أبو معروف لعّاب الأرغول يقول

دقة المهباج بلدنا فرّاضية كانت من أحسن البلاد

، بقلم سعود الأسدي

المهباج هو جرن القهوة الخشبي وتسمِّيه العرب العزّام , لأن دقّته في بيوت شيوخ العرب كانت تعزم القوم لشرب قهوة الصباح , ولدقة المهباج صدى في نفوس الناس إلى أيامنا هذه ، ولكن لا كصدى دقة الأرغول , تلك الأداة الموسيقية الشعبية البسيطة في صنعها الساذجة في تركيبها, والصعبة في الاداء عليها ، وتقيم عرساً وحدها !!

الأرغول أو اليرغول كالمِجْوِز والشبّابة له عازفون محترفون أصحاب صنعة في المجتمع البدوي والقروي الفلسطيني ، والحاذقون منهم قلّة قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة , أذكر منهم" طحيمر" من عرب المواسي وقد ذاع صيته أيام الانتداب البريطاني ، لجأ إلى سوريا عام 48، وكانت له دقّات رائعة في إذاعة دمشق ، وكذلك " أبو تنها " من قرية عليوط بجانب الناصرة ، ومن أشهرهم وأمهرهم عندنا اليوم العازف الشيخ أحمد عبد عطور, المعروف بابي معروف , من قرية " فرّاضْية " وقد هُدمت سنة 48 ، يسكن " الرّامة " حالياً ويبلغ من العمر 85عاماً تقديراً .
وأبو معروف يقول : قضيت من عمري ستين عاماً وأنا ألعب على القصب في الأعياد والأعراس ومناسبات الأفراح في قرى الجليل .

لحديث أبي معروف طلاوة قروية أصيلة , وحلاوة كحلاوة رُبّ الخرّوب ، ونكهة كنكهة طبخة العَكّوب ، ترى وأنت تسمعه في نوادره وقصصه وحكاياته الناس وتقاسيم وجوههم , وهم يعملون ويتحركون و يسرحون ويمرحون في الأرض التى عَمَروها في السواحل وجرود الجليل عندنا .

أما ضرب الأرغول , فترى فيه صورة الأشياء في ريّها وعطشها وشبعها وجوعها وابتسامتها ودموعها. وأبو معروف ما فتىء يردّد :

عا بيـوت الناسْ لا تضـرب حْجارْ
يمكن شي مرّه يْكونْ بيتَـكْ من قَزازْ
وْلـوكانْ شَبّتْ في بيـوت الناس نارْ
صُبّ مَيِّـه عَ اللهَـبْ لا تْصُبّ كازْ
وإنتِ وأنـا قدّيش مِنْحِـبّ الكنارْ
لكـن فلان مِنْقُـول عنّـو طيـر بازْ
والبـاز لمّـا يْغُـفّ عَ طيـور الزغارْ
لا بتردعـو مَكِّـه ولا كلّ الحجـازْ

حكمة فلسطينية عميقة تدعو إلى نبذ الشر ، وتقر على مايبدو أن الشرغريزة بديل الباز الجارح الذي يسطو على ضعاف الطير، ولكن أبا معروف يصرّ علىالجمال والخير والتفاؤل لذا يقول :

يا شاعـريِّـه قومـي تانمشي طْفاشْ
عَ دْروب لِكْـروم وْعليِّـي تْعـرّفي
كلْ منْ بيحمـلْ ناي بَدْفَعْلُـو معاشْ
بَس بْشَرِط يعــزفْ ويشرحْ موقفي
القَصَب في الوديان منجيبـو بـلاشْ
بـس بَــدَّكْ نـاسْ تَبْقَى مْوَلَّفِـه
تُضْرُبْ على الأرغول وْما تضرب دْباشْ
الضّـْرب عَ الأرغـولْ بَـّدو مِعِرْفِه

- إي بالله ، الضرب عَ الأرغول بدّو معرفه !
طيّب يابو معروف ! بتقدر تقوللي الأرغول شو بقول ؟

فحكّ أبو معرف جبينه وقال :

ولو تسأل الأرغـــول شو عمّا يْقولْ
بِقُــولْ يا دلـــعونا ظَلّي تْدَلْعَنـي
ويازريف الطــول ولو ليلَكْ يطـولْ
مش ممكن تْظـــــلّ الليالي مُحْزِنِه
وْلَسْبِدّ ما نجـــم السّعِدْ بعد الأفولْ
يطلع علينــا وبالسّعــــادِه نغتني
وِالميجنــــا في بْيوتنا تْدُقّ الطُّبـولْ
وِبْكلّ يوم فْـراح عاطـــول السنِه

* إنشاالله بسمع منك .

و يحدثك أبو معروف عن طفولته أيام تركيا وعن " السفربرلك " أحاديث وكأنها جرت أمس القريب , ويسوقك حديثه إلى أيام بعيدة ، ويستوقفك عند ماساة مذهلة , بدقائقها وتفاصيلها يقول:
- في يوم من الأيام أجتنا عزومة على عرس في " الراس الأحمر" قال أخوي محمد : أنا بدّي أروح . قللو أبوي : وين بدَّك تروح يا محمد ؟! قللو محمد ع العرس ؟! قللو أبوي: والعنزات يا محمد ؟! قللو : أرضيت أخوي محمود وهو يسرح بدالي ..
قال أبوي : بَدِّيش تطلع !!
ليش ما أطلعش ؟! أنا معزوم رسمي ، وشو أقول لصحاب العرس ؟!
وخرج الولد مغاضبا وهو يسمع دعاء والده عليه : روح يا بعيد ! ألله ريتك تيجي محمَّل على ظهرك !! ورجع الغلام محملاً على ظهره فعلاً .

طلع على العرس وتعلّل .. ولما نزلت الخيل والخيالة والبارود ثاني يوم على الزفّة , وبدي الطراد في مرج الراس ، وهيك الله بَدّو عثرت فرس " علي شناعة " من " طيطبا ، وعلى شناعة زلمة مُرّ ، وخيّال يعجبك ، وابنه خالد كان أنشط خيال في المنطقة يركب الفرس عِرِي (بدون سرج ) ويتدلى تحت بطنها وهي في الميدان مثل البرق ويرد يرجع وتقوم الزغاريت , قلنا عثرت الفرس وكان علي شناعة يَشْكِل على وسطه فرد قرداغ فثار الطلق فطبت الرصاصة في أخوي , وشخص ثاني من عرب " المحمّدات " أخوي مات على الدُّخَّانة , والثاني تبع عرب المحمدات واللي صرلو متجوز بس جمعتين , مات في الإسبطار بعد أسبوع من الحادث.

عرب المحمدات وأهل فراضية صاروا يغازوا طيطبا , وأخوي محمود يقول : دخيلكو خذوني معكو تاخذ بثار أخوي.. أيش بدّك بالطويلة ، ضاق الحرف على أهل طيطبا , فقام علي شناعة وكاتب مشايخ الجيرة ( الجليل الأعلى ) ومشايخ الساحل وعلى راسهن الشيخ صالح أفندي المحمد تبع المكر ( قرية إلى الشرق من عكا ). وتواعد الأفندي مع مشايخ الجيرة والساحل على الملتقى يوم الجمعة على عين " فراضية " وفعلاً هيك صار .. وأقبلت الجاهة على أبوي , فصار أبوي يؤهّل ويسهّل بالناس ، وكان في عندو عرس لولد من ولادو , وبلا طول سيرة , صار الذبح والنفخ والنسوان طبخت, ولما تسوكر العشا وأبوي مدّ السّماط , وقف بالبيت من الجهة القبلية والجاهة قاعدة على الفراش من جهة الشمال , وقال لصالح أفندي : يللا يا بو محمد تفضّل ! إعزم على خيرك !! قام صالح أفندي وقال : وعقد الهاء وكسر الميم ما حدا بذوق الزاد الا بحقوق أبو محمد ـ يعني نفسه ـ وحقوق الغانمين من الجاهة الكريمة . قال أبوي : إعزم وكمالة عشاك الأولاد الباقيين . سيعتها شكّل الأفندي عن ذرعانو ، وعزم على الجاهة ، فتعشّوا وشربوا فنجان قهوة وتحلّوا .

بعدها يا أفندم سُليم فزّ أبوي ووقف عَ حيلو قبال صالح أفندي وقللو : شوف يا بو محمد ! اليمين اللي حلفتو ما تذوق زادي الا بحقوقك وحقوق الغانمين خذها من أبو نوفل ـ يعني نفسه ـ ووجه الله الكريم ووجهك يا أفندي ووجوه المشايخ الحضور إلاّ ييجي علي شناعة مبدّل وراكب فرسو ، ويحوِّل هون ، وأبدًا ما بيجي وعقالو وحطّتو في رقبتو إلا عادي كأنّو جاي لعندي ضيف معزّز مكرّم ! فبعث صالح أفندي ليلتها ورا علي شناعة ومثل ما بدّو أبوي حضر من ثاني يوم لفراضية ، وهو يَمّك مبدّل وراكب فرسو العادة وزيادة وفات على الجاهة دوز دغري في بيت أبوي .. فز أبوي ووقف وسلم عليه وحبّ راسو من هون ومن هون ، وهو كمان هدّ على إيد أبوي بدو يبوسها بالقوّة ، أبوي منعو ، وراح جاب كرسي وعزم عليه وقعّدواعَ الكرسي , ولما الزلمة قعد واطمأن سيعتها قال أبوي : هاتوا لي موس حلاقة وصابونة وفرشاية !! وجابوا عدة الحلاقة والموس أجا أبوي دَرَعْ حطّـة الزلمة وعقالو ( ردّهما إلى الخلف ) وزينّو وقللو : إني أعتقتك لوجه الله تعالى ولوجه الشيخ صالح أفندي ووجوه كل الغانمين ، و هيك سمح أبوي بدم أخوي ، ولا عَطْوِِه ولا دِيِّه ولا قرش ولا نُصّ لأنّو الحادث هواة غلبة من الشيطان وقضا وقدر !!

وهنا أخذت أبا معروف فترة صمت فأشعل سيجارة عربية ونفث الدخان ثم قال: صالح أفندي مشي في مادة 85 صلحة ، وآخرها قبل ما ينقتل لرحة الله مشي في صلحة عند دار الميعاري في بلدنا فراضية .

وليش يا خوي !! محمد سرحان من " الكابرة " كان زعيم كبير وعزم يوم عرس ابنو من مشاريقها لمغاريبها , وكان من جملة المعـازيم حـوالي 50 خيّال من " صفـد " وأغلبهن من " الخضرات " ، ويوم الزفة تع يا واحد من الخضرات عثرت فرسو فطلع الطلق طب في العريس وِالاّ هو مكوَّم لا من إيدو ولا من حديدو !! هجمت الناس على القاتل وصارت غاغة طويلة عريضة .. قال أبو العريس شو السيرة ؟! شو هالقلابالق ؟! قالوا: راح العريس !.. ولكو كيف راح ؟! قالوا راح هيك هيك . عندها صاح أبو نايف (محمد سرحان ) : هيه يا خيّالة!! خلّوا الميدان على حالو ، وقيموا القتيل وجيبوا أخوه بدالو ! وهيك صار . وجابوا أخوه بدالو وركّبوه على الفرس ، وخلّوا العرس ماشي وصار أبو العريس يجسّر بالأمّة ويحمّس : غنّوا وارقصوا يابنات !! يللا يا شبا ب ليش بتردوش عَ الحادي يا حلالي يا مالي حَمُّوا السحجة !!ما صار إشي إلاّ ما صار قبلو .

ولكن شو بَدَّك بالنتيجة انكسف العرس ع آلاخر , وقامت الصفدية يومها ولاذت عند أحد المعزّبين في " الكابرة "… وتشاوروا .. وقالوا : يا معزّب الرحمان بدك تروح عند أبو نايف ( محمد سرحان ) وتقللو : الصفدية بسالو خاطرك وبدهن ييجوا يدفعوا " مادة " (عطوة) . راح المعزب وحكى لمحمد سرحان , فقللو محمد سرحان : سلم على الخضرات كثير السلام , وقللهن : ما يفتكروا في شيء ولا يرتعشوا من شيء , إبني وسمحت فيه .

رجع الطارش للناس وقال: سمح فيه .. ويقول أبو معروف هنا هاي الحادثة مثل حادثة العبد عطور يعني والده , ثم يستمر قائلاً:

منرجع للخضرات والصفدية , حملوا الجماعة حالهن وروّحوا, وبعد فترة بدهن عاد ييجوا ويسلّموا على محمد سرحان , وأجوا لك هالصفديّة يا خوي حوالي 40خيال ومعهن 40 جمل و40 بغل , كل جمل محمَّل عليه شوالين رز من هون شوال ومن هون شوال, والبغال محملة قفف قهوة, قفتين على كل بغل .. وصلوا الكابرة , شاف محمد سرحان هالشوفة ما تم براسو عقل كيف هاذا صار؟! أنا سمحت من زمان وشو عدا مما بدا وحلف يمين وعظّمو ما حبة رز أو حبة قهوة بتفوت دارو ، وراح مسك برسن فرس الشيخ صالح أفندي لِمحمّد وقال : بجيرة الله وجيرة الافندي وكل الغانمين فلا بتحطَّط لا جمل ولا بغل , ورجعت الجمال والبغال على صفد .

فاتوا الصفدية والجاهة بمعيّة الأفندي على محمد سرحان , وسلّموا عليه وقعدوا وقالوا ومن جملة ما قالوا : مثيلتك هاي يا بو نايف ما صارت إلا في فراضية عند العبد عطور. بالأخير بتعرف الصفدية ما بفوتهن من الكمال شيء أجوا سيعتها قالوا لمحمد سرحان : يا عمنا يا بو نايف بدنا منك طلب واحنا منتأمّل من الله ومِنَّك تلبّيه .

قال: بتمونوا ع رواحنا وع اللي منقدر عليه تفضّلوا !! قالوا : إنت مادة ما أخذت منا ، وما كلفتنا حق فنجان قهوة أو سيجارة , وبسوى بقا تكرّم هالوجوه وما ترفض طلبنا , بدنا ابنك نايف يكون رئيس لصفد , وهو القايل وهو الماين المصترف .

قال أبو نايف : الابن ابنكو واللي بتفصّلوه منلبسو .. وقال الجمعة الطالعة انشالله بكون نايف في طرفكو. وحمل نايف زهابو في الموعد وطلع على صفد , وصار هو القايل والماين في المجلس مدة 7 سنين . وبتعرف الصفدية عملوا لزلمتهن معاش وإنت مش غشيم منشان ضيافة ومصروف لعيلتو ، ويوم اللي طلبت البلاد أهلها وأجا نايف يروّح عَ الكابرة عملوا له حفلة طويلة عريضة وودعوه مثل ما استقبلوه .

شوف يا عمي يا سعود أبو أيش بلا زغره ؟!
أبو عبدك تميم .
ألله يتمّ عليك وعلينا بالخير!!

شوف يا بو تميم !! الآدمي آدمي ، والشبعان شبعان ، والمكارم إلها صحاب ، قلنا إنهن الصفدية عملوا لنايف معاش ، ولما هيك على غير إكْتَلَى ( بالصدفة) فتحوا خزانة المجلس لقوا كل المصاري اللي كانوا يخصّصوها لنايف مصفّطة في الجارور ليرة فوق ليرة ، ونايف الله يسهّل عليه مش صارف منها ولا متليك واحد ولقوا منّو مكتوب طويل عريض بشكر فيه أهل صفد كبير زغير .

بعدين يا بو تميم سألتني عن بلدنا وأهل بلدنا , مش حميدة مني في بلدنا .. بلدنا كانت من أحسن البلاد , إسال أبوك أبو السعود وأبوك شاعر بروح وبيجي في البلاد وبعرفها مليح ، واسأل كل الناس .. بلدنا كان فيها عائلات : دار عطور جماعتنا , والمشايخ, ودار شمس, ودار كرّوم , والبدارنة .. لكن كانوا كلهن عيلة وَحَدة , كانت بلدنا خضرا ملانه بساتين وخضار حيث فيها نبع وفش أهمّ منّو , قوّتو 12 إنش صيف شتا لا بخسّ ولا بزيد .
- طيب يا بو معروف مين اللي علّمك تلعب عالقصب؟

-  بدك للصراحـة والصحيح أنا تعلّمت من حيـاة أخوي محمـود وأخوي الكنـج , ولكـن أنا حكمـت عَ القصب أكثر منهن , اسألني ليش؟! شو السبب؟!
- ليش؟! شو السبب؟!

-  هه لأني سرحت بالمعزى 24 سنة طَقّ العصا ، وطول النهار ألعب , وأنا سارح العب ، ولما أورد ألعب ، ييجوا الحطّابات ع الوعر يحطّبوا ألعب بعدين في الأعراس حضرت أعراس على عدد شعر راسك ، وأبوك شاعر ورافقتو في الأعراس من أربعين سنه وجاي وكان ينبسط معي كثير ( وهو يبتسم ) أي بيني وبينك كنت أريّحو !
-  ومين أشهر اللعّيبة ع الارغول يا بو معروف أيام العزّ واليوم ؟

-  شوف يا بوتميم اللعّيبه المعتمدين مش كثار بذكرحياة حسن عزيز من ميرون بلد أبو السعيد محمد عبد كعوش, كان لعّاب يعجبك , وخالد طحيمر السيلمان من عرب المواسي هاذا طب في سوريا وإلو دقات منسمعها من إذاعة الشام , هاذ لعّاب ما بتصورش في مثلو بكل بلاد الشام .

وفي واحد بقا من نحف اسمو أحمد الدروبي أبو محمد الله يرحمه كان يمسك اليرغول مع الجماعة من عكا يوم ما كان فيه أوتومبيلات ويظل ماشي ويلعب من بوّابة عكا لتينة نحف ( مسافة عشرين كيلو مترا) وفي كمان كمال أبو عوض الحطيني هاذا كان بلوة من البلوات يوم ييجيك في زيارة النبي شعيب مع شباب الدروز كانت جبال حطين ترقص على نغماتو, وكمان كان حياة أبو تنها من عيلوط ، وفي شبّ ناشىْ مش بطّال من يافة الناصره إسمو معين حسين من الخلايلة .
-  طيب يا بو معروف واحد مثلي أنا معلّم مدرسة كم سنة بدي تا أتعلم على اليرغول؟

وهنا فتل أبو معروف شاربيه وقال: قلتلك قبل شويّ أنا 24 سنة سارح بالمعزى وألعب على اليرغول لحتى حكمت عليه.

- قلت له : يا زلمة الدكتوراه بدها سبع سنين ! وهنا قهقه أبو معروف وقال : هاتلي كل الدكاترة والصحفية والشّعّار اللي مثل أبوك ومثلك إذا كان واحد منهن بعرف يشبِّب على شبابة مش يلعب ع القصب ، والشبابة هويّنة تصفير والقصب سحب نفس وقلب متواصل !! شو مالك ؟! القصب شغله مش هويّنة .ألله أكبر ! بعدين بتقول دكاتره ! الدكاتره مملّيه الدنيا ولعّابين المجاوز بنعدّوا عَ الأصابع !
- قلت: طيب يا بو معروف خلّينا نفوت في الجد هاذا أرغول شو أسامي أقسامو ؟
وأخذ أبو معروف يسمّي الأسماء :
البنيّات, العرايس, بتّة اللعب, بتة الدوّاية, الدوّاية .
- وسالته عن كيفية صناعة هذه اليراغيل وكيفية المقاسات والأطوال ؟
وكان جوابه ما معناه :

إن المقاييس ليست بالسنتمتر بل بالقيراط (حسب أصابعه هو ) , أربع قراريط من فوق عند البنيات ,والعرايس ناقصة قمحة , ومن تحت أربعة ، والخُزوق ( الثقوب) ستة وبين الخزق والخزق قيراط , وبتّة الدواية من 3-4 قراريط , ثم يُشدّ بالخيوط ويشمّع على مفاصله بشمع العسل ليثبت فلا يتزحزح , وأحسن ما يجعل الأرغول قريبا للايجاب استعماله وكلما عتق القصب جاد , بذا يكتسب المجاوبة والصوت الحنون.

وفي الختام عزف أبو معروف برغم مأساته الجسدية فهو مبتور الأصابع إلا من البراجم الأخيرة , وكذلك من غليظ الفخذين بسبب مرض السكري ومشاكله كما يقول . ورغم ذلك فهو يدخّن بشراهة ، ويعتبر الدخّان مثل الحُبّ كلاهما بلاء.

وبرغم البلاء فأبو معروف يبتسم ويضحك ، وهو كث الشاربين والحاجبين وعيناه سوداوان ووجهه اسمر, ولما سالته عن طوله قال : كنت شرط الرجال لا قصير ولا طويل ولا سمين ولا نحيف .
وأبو معروف مُقْعَد كما وصفت ولكنه لايتأخر عن أداء الواجب والعزف في أفراح الجيران وحارة "الدَّبّة " في قرية الرامة حيث يسكن غالبية المهجرين من فرّاضية ، وقد أضناه الداء وأعياه , لكنه لم يفتّ من إرادته الصلبة ومعنوياته القوية يثابر على صنع اليراغيل, وهي للأصحاب والهواة, ولمن يرغب ، وهو يقول : خللي الناس تنبسط !! انبسطنا بحياتنا كثير .

قال ذلك وهو يلم شعت يراغيله في سفط من كرتون ، وقد رتّبها على أحجامها : الغليظ لدبكة الزلام الكبار والختيارية ، والمتوسط للشباب, والرفيع الحنون للنسوان.

يمتدح أبو معروف القصب الذي يؤتى له به من وادي الليمون جنوب غرب صفد ، أو من قرية عين الأسد , يقول : قصب وادي الليمون وعين الأسد ثابت لا يفسخ لأن قشرته مش رقيقة .. والأمل موجود يا بن بو سعود ! وأبو معروف أبو معروف !!

ملاحظة : الفقرات الشعرية الثلاث التي في صلب المقالة هي للشاعر : سعود الأسدي .

ملاحظة

تاريخ اللقاء 15 تموز 1987
لكنه يصلح لكل زمن


سعود الأسدي

شاعر فلسطيني من كبار شعراء فلسطين

من نفس المؤلف