان المدير اشترى خمسين مضخة، وربح من ورائها، أو اشترى مئات قطع الغيار، ما كنت أتوقع أن يصبح بين عشية وضحاها المدير العام لمؤسسة المياه، وفي اليوم التالي مباشرة يُصدِر قراراً بنقلي، كنت أتوقع أن يُصدِر قراراً بتعييني مديراً للمحطة، ولكنه أصدر قراراً بتعيين أصغر مهندس، لم يمض على عمله في المحطة سوى عامين، كان يجب أن أتاجر بالماء الذي يشربه الناس، مثله، ليرضى عني، ولكن: لا، لن يحلم بذلك.


سأظل أسافر كل يوم، رحلة القطار في الإياب ممتعة، عامل التذاكر أصبح صديقي، عرّفني على السائق، أدخل إلى غرفة القيادة، أقف إلى جانب السائق، عرف أني مهندس ميكانيك، أخذ يحدثني عن آلية العمل في القاطرة، وعن فن القيادة، حدثته عن تصنيعي قطع الغيار بنفسي، بدلاً من استيرادها.

رآني المدير ببدلة العمل الزرقاء أمام المخرطة، وحولي العمال، عرف أني أصنع قطعة غيار، استدعاني إلى مكتبه، وقال: "مكانك في مكتبك، لا بين العمال، أنت شوهت صورة المهندس".

سفري بالقطار يومياً، فرصة للخروج من المدينة، والنزهة، ولكن ما يؤلمني أنني أمضي ساعات الدوام من غير عمل، لا عمل لي هناك في محطة تغذية صغيرة، ليس فيها سوى مضخة واحدة، والمشكلة أنها لا تتعطل، أتمنى أن تتعطل، كي أقوم بتصليحها فوراً.
والمشكلة طبيعة الدوام، من الثانية عشرة حتى الثامنة مساء، يضيع النهار كله من غير عمل، أسافر في التاسعة والنصف بالحافلة صباحاً، وأرجع في العاشرة بالقطار مساء.

أحتسي فنجان القهوة، أدفن رأسي في الفراش، تحت الوسادة.

النوم يجافيني، أنهض، أفتح الحاسب، أتصل بالشبكة، أبحث عن مواقع للعمل في الخارج، أعرض عليهم مشروع ابتكاري طريقة لتصنيع قطعة تحتاج إليها كل مضخة، يسهل تركيبها فور حدوث أي عطل، يجب ألا تنقطع مياه الشرب عن الناس.


جرس الهاتف يرن، زوجتي تفتح الباب.
ـ الهاتف لك.
أرفع السماعة:
ـ أنا مدير الخطوط الحديدية، حدثني سائق القطار 48 عنك، أدعوك لزيارتي غداً في مكتبي، سأعرض عليك الإشراف على تصنيع قطع غيار للقاطرات، عندنا مهندسون وعمال أَكْفَاء، يمكنك الإشراف عليهم وتوجيههم ورعايتهم، وإذا ارتحت إلى العمل، يمكنني اقتراح نقلك إلى الخطوط الحديدية، لا أستطيع أن أعدك الآن بشيء، ولكن يمكن ترشيحك في المستقبل للإيفاد إلى رومانيا للاطلاع واكتساب الخبرة.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى