الأربعاء ١٣ آذار (مارس) ٢٠١٣
بقلم زياد يوسف صيدم

امرأة برائحة الميموزا ح2

وصلت تهرول.. وبنظراتها الملهوفة استدلت الى الممر المؤدى الى غرف العناية المركزة انه عالم آخر مناقض لحياة الفرح والأمان والطمأنينة حيث تقرأ فى الوجوه كثير من القصص الحزينة من خلال عيون حائرة زائغة متلهفة.من بين تلك الوجوه كانت أمها تقف هناك.. سارعت نحوها، وبقدمين مرتجفتين تقترب منها...تصرخ: امى ماذا حدث لأحمد؟ ماذا قالوا لكم؟ اين ابى؟ تكرر أسئلتها بنبرات هستيرية مبررة ومنطقية..فاحمد زوجها وحبيبها وكل حياتها الجميلة..ترد الأم: اطمأنى سائدة..ادعو له بان يفك الله محنته ويشفيه لك بدأت تدعو له بالشفاء وبان يزيح الله كربته، ويخفف عنه محنته، وان يعيده سالما غانما الى بيته...
يخرج الاب برفقة الطبيب من غرفة مجاورة، يرافقهما ضابط الشرطة المسئول عن تحرى الحادثة المروعة صباح اليوم.. كانت تعتليه حيرة فلا ينبس بهمسة.. تلمحه سائدة، تلوذ اليه فتنهار بين ذراعيه باكية نائحة.. يربت على ظهرها، يقبل رأسها ..كان كظيما، عبوسا، لم يستطع مداراة ما قرأه من تقرير فى ملف أحمد الذى جمع بين حالته الصحية وتقرير أولى لم يكتمل بعد لمباحث الشرطة...انفجرت سائدة بنواحها.. فإحساسها بان امرا خطيرا قد حدث ؟ تقرأه من خلال عينى والدها..هذا الاب الذى امضى جل عمره فى المؤسسة العسكرية، حتى استحق ارفع النياشين لبطولاته قبل خروجه الى التقاعد.. فقد كانت وقع المفاجأة كصاعقة هزت شموخه وكبرياءه وصلابته...

بينما كان يطوقها بين ذراعيه الحانيتين، يكفكف دمعها السخى المنهمر بادرها بسرعة: لقد نجى من الموت وبأعجوبة وما يزال فى العناية المركزة و حالته مستقره.. لكن المرأة فى حالة الخطر بعد نزف شديد! أى امرأة تقصد يا ابى؟ هل تعنى بأن أحمد كان برفقتها؟ يتلعثم قليلا، يلوذ بالصمت لبرهة..يطرق لفكره العنان، ليستحضر بعض الاجابات المنطقية لزلة لسانه.. فسائدة لماحة ذكية، مرهفة الأحاسيس تقرأ ما بين السطور، هكذا عرفها منذ صغرها، وحتى خروجها لبيت زوجها الذى جمعتهما قصة حب عاصف، بدأت خيوطها الاولى عبر شبكة التواصل الاجتماعى، تكللت بزواج سعيد الذي مر عليه اكثر من خمسة اعوام ...اشفق عليها من هول حيرتها واضطرابها، جعلته يبادر برغبته بالخروج من هذا الممر الذى يضيق بهما، ويخنق انفاسهما فأومأت رأسها بالموافقة، فخرجوا ثلاثتهم مبتعدين عن تلصص الأعين و ازدحام اجساد متحركة تزيد من حرارة المكان..فهى بانتظار حديث ابيها ليفك طلاسم باهته، لا تقبل تأخير او مداراة .. فحقها أن تعلم الحقيقة كاملة.. فهى فى حالة هيجان ممزوج باللوعة والحسرة على ما فهمته عن وجود امرأة غريبة.. فهذا الامر يقتل فيها الحب النقى والإخلاص وصبر السنين فى انتظار طفل يملئ عليهما حياتهما، ويشعرها بالإحساس بالأمومة كباقى النساء.. وان كان يعوضها هذا الحرمان بفيض حبه و طيبته وشهامته وحنانه...لنتريث الى الغد بنيتى.. حتى يكتمل التحقيق فلا نظلم زوجك، توسل اليها وقلبه ينفطر..طالبا منهما ضرورة العودة للبيت حيث لا يسمح ببقائهما طيلة الوقت بجوار غرف العناية المركزة.

قبيل الظهيرة، كانت سائدة وأمها تقفان على باب غرفة الطبيب المشرف على حالة أحمد، فحدثهما عن قوة غريبة لديه فى التشبث بالحياة.. تساعده على استقرار حالته والانتصار على غيبوبة كانت على وشك الحدوث لولا رغبته القوية على البقاء...فى هذه الاثناء يخرج الاب من غرفة الضابط .. يكز على شفتيه، يهز برأسه ممتعضا، يتجه نحوهما وبيده تتأرجح ورقة زواج عرفى جمع بينهما.. أطبقت عليها حالة من الوجوم والصمت، و ارخت بستائرها الثقيلة عليهم.. قطعها ممرض حضر على عجالة يهمس فى أذن الطبيب الذى أخبرهم: بأنه لا راد من قضاء الله.. فالمرأة بطريقها الى ثلاجة الموتى... رحمها الله.. قالوها بفم واحد قبل أن يسود الصمت من جديد...

بردت نار، واشتعلت نيران أخرى فى قلب سائدة..لاذت بعدها بصمت غريب، وراحت فى ذهول تسترجع اسباب اقدامه على فعل هذا ..هل كان يريد طفلا من تلك المرأة؟ ولماذا لم يتزوجها رسميا إن كان هدفه ذلك؟ ولماذا لم يصبر قليلا؟ فطبيبها الذى يتابع حالتها، كان فى غاية السعادة مؤخرا عن النتائج المذهلة فى امكانية الانجاب بسهولة ويسر، بعد علاج طويل وحثيث.. هل كان يحرص على عدم جرح كرامة زوجته وحبيبته؟ وهل اعتقد بأن مثل هذا الزواج لا يثير سخط الزوجة او تذمرها؟ بصفته زواجا غير معترف به مدنيا، وان كان حلالا وجائز شرعا .. وهل كان يريد اثبات رجولته بعيون الآخرين فى مجتمع ذكورى عشائرى؟ اسئلة محيرة تتوارد على رأسها بسرعة البرق، لن تجد لها اجابات مقنعة، طالما زوجها لم يستعد وعيه وإدراكه، فيجيبها عن تساؤلاتها التى جعلتها تفقد تركيزها وتوازنها، و تعصف بأحلامها ومستقبل سعادتها ...وهل تغفر له ما فعل ؟ هنا تهرب بصمتها وتتوقف! لكنها توصلت الى حقيقة حاجتها الملحة الى راحة كاملة فى بيت أهلها.. لتقرر هى لا غيرها خطواتها القادمة...

مضى شهران على سائدة فى بيت أهلها بينما كان الأب يتابع أحمد عن قرب، وقد تفهم حالته وأسباب اقدامه على ما فعل، ولأنه رجل يعى معنى حاجة الرجال كى يشعرون برجولتهم كاملة فهذه هى ثقافة بيئتنا وعاداتنا وتقاليدنا التى تطغى على اى تفكير آخر.. فيجلب له ممرضة تعينه وتتابعه فى بيته ويباشره بنفسه يوميا، يقضى له حاجاته وطلباته، فاحمد يعيش وحيدا حيث هاجرت أسرته منذ اعوام طويلة.. كانت سائدة راضية بداخلها عن تصرفات والدها الحكيم، بالرغم من شعورها بجرح غائر لكرامتها، لكن فى أعماق قلبها، يقبع حبا لأحمد ما يزال نابضا، يزداد كلما ازدادت ايام البعاد ..حتى دار حديثا صريحا بينها وبين والديها بعد عشاء هادى، وأجواء بدت مريحة ومؤاتية فى ليلة مباركة سارعت باتخاذها قرارا لابد منه...

لاحقا.. يدق جرس الباب..تفتح الممرضة.. تطالبها سائدة بمساعدتها على ادخال حقائبها..تسارع الى زوجها ..تقف بباب غرفة نومها..يشتم عبق عطر الميموزا الذى طالما اهداه لها.. تدب فيه قوة ما وهنت.. يفاجئ الجميع بعزيمة وإصرار آخر.. فيقف على قدميه لأول مرة دون عكازه! يسعى اليها.. تحتضنه، تمسح عن خديه بلورات ساخنة، تتساقط بصمت حتى بللت لحيته .. وتخرج من حقيبتها ورقة أخفتها عن والديها.. هامسة فى أذنه: مبروك حبيبي.. ابننا فى الطريق قادم، ليبعث سعادتنا من جديد.

انتهت.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى