الأربعاء ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١١
بقلم فلاح جاسم

بَيضُ النوارس

وضعتْ كتابها أمامي على الطاولة وانصرفتْ، غاب وجهها بين موج من الطلاب، يزخر بجميع ألوان الطيف.. لكن عِطرها بقي قـُبلة على غلاف الكتاب، وأندلسًا لم أطردُ منها، وبقيتْ الأسئلة معلقة كحدائق بابل، وبقي القرار ضبابيًا كما معاهدة الممانعين غير المعلنة مع الصهاينة. بقي عشقي لها كعباءة أمريء القيس؛ نتغنى بها في المهرجانات ونكتب فيها الخطب العصماء، وعندما نخلو بأنفسنا كل شيء يغدو خواء.

يا ناعسة العينين، ويا عربية الجبين لا أشم في كتابك رائحة الورق، لكنه عطر الحنين، أقلب الكتاب صفحة صفحة؛ علـّي أجد زهرة مجففة، أو حرفاً من اسمي خطته أناملك في غفلة من عقلك، أو قطعة من ثوب (ولادة بنت المستكفي) وقد كتبت عليها: "وأمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها"، هل كانت ولادة تقصد ابن زيدون فقط بما كتبتْ؟ وهل كان كشحها شهياً، جميلا، ناعمًا كالرخام، لكنه يمتاز عنه بأنه ليس باردا؟ أم أنها كانت هزيلة كنعجة عجفاء، لكن من كتبوا التاريخ زينوها حتى أضحت تبزّ "بريتني سبيرز" و "أنجلينا جولي".. هل كانت تقصد بَذل قبلاتها على قارعة أرصفة الهوى؟.

تناولتُ كتابها وفتحتُ الغلاف، وكتبتُ بخط رقعي، -أقصد خط الرقعة، وليس منفذ الرّقعي على حدود الكويت- كتبتُ: "قدرُ النوارس أن تبيض فراخها بين السفائن لا البحر يعرفها و لا خشب الصواري"، ثم ذيلتُ باسم الشاعر الكبير فايز خََضُور، ولم أضعه بين قوسين، وعندما أتتْ أخذت الكتاب وفتحتْ المكان الذي دونتُ فيه عبارتي تلك، وانسحبتْ باتجاه السبورة على مرأى من جميع الطلبة، وتناولتْ الطبشورة وكتبتْ: "الحمد لله، هذا يعني أن النوارس لن تنقرض، مادامت تبيض، ولا يهم أين تبيض حتى لو كان ذلك على أعمدة النور في الشوارع التي فارقها منذ قرر الحاكم قطع الماء والكهرباء والهواء، لكنه لم يستطع قطع نسل النوارس.. ثم نظرتْ إليّ مبتسمة، فإذا بها الممرضة تبشرني بولادة طفلي الأول وأن زوجتي بخير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى