الأربعاء ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١١
بقلم عيسى حموتي أور

التبني

شحن السيد مختار جسمه الثخين بصعوبة كبيرة داخل سيارة سوداء رباعية الدفع، أغلق السائق الباب الخلفي فركض ليقتعد مكانه خلف المقود. انطلقت السيارة بسرعة فائقة ودون أي توقف يذكر. . . ركن السائق السيارة في مرآب واسع تحت عمارة زجاجية شاهقة. بنفس صعوبة الشحن أفرغت كتلة لحمية تبدووكأن لا تحملها عظام. يمشي السيد مختار، يحتك فخذاه ببعضهما احتكاكا جرد السروال المستورد ثوبه، والمخيط من طرف خياط الوجهاء، من كل أناقة، بل سحب عليه منظرا تشمئز منه الأنظار. . .

نشر جسمه عبر كرسي وثير فُصل على مقاسه، هوللنوم أكثر مما هوللجلوس. . . افتتح الاجتماع ثم غفا. لم تمهله الذبابة، أفرغت شحنتها كاملة ليدخل في شبه غيبوبة. لم يستيقظ إلا على ضجيج حركة الكراسي، وقًع محضر الاجتماع وغادر القاعة في اتجاه مكتبه الخاص. . . يحييه حاجبه فيسبقه إلى الداخل، يساعده على الجلوس ويهمس في أذنه:ــ. . .
- لي وحدي أم للقسمة؟

أجابه في همس تام:
- أدخلت الحلوى وأي حلوى! مختار يلتهم ويزدرد ثم يعود للنوم. . . وبطنه تنتفخ يوما بعد يوم، والحلوى تدخل كل يوم، ولونه يتبدل يوما بعد يوم، حسب ألوان الحلوى ووجهه يتقلص يوما بعد يوم حتى غدا أنزر من لا شيء، على من شاء أن يراه أن يقتني أحدث ما جد ودق في عالم المجاهر. وكأن لم يعد له وجه.

تغادر السيدة "سَليطه"كل يوم أحد مقرات إقاماتها بعد قيام متأخر، والنوم يغالب جفونها لا تتخلص منه دون حمام بارد، ربما هذا هوالسبب في زكامها الدائم حتى يظن الناس أنها مدمنة شم، ولعل مثل هذه الأمور هي ما يجعلها تولي اهتماما كبيرا لشكلها قبل خروجها. وتستعد ليومها، تحضر كلماتها تفكر في من تلقي عليهم التحية، وفي من يحظى بتحيتها مرفقة بابتسامة، وفي من تصرخ في وجوههم، وفي من تقتحم عليه المكتب قد تضبط ما يعينها على كسر كبريائه. وفي طريقها تجري بعض المكالمات، يطلعها ذيولها في المكتب على سير الأمور، وعلى ضوء ذلك تقرر نشاط يومها الذي قد يكون داخل المكتب ـ وهذا نادرا ما يحدث ـ فمبلغ همها هوكيف وأين وصحبة من تقضي ليلها لتسخر يومها في اجتباء ما تتطلبه ليلتها من نفقات.

في خضم انشغالات الأبوين بين الأسفار والتنقلات والسهرات تبقى رعاية "شعيب" وأخته "رعية"موكولة لكل من في البيت من خدم وحراس وسائقين ومشرفين على تربيتهما، ولما لاحظ هؤلاء تصرفات وسلوكات الأبوين تجاه نفسيهما من جهة وتجاه ولديهما من أخرى أخذ الإهمال يتسرب إلى أن أصبح سائدا، فاختلطت المسؤوليات، وكثرت الغيابات، يغطي هذا غياب أولئك. والحال ذي أصبحت معاناة الطفلين تزداد: فلا مواعيد الطعام تحترم ولا يهتم بكيفها ولا بكمها، ولا مواعيد اللعب ولا الفسحة ولا حصص أبجديات التعلم يُحفل بها. يروعك منظر الطفلين وهما يحشران يوميا في سيارة سوداء تنطلق بهما في اتجاه"لا كريش"ومن هناك إلى البيت. أما في عطلة نهاية الأسبوع فتشرف عليهما إحدى الخادمات. في الصباح تنطلق بهما في اتجاه وسط المدينة وفي الباب الشمالي تجد في انتظارها امرأة تلبس جلبابا رثا وعلى وجهها لثام متسخ يبدومن خلفه وجه صبوح يتناسق مع نعومة يديها العاريتين، عليها آثار نعمة. . .

- لمَ لم تلبسيه الزي قبل أن تأتيني به؟
- لم أتمكن من فعل ذلك. . . لا تشغليني أكثر هاتي ما عليك، وليكن في علمك أن ما تدفعينه لم يعد كاف وأنت تعلمين أني لست المستفيدة الوحيدة

سلمتها المبلغ وانطلقت في اتجاه الباب الغربي حيث تترقب إحداهن وصولها وهي قابعة في إحدى زوايا الباب، سلمت واستلمت وهي تقول:"رجاء كما اتفقنا. . لا تشرعي في إلباسها حتى أغيب عن الأنظار".

بعد أن انتهت من مهمتها الصباحية تتفرغ لنفسها، تركب إلى جانب السائق شريكها في المهام والمتعة يقضيان أوقاتا، يسرقان لحظات الانتشاء بعيدا عن الأنظار، ينفقان من مكسبهما الصباحي على شبه ما ينفق عليه كل من مختار وسليطة مع فارق أن الأخيرين ينفقان على غير نفسيهما مجتمعتين.

مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات، من حين لآخر كانت وظيفة الطفلين تتغير مع تغير السن، والبيت يزيد خرابا، أما الوالدان فلا حياة لمن تنادي. . .

في المدرسة ربط الطفلان علاقات مع زملائهما يتحاورون يتبادلون الأفكار يتقاسمون همومهم
تعلم الطفلان الكثير وأخذا يعيان وضعهما ويحاولان الانتفاض. ولقد وجدا في أترابهما خير معين لهما حتى يسمعا صوتهما لوالديهما. مع اشتداد الضغط من طرف أولي أمرهما في البيت وفي جحيم غياب سُلطة الأبوين الذين لا يعلمان من أحوال الطفلين إلا ما يُرفع إلى مقامهما عن طريق تقارير، قد يطلعان عليها وقد لا يوليانها اهتماما وقد يبرر أحدهما لنفسه إهماله مدعيا أن الآخر من يطلع عليها. وفي هذه الأثناء كانت الاتصالات على قدم وساق عبر شبكة الأنترنت، أخذت الشعارات الرافضة للوضع والمحرضة لهما على الخروج من صمتهما تنثال عليهما، من الأصدقاء من أبدع في تصاميم اللافتات ومنهم من أبدع في بلاغة العبارات ومنهم من ترجمها إلى مختلف اللغات. ملأ الطفلان جنبات البيت، شرقا وغربا بالملصقات واللافتات. . . في غياب الوالدين أخذ أولوالأمر من خدم وغيرهم يستخفون، يستصغرون، يحتقرون الأمر الذي لم يثن عزيمة الطفلين، فلجأ الزبانية إلى العنف بمختلف أشكاله بلغ إلى حد العنف الجسدي لتثبيط همة لا تقهر، فلم تجد أيادي العنف أمام عجزها عن إفشال المحاولات وإحباط الإرادة بدا من رفع الأمر للوالدين وهم في ذلك يحاولون تلميع صورتهم وتلطيخ صورة الطفلين.

قام الوالدان كل واحد منهما على حدة بمحاولات، يبدوأن كلاهما استصغر الأمر واعتبره من باب محاولة إثارة انتباه الوالدين وهذا أمر طبيعي عند الصغار فالأمر لا يتعدى ذلك والعلاج لا يتطلب أكثر من التفاتة بسيطة فيرضى الولدان ويعودان لحياتهما من جديد. أما دار لقمان فتظل على حالها.

اعتبر الطفلان وبإيعاز من أصدقائهما ما أتاه والداهما تجاههما إهانة لعاطفة البنوة والأبوة والأمومة معا ولذا قررا وبدون تراجع التصعيد، فلم يعودا يطالبان بحقهما في الرعاية الكاملة، ولا بحقهما في العطف والحنان ولا بحقهما في الحياة الكريمة. بل يصران على إسقاط حضانة هذين الأبوين فورا وبدون قيد أوشرط ويطالبان بأبوين مِؤهلين لتحمل مسؤوليات التبني.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى