الأحد ٥ شباط (فبراير) ٢٠١٢
بقلم هيثم نافل والي

رحلة

يرجع وينتشر الغبار وراءها متقهقراً، متناثراً، حاقداً وغاضباً... حينَ كانت الحافلة تسير كحصان نافر، وهي تشقُ طريقها، وسط طريق صحراوي قاحل... في وقت كانت الشمس تتوسط كبد السماء بكل عنفوان وشموخ؛ والسائحون يستمتعون إلى صوت وشجن الموسيقى الشرقية، المصرية الخفيفة التي تجعل الصدور والبطون تهتز دونَ إرادة أو سيطرة، والسائق كمال الشيخ الذي جلسَ وراء المقود، بجلال وثبات واضح كأنه يقود طائرة؛ يبدو قد قاربَ السبعين من عمره، والرافض لأي طلب أو رجاء يتعلق بالتنحي عن قيادة الحافلات... إذ تراه دائم القول: لقد خلقتُ سائقاً، وسأموت وأنا أجلس خلف مقود الحافلة( لم يسأل نفسه يوماً: ماذا لو جاءته النوب وهو يقود الحافلة التي تضجُّ بالركاب) لم يفكر في هذا الأمر أبداً، وكل ما كانَ ينازعه، هو عشقه لعمله... فبدأت الرحلة بالمرح والفرح، وتعلقَ الركاب بأحلامهم التي سيرونها حالَ وصولهم إلى واحة الأساطير... تلكَ الواحة التي سمعوا عنها أن فيها ما يدعو للعجب... حيث ماؤها الساحر، وشذا أزهارها العطرة الأخّاذة التي تأسر العيون قبلَ القلوب...

- همسَ رجلَ الأعمال فاروق باذن الذي يجلسُ بجانبه- الرجل الذي يبدو لأول وهله وكأنه متدين- بفتور مصطنع: الأجواء داخل الحافلة جميلة، والسعادة تلوح في وجوه الركاب، حتى ليبدو وكأنهم يحلقون في منطاد عالي الارتفاع... ثمَ قالَ بتراخٍ: أنظر إليهم...

- يجيبه العجوز المتدين في هيئته، وله عيون غائرة، وجبين عريض، بعرض كفه: عندكم حق يا صاحب المعالي؛ وصمتا برهة... وكأنهم يتبادلان الاتهام سراً، ثمَ أخذَ العجوز يتنحنح ويدمدم بصوت ناعم: يا دافع البلاء ارحمنا، ونجنا من شرور الشياطين... ثمَ سعل وهو يوجه سؤاله بعفوية إلى فاروق قائلاً: ماذا لو تعطلت الحافلة هنا ونحنُ في مجاهل الصحراء؟ وتابعَ: والله ستأكلنا الضباع قبلَ أن تدبغ جلودنا حرارة الشمس الملتهبة.

- يا رجل... وهو ينظر له بعين ملؤها السخط فجأة، فقال متندراً: لماذا تتصور الشر وتحتاطَ له قبلَ وقوعه؟ وواصلَ متهكماً: يا مؤمن، قل لن يصيبنا إلا ما كتبَ الله لنا...ثمَ أردفَ بتكبر: أنا أحملُ معي دائماً هاتفي المحمول... وبرنة قصيرة، أكون في منزلي دونَ جهد أو عناء... وهو يبتسم بغرور وتباهِ.

- ردَ عليه العجوز دونَ مبالاة وبإشفاق: لقد جربت هاتفي قبلَ دقائق... وجدته خارج نطاق عمل الشبكة... يعني كالميت، لا نبضَ فيه ولا روح.

احتلت مظاهر الوجوم والقلق والخوف كل كيان رجل الأعمال وبسرعة الصاروخ... تبددت فجأة كل علامات الفرح والسرور والغرور... واستقرت مكانها معالم الحزن والرهبة، ثمَ شعرَ بأنَ زميل الرحلة ينتظر جواباً أو تعليقاً على ما قاله... فاستفاق من ذهوله المفاجئ، وشرعَ يقول:

الحقيقة...(لحظة سكون وصمت قاسية علت في مكانهما) ثمَ همسَ بصوت مخنوق: أريد أن أقول... بأني لستُ مقياس الخير أو الشر في الوجود... وكل ما فكرت فيه... هو أن لا نستبق الأحداث، فإذا أرادَ الله لنا السلامة، كانت، وإذا لم يشأ... ثمَ صمتَ وكأنه شعرَ بمرارة ما سيقوله، فصمت.

- أجابه العجوز بندم... لما وصلت له نتائج تخميناته الجهنمية، فقالَ مهدئاً: لا عليك يا صاحب المعالي... إنها مجرد أوهام، صدقني... لقد نسينا أنفسنا وتمادينا في الخيال... وها نحن جعلنا أرواحنا تحتضر ونحنُ ما زلنا أحياءً نُرزق، ثمَ أردفَ بإطراء: انظر فصحتنا جيدة، ونحنُ ذاهبون للمتعة والاستجمام... وتابعَ منشرح الأسارير: يا رجل أنظر عبرَ النافذة... إلى تلكَ السموم التي تتراقص متموجة... إذ قد تصل الحرارة إلى ما يزيد عن ثمانٍ وأربعين درجة مئوية... في حين نتمتع هنا بدرجة أقصاها اثنان وعشرون... فجأة مالت الحافلة عن طريقها بشكل مرعب، بدأت تهتز وتعلو وتنخفض كالأفعى الهاربة... بينما تناثرت الحقائب وأغراض المسافرين في كل مكان من الحافلة... وبدأ الصراخ والبكاء والنحيب يسود أجواء الحافلة... بعدَ أن ركبهم الرعب والخوف...

- نظرَ رجلَ الأعمال، وهو يتمايل كورقة في مهب الريح بعين باكية إلى السائق كمال الشيخ... فرآه كالنائم وراء المقود لا يتحرك في مكانه، فصرخ منهاراً: أرجوكم... انظروا إليه، إنه نائم...

توجهت الأنظار إلى كل صوبٍ، ثمَ علا صوت فاروق مستنكراً: إلى ماذا تنظرون؟ ثمَ صاحَ بأعلى صوته: أقصد السائق... انظروا اليه،إنه نائم...

استمرت الحافلة تصعد المنعطفات وتنزل، تميل شمالاً وجنوباً... تقدم أحدهم من السائق... فإذا به يصعق من المفاجأة؛ فصرخَ كالمجنون قائلاً: لقد مات السائق.

ماذا... أصوات وأنفاس متحشرجة مكتومة وصارخة... ماذا تقول؟ ماتَ السائق...

- أحد الركاب: ما العمل؟ سنهلك لا محالة.

- آخر: ستنقلب بنا الحافلة وتشتعل فيها النيران... قالَ ذلكَ وهو يبكي كالطفل.

- انتصب فاروق واقفاً وهو يزمجر كنمر مثخن بالجراح: يجب أن نوقف الحافلة، وبأية طريقة... وإلا سنموت جميعاً، ثمَ نظر إلى العجوز المتدين( نظرة ازدراء) وقال: لقد استبشروا بالموت، وها نحن نموت، ثمَ بصقَ على أرض الحافلة وهو يدمدم: إبليس بهيئة ملاك...

- ماذا تقصد؟

- لا شيء... ستزور الجنة قريباً جداً، بإذن الله( قالها فاروق متهكماً، هازئاً) في حين ظلَ العجوز صامتاً، وهو يردد كلمات مبهمة غير مسموعة ووجهه صارَ ممتقعاً وشاحباً، كوجه ميت.

فجأة... توقفت الحافلة على حين غرة، بعدَ أن اصطدمت بإحدى التلال الرملية... تنفسَ الركاب الصعداء، وبدأت الأصوات تنخفض... وحاول البعض من أعادة الحقائب إلى موضعها السابق... في حين تقدم البعض نحو السائق، وإذا بهم يقولون: أنه مازالَ على قيد الحياة... لكنه لا يتحرك، إنها أزمة قلبية... أرجوكم... علينا مساعدته...

حملوه إلى إحدى المقاعد القريبة منه، وحاولوا فتحَ أزرار قميصه... بينما وقفَ فاروق وسط الحافلة كأنه ينوي أن يخطب، فقال مصرحاً: هل منكم منْ يستطيع فحص الحافلة وإعادة تشغيل محركها ومن ثمَ قيادتها؟

لا جواب... وكأنه وحده في الحافلة؛ كرر النداء... بعدَ أن دق بقدمه أرض الحافلة بقوة وحنق وغضب، ونادي بصوت عال وبصرامة أكبر: هل منكم من يجيد تصليح وقيادة الحافلة؟

- نعم، أنا... يلتفتُ فاروق نحوه، فيرى العجوز المتدين يهتف بوقار: نعم... أنا أمتلك الخبرة ورخصة القيادة.

- علت شفتي فاروق ابتسامة متفائلة ومنتصرة، فقال آمراً: وماذا تنتظر؟

- أنتظر ماذا؟ (ردَ عليه العجوز بتحدٍ)

زمجر فاروق صائحاً: هل تريد أن تجننا؟! فالسائق ملقى بينَ الحياة والموت، ونحن هنا لا نستطيع الانتظار، ثمَ استطردَ بحماس: جهاز التكييف قد تعطل والحرارة أصبحت هنا لا تطاق، وكأننا في حمام تركي، وتابعَ بانكسار متهالك، سنختنق ونهلك لا محالة ... ونحنُ لم نسر شبراً واحداً بعد!

- هذا صحيح، ولكن رخصة القيادة التي أمتلكها نافدة الصلاحية؛ أي لا يحق لي القيادة الآن، حتى وإن قمت بتصليح ما عطب... ثمَ أردفَ بمكر يخالطه الصدق: أنظر فأنا عجوز، ولا أستطيع النظر أبعد من أمتار قليلة... فكيفَ لي القيادة وأنا على هذا الحال؟ ثمَ صرحَ بما لم يتوقعه أحد... وخاصةً فاروق، فقال: القانون يمنعني من القيادة وأنا...

قاطعه فاروق غاضباً، حانقاً وهو يصرخ: ماذا تقول؟... القانون!

- نعم يا عزيزي... القانون لا يسمح، وكما تعلم فالقانون ليسَ له استثناءات، ثمَ أردفَ ببرود قاتل: القانون أعمى كما يقال.

- وإن نقدتك الآن عشرة آلاف دولار... هل تصرّ على عدم القيادة؟

- المال في مثل هذه الأحوال... لا ينفع؛ أنه كرمل هذه الصحراء، لا قيمة له... ثمَ أردف: كلنا سنموت هنا، إنها مسألة وقت فقط.

أيها الشيطان اللئيم...( قالَ ذلكَ فاروق منهاراً)

- ردَ عليه العجوز ساخراً: عليكَ أن تعلم يا صاحبي- وهو يخطف نظرة من فاروق الذي يراقبه بعيون أسد جائع- لا تستطيع أن تفعل كل شيء بالمال؛ وها نحن أمامك، ننتظر الموت بلا رحمة، ثمَ استطردَ: إذا أردت أن تربي جيلاً، فأصلح من إرادتك أولاً، فالإرادة لها قوة أكبر بكثير من سطوة المال التي لا تنفع في بعض الأحيان وقت الضيق.

ثمَ توجه الرجل العجوز المتدين إلى السائق وهو يردد في سره كلمات مبهمة، أمسكَ يده، فركَ جبينه الخشنة التي تعلوها التجاعيد وتحفرَ فيها أخاديد عميقة... وهنا ظهرت المعجزة... وإذا بيد السائق تتحرك... ثمَ أخذَ يتنحنح بشكل مفاجئ... وما هي إلا لحظات... حتى علت الأصوات التي تبتهل للرب، ثمَ نهضَ كمال الشيخ معتذراً وهو يدمدم بخجل: أنا آسف على ما سببته لكم من رعب وخوف وقلق... ثمَ أردفَ متشجعاً: قدروا سني... لكنني وكما ترون مازلت أستطيع القيادة...

تحركت الحافلة مجدداً... تاركه وراءها الغبار الغاضب، الحانق، الذي يرجع ويتطاير وينتشر ويتبدد كالضباب في رحاب الصحراء...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى