عبد الرحيم عبد الرحمن

، بقلم آمال عويضة

في هدوء رحل المؤرخ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم أستاذ التاريخ العثماني بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، والذي يعتبره المتخصصون من أبرز مؤرخي ذلك العصر، واصفين إياه بأنه "عميد دراسات التاريخ العثماني" في العالم العربي. والذي عاش لعقود يعمل في صمت بعيدا عن طنين الشهرة، رحل دون أن يحصل على ما يستحق من تكريم يليق بإنتاجه الذي أصبح مرجعا لكل الباحثين؛ خاصة ما يتعلق بالدولة العثمانية.

سنوات التكوين

ولد عبد الرحيم في سوهاج بصعيد مصر في 25 مايو 1936م وبدأب حرص على اكتساب العلم حتى حصل على دبلوم المعلمين في عام 1958م، والتحق بعده بالعمل في المدارس الابتدائية حتى عام 1974م، تدرج في أثنائها من العمل في المدارس الابتدائية إلى الإعدادية ثم الثانوية.

ولم يثنه عمله ومسئولياته كزوج وأب من الانتساب لكلية الآداب -جامعة عين شمس والحصول على الليسانس بتقدير جيد، وفي تلك الفترة جمعت الصداقة بينه وبين المؤرخ المصري الدكتور "رءوف عباس" الذي اعتاد إمداده بالمحاضرات وملاحظات الأساتذة، ويتذكر عباس دأب زميله وعشقه للعلم الذي دفعه إلى التسجيل بمعهد البحوث والدراسات العربية في يناير 1969م وحصوله على درجة الماجستير في التاريخ الحديث بتقدير جيد جدا، عن موضوع "الدولة السعودية الأولى من 1745 وإلى 1818م"، ويعد كتابه هذا مرجعا أساسيا للباحثين العرب والأجانب المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية.

وقد حصل -أيضا- على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة في اللغة العربية (مايو 1969) حتى يمتلك أدواته كباحث ومحقق في الوثائق التاريخية، ثم سجل درجة الماجستير، ولكنه توقف بعد اتجاهه لدراسة الدكتوراة في التاريخ الحديث من آداب عين شمس عام 1973م حول "الريف المصري في القرن الثامن عشر" حيث حصل عليها مع مرتبة الشرف الأولى.

وفي أعقاب ذلك تم تعيينه مدرسا بقسم التاريخ الحديث بكلية البنات الإسلامية جامعة الأزهر، ثم تدرج إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ، ثم وكيل للكلية، إلى جانب مهامه كرئيس لقسم التاريخ بكلية الدراسات الإنسانية في 1985م.

ولم يقتصر النشاط العلمي لـ"عبد الرحيم" على داخل مصر، بل امتد إلى خارجها حيث عمل أستاذا زائرًا في جامعة برنستون الأمريكية في الفترة من مايو إلى ديسمبر 1974، وأمضى عام 1976 في جامعة طوكيو. كما عمل أستاذًا مشاركًا في كلية الإنسانيات العلوم الاجتماعية بجامعة قطر في الفترة من 1978 إلى 1983، وتوالت بعد ذلك زياراته ومشاركاته ومحاضراته للتعليم في المملكة العربية السعودية والكويت.

رائد في الدراسات العثمانية

ويشير الدكتور "أحمد زكريا" -أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بآداب عين شمس- إلى أن "عبد الرحيم" كان رائدًا لاتجاه متميز في الدراسات العثمانية يعتمد على الوثائق وليس على كتابات المؤلفين المعاصرين أو القدامى؛ وهو ما عمق فكرة المنهج التاريخي في تلك الدراسات التي كاد أن يقوض دعائمها الممانعة المنهجية في دراسة التاريخ العثماني عند الكثير من دارسي التاريخ والمثقفين.

وقد بدأت المعركة بناء على نصيحة المؤرخ الراحل "أحمد عزت عبد الكريم" الذي وجه تلاميذه لإعادة النظر في دراسة مصر العثمانية والاعتماد على وثائق المحكمة الشرعية والشهر العقاري لدحض الانطباع القديم عن العصر العثماني باعتباره عصر خمول وتخلف وجمود؛ فبدأ "عبد الرحيم" برسالته عن "الريف المصري في القرن الثامن عشر" لتطبيق هذا المنهج، لتبدأ مدرسة جديدة تعمل على إعادة النظر فيما سبق من دراسات وإعادة الاعتبار لمصر العثمانية.

ويرى زملاء وتلاميذ الدكتور "عبد الرحيم"، ومن بينهم الدكتور "محمد عفيفي" الأستاذ بآداب القاهرة، والحاصل على الماجستير والدكتوراة عن الحقبة العثمانية تحت إشرافه، أن من أهم إسهاماته تعميقه لمفهوم المنهج التاريخي في البحث، وذلك برفضه العلمي لما سبق وردده كثير من الباحثين العرب من اتهامات وجهها الباحثون الأوربيون للعصر العثماني باعتباره "فترة التخلف والركود"، وهو ما يعد تبريرًا سافرًا للاحتلال الأوربي الذي تسلل إلى المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر.

هذا ويؤرخ لبداية العصر العثماني في مصر بالعام 1517م بعد هزيمة "طومان باي" آخر سلاطين المماليك على يد السلطان سليم العثماني في موقعة الريدانية، ويرى مؤرخون أن ذلك العصر انتهى فعليا بدخول قوات الحملة الفرنسية مصر عام 1798. ويؤكد "عبد الرحيم" من خلال دراسة وثائق ذلك العصر في مصر أن الدولة العثمانية لم تضع قيودًا على حراك السكان وانتقالهم من بلد إلى آخر ولا على ممارساتهم للأنشطة الاقتصادية والمهنية؛ وهو ما جعل الاستقرار الاقتصادي يعود إلى السوق المصرية بعد أن كان هذا الاقتصاد قد ضُرب ضربة شديدة إثر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح 1498. وترتب على النشاط التجاري ازدهار المواني المصرية الواقعة على البحرين المتوسط والأحمر، مثل الإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس والقصير كما نشطت المواني الداخلية الواقعة على النيل مثل بولاق ومصر القديمة.

اهتم "عبد الرحيم" -أيضا- بالمصادر الأصلية وكتب الرحالة ووثائق القضاء الشرعي ودفاتر الالتزام وسجلات الدواوين باعتبارها مصادر من الدرجة الأولى لكتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمصر العثمانية.

وكان "عبد الرحيم" يمتلك مقدرة عالية وصبرا شديدا على مقارنة المخطوطات وتحقيقها ونشرها؛ حتى لقد كانت دور النشر المتخصصة تتنافس للحصول على أحدث مصنفاته التي تميزت بلغة عربية سليمة وممتعة.

مساهمات متميزة

ولعبد الرحيم أكثر من عشرة كتب عن العصر العثماني، منها "الريف المصري في القرن الثامن عشر" الذي تم إعادة طبعه عدة مرات، وتحقيق لكتاب "الدرة المصانة في أخبار الكنانة" للأمير أحمد الدمرداش الذي يؤرخ لمصر بين 1689 و1755م، بالإضافة إلى "تراجم الصواعق في واقعة الصناجق" للصوالحي، فضلا عن تحقيق كتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للمؤرخ المصري الشهير الجبرتي.

وإلى جانب كتاباته المتخصصة، ودراساته المنشورة باللغة الإنجليزية، قدم للمكتبة العربية مجلدات ودراسات متعددة في التاريخ الحديث عن تاريخ العرب، والعالم الإسلامي، وإفريقيا، وأوربا، والهند، ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية.

ويرى الباحث ياسر قطامش أن "عبد الرحيم" أفنى سنوات عمره في تحقيق العديد من المخطوطات النادرة التي أماطت اللثام عن فترة تاريخية كانت شبه مجهولة في تاريخ مصر في العصر العثماني وذلك بتحقيقه المدقق لكتب منها: "أوضح الإشارات" الملقب بالتاريخ العيني، و"تحفة الأحباب" ليوسف الملواني، ويوميات إبراهيم بن أبي بكر. وهي كتب ودراسات وأبحاث وصفها المؤرخون بأنها معين لا ينضب للباحثين المتخصصين في دراسة الدولة العثمانية.

كما اهتم -أيضا- بمصادر الوثائق حول المغاربة في مصر في العصر الحديث، وقد نشرت له مؤسسة "عبد الجليل التميمي للبحث العلمي والمعلومات" في تونس ضمن السلسلة السابعة من إصداراتها مجموعة من الكتب التي تضمنت مصادر وثائقية جديدة عن البلاد العربية في العهدين الحديث والمعاصر، منها "المغاربة في مصر في العصر العثماني 1517" في 1983، والأجزاء الأربعة من "وثائق المغاربة من سجلات المحاكم الشرعية المصرية إبان العصر العثماني" التي صدرت على التوالي في 1992، 1994، 1998، و2004، وما زال الجزء الخامس قيد الطبع.

وقد احتوت تلك الإصدارات على مئات الوثائق المستمدة من المحاكم الشرعية بالقاهرة والإسكندرية، والتي نقلت بدقة دور المغاربة الثقافي والاقتصادي والفكري في حياة مصر في أثناء الحكم العثماني، ملقيا أضواء كاشفة وجديدة حول هذا الموضوع الذي لم يحظ باهتمام الباحثين والمؤرخين.

ويشير المؤرخ التونسي "عبد الجليل التميمي" إلى حرص "عبد الرحيم" على المشاركة في أغلب المؤتمرات العالمية للدراسات العثمانية التي نظمتها مؤسسة التميمي بتونس وقد نشرت مداخلاته التي تجاوزت العشرات في المجلة التاريخية المغاربية والمجلة التاريخية للدراسات العثمانية.

وأضاف التميمي أن "عبد الرحيم" أرسى تقاليد علمية للتواصل بين مؤرخي المغرب والمشرق.

اهتمام بالتاريخ

وقد استفاد عدد من شباب الأدباء الذين اهتموا بالتاريخ في رواياتهم بما كتبه المؤرخ "عبد الرحيم عبد الرحمن" ومن بينهم الأديب والصحفي "سعد القرش" الذي أهدى إحدى نسخ أحدث رواياته لاسم الدكتور "عبد الرحيم"، ويقول: "لقد كان لي اهتمام خاص بدراسات وأبحاث الراحل، ومنها دراسة تكشف دور الاستثمارات الفلسطينية بمصر في القرن الثامن عشر. حيث يرى د.عبد الرحيم أن الفلسطينيين قاموا بدور بارز في تاريخ مصر في العصر العثماني واستثمروا رؤوس أموالهم الضخمة في التجارة ولعبوا دورًا اقتصاديًّا كبيرا في كل أوجه الاستثمار الممكنة".

وفي كتابه "فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" الصادر في مجلدين يشدد عبد الرحيم على الارتباط السياسي بين مصر وفلسطين في العصر العثماني (1517 - 1798) وتنسيق العمل بين القوى المحلية في البلدين ضد الحكم العثماني، حيث أوضح أن نشاط الفلسطينيين في مصر أبرزته الكتابات المعاصرة لتلك الفترة ووثائق المحكمة الشرعية التي سجلت الحياة الاجتماعية والأسرية التي تعتبر "تسجيلا دقيقا للحياة اليومية المصرية آنذاك".

وقال في فصل عنوانه "مصر وفلسطين في العصر العثماني من خلال وثائق المحكمة الشرعية المصرية": إن بعض الفلسطينيين تمكنوا من خلال نشاطهم التجاري في مصر من تكوين رأسمال ضخم استثمروه في تكوين شركات تجارية وتملك العقارات في المدن المصرية المختلفة والأراضي الزراعية أو في بعض الصناعات المحلية.

وأضاف أن الفلسطينيين كان لهم نشاط بارز في عمليات الاستيراد والتصدير بين مصر وكل من اليمن والهند وبلاد الشام، وبذلك حافظ هؤلاء التجار على استمرار العلاقات الاقتصادية بين مصر وفلسطين في ذلك العصر.

أحلام.. وأحزان

ومن الطريف أن الدكتور "عبد الرحيم" كان حريصا في فترات الإجازة التي يقضيها في مصر على الذهاب يوميا إلى خزائن المحفوظات من أرشيف للشهر العقاري أو دار الوثائق المصرية ليفتح أبوابها مع موظفيها في الصباح الباكر، ويعكف بعدها على جمع وتصنيف وتحقيق وتصوير الوثائق حتى مواعيد الانصراف الرسمية.

وتؤكد تلميذته الدكتورة "إلهام ذهني" رئيسة قسم التاريخ بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر أنها تعلمت الكثير من الدكتور "عبد الرحيم" علميًّا وإنسانيًّا، وتقول: وقد أعطاني مؤخرا مخطوطا أهداه للمهتمين بالتاريخ المصري من بداية العصر الإسلامي وحتى الربع الأول من القرن السابع عشر، وهو للإسحاقي بعنوان: "لطائف أخبار الأول في من تصرف في مصر من أرباب الدول"، وتحقيق تلك المخطوطات يتطلب الإحاطة بالحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى الجهد المبذول في كشاف الأعلام والبلدان.

وتشير إلى أنه كان يعمل بجد واجتهاد لجمع فصول من تاريخ مصر الاجتماعي في العصر العثماني وموضوعات أخرى اجتذبته للبحث والدراسة، رغم الصعوبات التي واجهها، منها صعوبة القراءة للمخطوطات العثمانية القديمة في أجواء غير صحية غالبا ما تترك أثرا على من يطالعها.

وكان "عبد الرحيم" عضوا في العديد من الجمعيات التاريخية المحلية والعربية والعالمية، كالجمعية المصرية للدراسات التاريخية، واللجنة العربية للدراسات العثمانية، واللجنة العالمية للدراسات الموريسكية، واللجنة العالمية لدراسة تاريخ ووثائق بلاد البلقان التابعة لليونسكو.

وأشرف على عديد من رسائل الماجستير والدكتوراة بجامعتي الأزهر والقاهرة، علاوة على المشاركة في مناقشة العديد من رسائل جامعية أخرى في جامعات دمشق وتونس والإسكندرية والقاهرة وعين شمس والأزهر وأسيوط والزقازيق وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض وكلية التربية بجدة وكلية الدراسات الإنسانية بالكويت.

وفي منزله الكائن بمدينة نصر التقيت بأسرته التي تحدثت عن أحلام الراحل التي كان من بينها عقد صالون ثقافي أسبوعي كان يخطط لإقامته فور استقراره بالقاهرة، وتخصيص الطابق الأرضي بالكامل من منزله لإقامة مكتبة متخصصة مفتوحة للدارسين بالمجان؛ وهو الأمر الذي تفكر الأسرة في تنفيذه بالتعاون مع صديق الأسرة الدكتور "صابر عرب" مدير دار الوثائق القومية، على أن يتم تخصيص قاعة لمكتبة الراحل النادرة في المكان الذي كان يشهد مكوثه لأسابيع وشهور لتحقيق كتاب أو التوثيق لمخطوطة.

ومن مفارقات القدر، مشاركته في إبريل 2005م -أي قبل وفاته بعدة شهور- في مؤتمر حول الدراسات الاجتماعية والاستشراقية احتفالا بالمستشرق الفرنسي "أندريه ريمون" بمناسبة صدور الترجمة الكاملة لمجلديه عن "الحرفيون والتجار بالقاهرة في القرن الثامن عشر"، في الوقت الذي لم يحصل هو فيه نفسه على التكريم اللائق بعشرات الكتب والدراسات المتميزة التي أضافت جديدا لمنهج وأسلوب دراسات التاريخ المعاصر.