الاثنين ٣٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم عطية صالح الأوجلي

قصص قصيرة

آسفين...

رائحة البصل تطاردني في هذا المكان..
العتمة والرائحة والأصوات المكتومة.. أطلقت العنان لشياطين قلقي.
أبحث عن شيئا ما. أقلب محتويات أدراجي على ضوء الشمعة....
فواتير كهرباء.. بطاقة دعوة.. صورة لبطاقة الشخصية.. شهادة تقديرية.. رسالة قديمة من صديق قديم...
هائل.. لدي الآن ما يشغلني.. التقطت رسالة الصديق وانزويت في ركني المفضل بالبيت. عيناي تلتهمان حروفها بشغف.
اهتزاز الشمعة يجعل من مطاردة الكلمات المسطرة على الورقة أمرا عسير.
أطلب من زوجتي قفل النافذة.. فتقوم لأقفالها وهى تمضغ كلمات غاضبة.
حياتها عسيرة دونما تيار كهربائي.. أسبوع أنقضى ونحن على هذا الحال..
أنا أقراء على ضوء الشموع.. وهى تنظر لجثة التلفاز بحسرة وإلى جثتي.. بحنق.
رمقتني بعيون خالية من المودة.. هزت رأسها وهي تقول..
ستنتهي عيناك كما انتهى عمرك... تلهث وراء أسطر كتبها الآخرون.. ""
تنقذني من تقريعها.. دقّات عميقة على الباب... فتنهض لتفتحه..
رأس يطل من شق الباب المفتوح.. همهمة تتناهى إلي.. ينغلق الباب.. وتقترب زوجتي لتدس في يدي ورقة مطوية..
"خذ.. هذه رسالة أخرى من صديق أخر.. قسماً.. سأدفنك يوما ما.. مع أوراقك.. "
أفك الورقة من طيها وأقربها من الشمعة.. أقرأ اسطرها..
رسالة من شركة الكهرباء..
عليك بالدفع خلال أسبوع من اليوم.. و إلا سنضطر آسفين لقطع التيار الكهربائي عنك...
تصدر عني ضحكة عالية....
استدارت زوجتي وقالت وهي تمط شفتيها".. هل أصبح أصدقائك الآن.. يبعثون بالنكات إليك؟؟؟".

قصة قصيرة جداً جداً!

كان أتعس خلق الله.
لم يتعلم سوى كلمة واحدة... " لاتُسامح".

………

حصاد اليوم الأول

بعد أول يوم من الذهاب إلى المدرسة.. وقف الطفل معتزا بين أبويه يردد ما تعلمه في يومه الأول بين فرح الأم وزهو الأب....
".. أليف.. أليف.. قيام.. جلوس.. سكوت... " ثم بعد فترة صمت.. "يا حمار"... انفلت الأب ضاحكا.. حركت إلام يدها وكأنها تأمر الطفل بالسكوت.. بينما استمر الطفل وقد أعجبته اللعبة.. يا حمار.. يا حمار. ياحمار..

علبة التونة...

رفوف لا تنتهي في هذا المحل.. أنهكه البحث فيقف ليسأل أحد العاملين عن وجهة معينة فأشار إليه بالذهاب إلى الممر الثالث.. ينتقل إلى هناك.. يستطلع الرف.. علب التونة.. تونة اسباني.. تونة تايلاندي.. تونة برتغالي.. تونة ايطالي.. تونة حمراء.. تونة صفراء.. تونة.. تونة.
يقف حائرا كعادته أمام الاختيارات.. يتردد ثم يمد يده إلى علبة التونة الحمراء اللون.. يستطلع بياناتها...... طيف وعطر نفاذ يمر بجواره... تتلاشى صورة العلبة... يا إلهي.. هذا العطر.. يستحضر الذكرى.. لا.. مستحيل.. بعد عشرون عاما... لا يمكن... يدير رأسه وتلاحق عيناه طيف المرأة.. طبول تدق في صدره.. وعرق يحتشد بجبهته.. خفق قلبه بشدة حتى خشي أن يقفز من فاه.. يقترب منها.. هل يعقل هذا ؟.. تسمرت عيناه على الملامح... الشعر الأسود الطويل المتهدل على الكتفين.. العينان السوداويتين الواسعتين.. الوجه الشديدة البياض. الخدين المتوردين.. يا إلهي. نفس القوام.. مع بعض الاستدارات الإضافية.. أبعد عشرون عاما يلتقيا.. وفى نفس المدينة.. أمر لا يصدق.. دفع عربة التسوق جانبا.. وانطلق نحو المرأة التي ارتسمت الدهشة على وجهها.. " اعذريني يا سيدة.. هل تذكرينني.. " ستاسيوني ترمينال ".. عشرون عاما مضت.. هل تذكريني.. هل أنت هي؟ ".....
أتته الإجابة بصوت خشن.. مرتفع.. وإن كان مؤدبا.. " هذا إطراء لا يصدق.. لا يا عزيزي.. أنا لست هي.. فأنا لم أتحول إلى امرأة إلا العام الماضي.. "
ارتعشت يداه.. وسقط فكه.. استدار وأنطلق مسرعا نحو المخرج وهو يقول.. " هل هذا معقول ؟.. هل كانت هي أيضا هو؟.. بعد أن أصبح هو هي؟... "
.. جلس في سيارته يلملم أنفاسه... ارتجف وهو يمسح العرق من على جبينه... وهو يردد "هو.. هي.. يا إلهي "... امتدت يده لتدير محرك السيارة.. سمع طرقا على الزجاج وصوت العامل بالسوبر ماركت يقول.. " سيدي.. سيدي... أنت لم تدفع ثمن علبة التونة التي أخذتها.. يا سيدي!... ".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى