الثلاثاء ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٢
بقلم السيد نجم

لماذا القصة القصيرة جدا؟.. مجدي شلبي نموذجا

القصة القصيرة جدا ظاهرة أدبية شاعت خلال السنوات القليلة الماضية، وان بدأت فى السبعينيات من القرن الماضي، إلا أنها لم تلق الاهتمام النقدي الواجب والشيوع إلا مع مطلع القرن ال21، بعد أن تنكر لها البعض (الكثير) من قبل. ويعتبر الأديب "مجدي شلبي" من هذا الجيل الذي أخلص لهذا الشكل السردي، ويسعى لتحقيق ذاته الأدبية من خلالها، فكانت تلك المجموعة القصصية "حمرة خجل" التي تتضمن 39 قصة قصيرة جدا.

.. ربما القصة القصيرة جدا هي محاولة من القاص: للقبض على لحظات مثقلة، شديدة التعقيد.. محاولة لاختبار طاقات هذا الجُنَيْسِ السردي.. تتسم بشغف القاص للشكل اللغوي والتعبيري والحكائي واللعب السردي.. وقد تبدو وكأنها محاولة ليبرهن القاص لنفسه على أنه قادر على رصد تحولات الواقع، والتجديد أيضا.. وقد يبدو الأمر مزاجيا فتبدو القصة القصيرة جدا جاذبة لأن وقت كتابتها لا يستغرق زمنا طويلا، فحياتنا اليومية مشبعة بالملل والرتابة، بينما كلامنا عادة ما يطوّقه الإطناب والتكرار.

وكتابة القصة القصيرة جدا تهبنا حيزا للتعبير والإضمار والتكثيف والحذف والاختزال، وكذا إبراز مفارقات الواقع وزيفه.. ولعلها تعكس حنين البعض لجذور موهبته وقت أن كان يكتب الشعر.. ولأنها تعبر عن الحكمة القائلة: (ما قل و دل).. وربما لأنها بحكم حجمها وأشكال تناولها قادرة على التخابث، فلا موانع ولا تابوهات في أجندتها، ولا معايير مقدسة لديها، الكلّ سواء وسواسيه في المعادلة الإبداعية، فهي تفقأ عيني دكتاتور أو مستبد أو طاغية في سطور معدودات.

القصة القصيرة جدا هي الوحيدة القادرة على محاكاة العالم وفي الوقت نفسه محو فضاءاته وسخافاته، فهي الأقدر على التسرب والتوغل عميقا في ذات المتلقي والتأثير فيه بل تدفعه حنكة القاص إلى المشاركة في أحداث القصص وصياغة قصته الخاصة.. وهو ما يدفع البعض لكتابتها مخافة أن تخنقه الصرخة التي بداخله.

هي قصيرة جدا، لكنها كبيرة الفعل, مداها رحب، وسيع..

بعد هذا كله، ربما من الأفضل القول: أنه يكتب القصة القصيرة جدا، ولا تسأل كيف ولماذا؟ .. ومع ذلك نحن أمام جهد مخلص جاد من القاص يسعى لان يضع اسمه فى ميدان تلك اللعوب المسماة "قصة قصيرة جدا"، فهي تحمل في حد ذاتها غواية خاصة بحكم حجمها المراوغ. ليس هذا الملمح الكمي وحده، يحدد لمفهومها.. هناك قصر الحدث، والتكثيف الفني والدلالي، مما يستدعي قدرات خاصة أيضا في توظيف آليات قص تحمل المتلقي إلى عوالم قصصية حقيقية من خلال الرؤية السردية.. بإيحاءات رمزية وتداعيات إنسانية لها بعدها التاريخي والاجتماعي والثقافي والقيمى.. ويبقى أن الأهم هو مدى قدرتها على خلق العمق الأدبي الذي يعطي للعمل قيمته الإبداعية.

* أسئلة:

والحقيقة فإنّ القِصّة القصيرة جِدًّا تثير تساؤلات نقدية لن يجيب عليها سوى المبدع لها: - ما الذي يتبقّى من القِصّة في القِصّة القصيرة جِدًّا؟ بعد أن تماست مع قصيدة النثر، وفن صياغة الحكمة وربما الخبر الحكائى..

- هل توافقت القصة القصيرة جدا مع مقولة "النفرى": "كلما اتسعتْ الرؤية ضاقت العبارة"، لكن ضيق العبارة لا يعنى حتما صغير الحجم وقصر العبارة حتما، كما يفهم البعض؟
ـ هل التحديد الكمي للقصة هدفا فى ذاته؟

وهو ما سوف نختبره ونتابعه فى مجموعة مجدي شلبي "حمرة خجل"، فقد جاءت في جملتها متعاركة مع الواقع، ومعبّرة عن هموم القاص.. وصفية مرة، وشاعريّة مرة أخرى، ساخرة مرة ومثيرة للشجن مرة أخرى.. متنوعة المناحي والرؤى مع الإنسان فى لحظات ضعفه وشروده وحيرته.

ملامح القصة القصيرة جدا عند (مجدي شلبي)؟

.. الشذى مع الترقيم، وهى تلك القصص التي تتسم بالقفزات الشعورية عبر الزمان والمكان، مع الرغبة فى الوصول إلى "حكمة ما" أو "عظة وعبرة". يتسم النص بذكاء الفكرة والتناول، بحيث أوجز النص الكثير مما يقال، وهكذا واحدة من ميزات القصة القصيرة جدا.

* قصة قصيرة جدا: "غير مأسوف عليه"

(1) امتطى صهوة الجواد، وبعد أن اعتدل فى جلسته؛ أصدر قراراً بإعدام جميع المشاة!

(2) سقط أرضاً؛ فاعتذرـ بعد فوات الأوان!

(3) حملت الجياد السائر الوحيد إلى مثواه الأخير؛ غير مأسوف عليه!

(4) كُتب على شاهد القبر: هنا يرقد جثمان فخامة الزعيم الذي قتل شعبه!

.. القصة القصيرة جدا مبنية على الجمل البسيطة ذات المحمول الواحد، وابتعدت عن الجمل الطويلة والمركبة ذات المحمولات المتعددة، كلما كانت القصة أكثر تركيزا، بدت أكثر إدهاشا للقارئ.

* لو تأملنا القصة: "عقود النعام"

(ما كاد المأذون يدعو الولي ليردد خلفه:

ـ قبلت زواجك من موكلتي البكر......

حتى رأت العروس ألا تبدأ حياتها الزوجية بكذب وخداع وتضليل؛ فأعلنت في صراحة أنها ليست عذراء!

شعر الأب برغبة فى الاختباء والاختفاء عن الأحياء؛ تحت الأرض؛ بعيداً عن وصمة عار انتهاك الشرف والعرض، ثم سقط مغشياً عليه....

رغم سعى ابنته لإفاقته؛ إلا أن القدر حقق له رغبته.)

فإننا نجدها قد بنيت تركيبيا على الجمل البسيطة ذات المحمول الواحد، سواء أكان محمولا فعليا أم اسميا أم ظرفيا أم حاليا... وتقوم الفواصل وعلامات الترقيم الأخرى، كالاستفهام، ونقط الحذف، والنقطة، وعلامة التعجب، بدور هام في تقطيع الجمل. وتهيمن في هذه القصة القصيرة جدا، وغيرها من القصص.

.. القصص ذات الجمل الفعلية، للتدليل على الحركية، التوتر الدرامي، إثراء الإيقاع، وخلق لغة الحذف والإضمار.

* قصة قصيرة جدا: "القلل القناوى"

(وصل إلى أرض الوطن؛ غاص فى أوحال الرشوة الإجبارية؛ وقبل أن يحقق حلمه بإنشاء مصنع؛ انقطعت الكهرباء عدة ساعات....

اعتذر معالي الوزير عن الأعطال المتكررة؛ وأرجعها إلى العجز عن تلبية الاستهلاك المتزايد!
شعر المستثمر الوطني بمسؤوليته عن تزايد الاستهلاك؛ فترك المعدات والآلات يأكلها الصدأ ؛ وأنشأ فاخورة لإنتاج القلل والبلاليص!)

.. من أهم الظواهر في القصة القصيرة جدا، ظاهرة تراكب الجمل، وتتابعها في سياق النص ، من أجل تأزيم العقدة، وخلق التوتر الدرامي، عبر تسريع وتيرة الجمل، يتميز بالسرعة والإيجاز، وكثرة التعاقب في تسلسل الأحداث، وتتابع الأحوال والحالات..
* كما فى قصة "اللغز"

(أثناء تشييع الجنازة؛ رفع المرحوم الغطاء عن النعش؛ فرأى سيدة لا يعرفها تبكيه بحرارة شديدة؛ أرخى الغطاء عليه، وراح يفكر بصوت غير مسموع:

ـ من تكون هذه السيدة؟!

وصل المنعوش إلى مثواه الأخير؛ قبل أن يهديه التفكير لإجابة قاطعة...

ورغم مرور سنوات؛ على تحوله إلى رفات؛ مازال اللغز المحير قائماً!)

.. بمقياس الامتداد توسع الجملة في أحداثها وعقدتها حتى تصير بلا حل ولا انفراج، بل تتعقد القصة صراعا وتوترا من جهة، وتمتد سردا وخطابا ومساحة لتهيمن على كل القصة.
* كما فى قصة قصيرة جدا: "فوبيا الناس"

(رغم اضطهادهم لي؛ مازلت أتعامل معهم؛ مرتدياً كمامة الحذر؛ ومصطحباً كلبي الأوفى من البشر؛ وكل ما أخشاه أن تظهر مواهبي المكنونة، وقدراتي المهولة؛ فتثار حفيظتهم المجنونة؛ ويحاولون قتلى بطريقة غير معلومة...

أنام بعيون ذئب مرتاب، وكلبي يحرسني بالباب كخفير درك؛ وخشية الوقوع فى شرك الطعام المسموم؛ جعلته حيوان تجارب لطعامي وشرابي أياً ما يكون!

عقب أن شعرت بالاطمئنان؛ تناولت الطعام..... فإذا بطارق غريب؛ يصيح من قريب:
ـ كلبك مات......

وقع الخبر على بطني وقوع الصاعقة فأصابتها الآلام؛ وزاغ بصري الحديد؛ وتوالى القيء الشديد؛ وجميع أعرض التسمم الغذائي الحاد

أضاف الصائح:

ـ .....لقد دهسته سيارة مسرعة.

نظر إلى ساعته فوجد عقاربها تدور للخلف؛ فترك سيارته على حالها، وعاد إلى بلدته راكباً حماراً أعرجاً؛ كان فى طريقه لأحد المطاعم الفاخرة!)

.. توافر الجملة السردية بأفعال ألحكي والسرد،

* كما فى قصة "الهدف"

(جلست ذات مساء تستعيد ماضيها الذي كان؛ فتاة حسناء تهافت عليها الرجال؛ ولم يفز بها إلا كهل ملك المال، فمكنه من الزواج بذات الحسن والجمال
ويالها من ليلة عصيبة؛ تنهدت وهى تتذكر محاولاته الفاشلة، رغم مساعداتها اليائسة؛ خلال ساعات اعتصرت فيها الألم والحزن والإحباط

وهاهي الآن تروى ظمأها من بحور العشق دون معاناة؛ لكن هيهات أن يهدأ لها بال، أو يهنأ لها حال

توقف عرض شريط الذكريات؛ على يد شاب مفتول العضلات؛ جاء طالباً يدها فى الحلال
فلم تقبل...

ولم ترفض!)

.. على قلتها فقد وجدت، أعنى تلك القصة القصيرة جدا الحوارية، وهذا النمط يتسم بما يعرف بمظاهر الصراع اللغوي، وتجسيد اختلاف وجهات النظر، كما قصة قصيرة جدا:

* "كبرياء"

(فى صباح ملبد بالغيوم؛ بادرته الشمس بدفئها وجمالها:

ـ كيف حالك يا فؤاد؟

بحث فى ذاكرته عن اسمها دون جدوى؛ إنها جارته التي أحبها؛ لكنها تزوجت منذ سنوات من غريمه العائد من دول الخليج!

نطق بتلعثم وارتباك:

ـ كيف حالك يا... يا مدام؟!

شعر أن السماء لا زالت على حالها رغم سطوع الشمس؛ فالسحب الكثيفة ليست بحال سحب صيف!)

.. تستند القصة الوصفية عند "مجدي شلبي" إلى استخدام الصفات والأحوال والصور المجازية، قصة قصيرة جدا:

* "المزلقان"

(جرس الإنذار يدق بشدة؛ المزلقان مازال مغلقاً؛ والمارة والسيارات فى انتظار مرور القطار.... توقفت المحركات وأصيبت حركة المرور بالشلل التام، ونزل الركاب لاستطلاع الأمر...

انتشر الباعة الجائلون بشكل لافت يلبون طلبات الزبائن:

ـ اشرب يا عطشان

ـ طعميه ساخنة وعيش نجف

ـ اوكازيونات: تشيرتات الواحد بعشرة جنيه يا بهوات؛ ولا استغلال المحلات

ـ مشويه على نار الحب يا بطاطا

ـ هادى حماتك المفترية؛ سكاكين، ملاعق، كوبايات

بعد ساعة بالتمام والكمال؛ فُتح المزلقان؛ رغم عدم مرور القطار!

من بعيد شاهدت البائعين؛ يصافحون عامل المزلقان المسرور بعطاياهم.)

* ملامح عامة فى قصص المجموعة "حمرة خجل":

- لعل التكثيف من أكثر ما يلاحظه القارئ فى قصص تلك المجموعة، وهو لا يعنى صغر الحجم بل هو الانتقالات الشعورية وربما الزمنية المكانية، مع الحذف والإيجاز دوما.

- غلبة الروح الساخـــرة بين طيات اغلب القصص، من خلال الاستهزاء، والتهكم من المعطى الموضوعي أو الذاتي، وذلك في عبارات ساخرة، وألفاظ قائمة على التلميح والتعريض، كما يتجلى ذلك بينا في قصة "متى يبيض الديك يا أبى؟": حيث حرمته زوجة الأب من البيض الذي يأكله نيئا بدلا عن بيعه أو استبداله بأشياء أخرى لا تهمه، فلما ذبحت زوجة الأب الفرخة انتقاما، اشترى الأب ديكا، فكانت خاتمة القصة الساخرة: "فى الصباح أحضر والدي ديكاً ضخماً يمتعنا صياحه؛ لكنه من أسف لا يبيض!"

- كما يبدو للقارئ أن القاص مهموم بما هو آني من أحداث وأحوال تمر بها البلاد، وهى ميزة الأديب الجاد المتفاعل مع أهله وناسه.. إلا أن بعض الأحوال مثل "أزمة البنزين والوقود"، مثل تلك الحالات مع القصص القصيرة جدا (بالتحديد) لو قرأت بعد فترة زمنية قد تبدو مبهمة وربما غير مبررة أو غامضة، على العكس من رصد مثل تلك الأحوال فى رواية أو حتى قصة قصيرة تمهد وتبرر للحدث.

أما وقد انتهت كلمتي، فلا يبقى سوى الإبداع وجماله وتأثيره وفعلته، وفى القصة القصيرة جدا خواص التكثيف والتشريح والشعرية والإيقاع السريع واللقطات الذكية.. وغيرها من الميزات، وإبداع "مجدي شلبي" من هذا النوع الجميل الذي يحمل تلك الخصائص، وهو الباقي المتفاعل مع القارئ دوما.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى