الثلاثاء ٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٥
بقلم جميل السلحوت

اليوم السّابع تحيي ذكرى سميح القاسم

خصّصت ندوة اليوم السّابع الثقافية في المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ في القدس أمسيتها الثقافيّة لاحياء الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الكبير سميح القاسم.

وممّن كتبوا بهذه المناسبة:

نسب أديب حسين فقالت:

ومضات على أرض ثابته سارت عليها قصيدة سميح القاسم

من يعرف الشاعر سميح القاسم عن قرب وأطلع على سيرته وقسمٍ من إبداعه الأدبي، سيلمس خصالا كثيرة، تلوح جلية من كتاباته، لتبدي التشابه بينها وبين شخصيته الحقيقية، أهمها اتساع الأفق والصدر، التواضع، الجرأة والشجاعة، الأمل والابتسامة المشرقة.

وعندما نبحث عن بعض المقومات الأولى التي دعمت القاسم في خطاه، يتجه نظرنا الى البيئة الأولى التي نشأ فيها، صوب قريته الرامة والتي تقوم على سفح جبل حيدر، ويتميز موقعها بأفقٍ رحب، فيتمكن سكانها من كروم زيتونهم الإطلالة على بحيرة طبريا في الشرق والبحر الأبيض المتوسط في الغرب، ويمتد أفقها جنوبًا حتى تحده جبال الكرمل.
الطبيعة والأفق الرحب، يشكلان بيئة خصبة للإنسان المبدع، لينطلق ويحلق بخياله، ويبحث خلف هذا الأفق عن آفاقٍ أخرى. هذا بالنسبة لطبيعة المكان، وعند التوجه الى النسيج المجتمعي الذي نشأ فيه سميح، نجده نسيجًا ملونًا يشمل ديانات وثقافات متنوعة، فقد شكلّت قرية الرامة مركزًا لجميع القرى التي حولها، وتميزت عائلته بعلاقات اجتماعية كثيرة. وكان قد أشار القاسم في أحد أحاديثنا الى أهمية هذه التعددية في حياته وحياة العائلة، لأن التعددية وتقبلها هي تربية ونهج حياتي لتتقبل من يختلف عنك كأمر طبيعي، وليست التعددية أمرًا يمكن القبول به أو احلاله خلال وقت قصير. نشأ سميح القاسم في بيت يقع في مركز القرية القديمة حيث تجاورت بيوت السكان من طائفته الدرزية والطائفة المسيحية، وقد جمعت العائلة والطوائف المسيحية في القرية وعائلات من الطائفة الاسلامية من قرى ومدن مجاورة علاقات صداقة قوية، وصلت في أحيان كثيرة الى إعلان الأخوة والقربى. إضافة الى اهتمام العائلة بدراسة أبنائها وإرسالهم الى المدن لاستكمال دراستهم الجامعية، كل هذا أوجد أجواءً من الانفتاح الفكري في البيئة التي نشأ فيها سميح القاسم، الذي غادر قريته لاستكمال دراسة المرحلة الثانوية في الناصرة ثم الجامعية في حيفا.

ناهيك عن هذا اهتم القاسم بتطوير معرفته وثقافته الذاتية، لتتسع قراءاته في الأدب والفلسفة والديانات وغيرها، ليتسع أفق رؤياه أكثر، وليكبر وطنه، فيعبر أفق جبله وبلده فلسطين، ليرى العالم العربي موحدًا كله. ولم يسمح للحواجز والواقع الصعب بأن تعدم رؤياه لوطنه الكبير، أو تحدّ من حلمه بإقامة الدولة الفلسطينية.

اعتبر القاسم الثقافة أداة مهمة جدًا في يد الشاعر أو الكاتب، ومحددة لمدى تقدمه وتطوره، وأخذها في حساباته عند تقييم الأعمال الأدبية، فكان عند ذكر بعض الأسماء، يشير الى أنّ شعرهم جيد وجميل لكنّهم واقفون في ذات النقطة لا تتقدم ولا تتنوع طروحاتهم الأدبية، بسبب قلة الثقافة. بذا كان في كل حوار بيننا عن الأدب يشدد على أهمية القراءة.
انطلاقة سميح من قاعدة فكرية قوية، جعلته يقف صامدًا في وجه عدوه، الذي جاء محاولا تغيير وتشويه الحقائق لا يتردد القاسم في الوقوف في وجهه ودعوته "لا تعدوا العشرة"، "كسروا.. كسروا العظام، ستغدو مزهرية عظامي المكسرة.."، "تقدموا تقدموا"، ليكون بعزم ارادته هو المنتصر على قاتله. يتميز القاسم أنّه جريء يملك الكثير من القوة والشجاعة في الحياة وفي القصيدة، هذه القوة في أن يقول ما يريد دون أن يكيل الكثير من الحساب الى أحد، أضفت الكثير على شخصيته، وهو القائل:

لا أستأذن أحدًا !
بهدوء ورويّهة
أقذفُ حَجَري
في وجهِ الكرةِ الأرضيّة وأغني
لعواصف سُخطي في ليلِ البشرية

لكن هذه القوة أو الثقة بالنفس لم تجعله إنسانًا برجوازيًا منطويًا على ذاته، بل كان متواضعًا شعبيًا يقارب ويستقبل كل من يقصده.

وفي كتابة القاسم لسيرته "إنّها مجرد منفضة"، ليست مصادفة أن نجد الصفحات الأولى تتجه الى شجرة النسب التي أرّخها ابن عمه د.أديب القاسم حسين، أو الى تاريخ العائلة، فأمام الهجمة التهويدية يصبح تأريخ روايتنا الفلسطينية وقصصنا الخاصة حاجة مُلحّة. بذا وجدتُ من سميح القاسم تشجعيًا كبيرًا بإتمام تحويل بيت جدي القديم والذي يعود بناؤه الى ما يُقارب 350 عامًا الى مُتحف على اسم والدي، بعد أن طلب من فنان من الناصرة رسم شجرة العائلة التي وثقها أبي. وعندما استكملتُ عملية الترميم للبيت، قدم لي الكثير من القطع التراثية، واهتم لطيلة سنوات بتقديم ما يتسنى له من قطع تراثية للمُتحف، مشددًا دومًا على أهمية أن يكون المكان مفتوح الأبواب محتلا مكانته الثقافية في القرية.
روح سميح القاسم التي تميل الى الفكاهة والدعابة ورؤيته المشرقة، بعثت الكثير من الأمل في قصيدته وفي كل من قاربه.
هذه الخصال هي ميّزات مهمة مضت عبرها قصيدة سميح القاسم، لتلامس روح من التقاه سواء كان ذلك شخصيًا أم في القصيدة، لتشده صوبه أكثر فيحبه ويقدره ويعتبره شخصًا مقربًا منه.
وقال عبدالله دعيس:

النبرة الخطابية في شعر سميح القاسم
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنمٌ
وكل ارض تحتكم جهنم
تقدموا
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتسقط الام على ابنائها القتلى
ولا تستسلم
تقدموا
تقدموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتموا
وهدموا
لن تكسروا اعماقنا
لن تهزموا اشواقنا
نحن القضاء المبرم
تقدموا
تقدموا

ويمضي الشاعر سميح القاسم بهذه الروح، وهذه النبرة الخطابية التي تأمر وتنهى وتؤثّر وتحرّك حتى نهاية قصيدته.
فقد جنح الشاعر سميح القاسم في كثير من قصائده نحو النبرة الخطابيّة، وابتعد عن الشعر المهموس الذي يداعب أوتار القلب لصالح الأسلوب الخطابي المباشر، فالشاعر حمل على عاتقه هموم وطنه وأمّته وكذلك حمل رسالة عالميّة يبشّر بها كل من سعى للحريّة ووقف في وجه الظلم أينما كان، فكان لا بدّ له من الإقناع والتأثير في الناس واستمالتهم وإثارة الحماسة فيهم، وليس أفضل من نبرته الخطابيّة العالية التي تتجلى في كلمات قصائده وفي طريقته المميّزة في الإلقاء، لتؤدي هذا الدور الهام في التحريض والتنبيه.
فنلحظ في قصيدة تقدّموا، مثلا، شدّة اللهجة ووضوح الخطاب والمباشرة في إلقاء المعاني والألفاظ. ونشعر ونحن نستمع إلى الشاعر يلقي قصيدته أننا أمام خطيب مفوّه يمسك بأطراف مشاعرنا ويهزها بعنّف مثيرا الحماسة فينا دافعا لنا لننهض ضد الظلم والعدوان. فيجعل كلمة تقدّموا، التي يخاطب بها المحتلّ، هي اللفظة المركزيّة التي تتمحور حولها القصيدة، ويكررها ويكررها حتى تشعر أنّك ستندفع بقوّة خلف كلمات الشاعر، وتتخيل الأرض والسماء وهي تتحوّل إلى جهنّم تلتهم الأعداء. والتكرار كما هو معلوم يقوم بدور كبير في الإقناع مثلما يعكس التجربة الإنفعاليّة للشاعر. فتكرار كلمة تقدّموا لم يأت من فراغ وإنما أتى بها الشاعر لتقوم بدورها في تحريض المستمع وتجيير مشاعره نحو الهدف الذي ترمي إليه القصيدة.
ويكثر الشاعر من استخدام أفعال الأمر، وهذا من سمات النبرة الخطابيّة وميزاتها. تأمل قوله: تقدموا، وهددوا وشردوا ويتموا وهدموا واقتلوا. وكذلك أسلوب النهي كقوله: لا تفتحوا مدرسة، لا تغلقوا سجنا، ولا تعتذروا، لا تحذروا، لا تفهموا. ونلمح أيضا النبرة التهكميّة في كلامه عندما يخاطب الأعداء ويفضح سلوكهم، وهذا من فنون الخطابة وأساليبها.
ويستخدم الشاعر ضمائر المخاطب بشكل مكثّف في قصيدته، فهو يخاطب المحتلّ وكأنه ماثل أمامه، وهذا أيضا مما يضفي على القصيدة روحها الخطابيّة، ويساعد على إلقائها بنبرة عالية مقنعة مؤثرة.

لقد استطاع الشاعر سميح القاسم بأسلوبه الفذّ، وبكلماته القويّة الصادمة، وأسلوب إلقائه الخطابيّ، أن يرقى إلى مستوى العالميّة وأن يصبح لسان كل مظلوم أينما كان، ورأس حربة تفضح المحتلّ أينما حلّ، وأصبحت كلماته عاملا في تأجيج مشاعر الفلسطينيين ودفعهم إلى مواصلة صمودهم في وجه هذا العدو الغاشم. ولتبقى كلماته تتردد حتّى بعد أن غاب عنّا؛ توقظ فينا الحسّ والضمير، ولتبقى رسالة إلى كلّ أحرار العالم.

فإن غاب سميح فإن كلماته ما زالت يصدح بها كلّ تلاميذ الوطن في صفوفهم وكل أبطاله في ساحات الجهاد: تقدّموا تقدّموا.
وقرأت آية ابراهيم جوهر عددا من قصائد الشّاعر الرّاحل.

وتحدّث عدد من الحضور عن سميح القاسم، منهم مدير الندوة ابراهيم جوهر، محمود شقير، جميل السلحوت، د. سناء العطّاري، بكر زواهرة، رائدة أبو صوي، ديمة السّمان، د. وائل أبو عرفة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى