الاثنين ١٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٦
بقلم فتحي إسماعيل

عــــوســـــجــــة

تماماً في سرة السماء.. تعبس بوجهها الملتهب، تنفخ من جوفها حممًا قائظة تلسع الجباه، تحرق انسجة الملابس البترولية، تكوى اللحم الذى أوهم أن للملابس دورًا آخر غير "الستر"، تتفصد مسام الجسد ملحًا مبللاً بالماء، أو هكذا خالته أمينه، تسير محتمية بالبنايات التى تحجب عنها الشمس ولا تقيها حرّها . تشوى جلدها، مناطق ما فى جسدها خالتها علامة تفرد..خاصية تخوّل لها تيهًا ودلالاً تكاد الآن تلعنهما، تتوقف أمانيها و أسمى طموحاتها عند حمام شقتهم.. تحت الدش الصدئ تحديداً،
تزداد ضيقًا بالإيشارب، يحجز العرق الذي يطوّق الرقبة فيصبح حسكًا ينغز منابت الشعر تتمنى لو خففت قليلاً من ملابسها هذه الأيام، التي لم تكن أبداً كباقي أيامها، ناراً أُبدلت من قلق شهوراً تعانيه، خالته سينتهي ، فإذا به يتحول أتونًا مشتعلاً، ينهش صدرها ببخة تنين متعملق يحمل في أحشائه كل من عرفتهم إلا ماجدة:
-  أينك الآن ؟
وحدها فكرت و...و حدها حاولت أن تطفئ النار :
-  لكن ... بالنار يا ماجدة ؟

-  "كنا نعتقد أن بالحقيبة أدوات الماكياج.
-  أو ساندوتشات.
-  أو رسائل الغزل.
-  فإذا بها مسدسات.
-  كيدهن عظيم".
لو كانت معها الآن لردت للمتحذلقين الصاع صاعين ، غصة تخنق بداخلها الريق المزدرَد.
-  لستم بأقل منه استحقاقًا للردع.
تهمس بخاطرها...
يجيبها صوت ماجدة من قاع رأسها المترع بالذكريات :
" كائنات ضارة , أشبه بالذباب الذي لا يفرق بين العسل والدم المتخثر "
هكذا بصقتها ماجدة كرةً من القرف ... حينها كان يقف أمامهما محتميًا بفرع مائل ظلل الرصيف تاركًا الأم في مدخل أحد البنايات الحكومية، يبتسم البلل على شفتيه، يهش الذبابة من على الأنف الأفطس، يتسامق طوله بحدبة تقى شعرًا حالكًا لامعًا مصفوفًا للوراء بعناية وقد شُوّشَ بعضُه الأمامى وتدلى حتى الحاجبين المزجّجين، يلقى بظله على أيّهن، لا تردعه تأففات الإزدراء، لا يعنيه كرهاً يطفح على العينين ناراً،
لا تشعره بذرة أرق..لا تقلقل ثبات خطواته، تصطك ركبتا أمينة، تلتصق بصاحبتها التى ترمقها بعتاب غاضب، تحدجه بنظرتين يشتعل التقزز فيهما، تسحب رفيقتها، تفضّل نار الشمس على زمهريره اللزج.
تنفخ أمينة في ضيق توجعها الذكرى ، تهتف :

-  ليتها ما جرأت .
تسير وكأنها لا تنقل قدميها، تملّ الرنوَ إلى معلم تحفظُه ..الزحام يخنقها، يعرقل خطواتَها، الشمسُ لا تتركها بدون أن تدعس قوامها بيدٍ ملتهبةٍ، تنحني، تغرقُ في عرقها، خجلها المميت، تصلُ موقفَ السيّارات،
-  أخيراً.
تزفر في ارتياح سرعان ما يتحول إلى ألم يعتصر قلبها، هنا كانت تصافح " ماجدة " تتباعدان واليدان متشبثتان، تتراجعان والأصابع متكالبةً، والأناملُ بعد هنيهات الملامسة الأخيرة، تفترق على وعد باللقاء بعد يوم دراسى لم يتركا للهواء منفذا يحتله أو يعبره بينهما.
هنا رأتها للمرة الأخيرة ، محاطة بعشرات الأيدي ... تخبط كفا بكف ، تشوّح، تشير إلى بقعة ما في الأرض، بمئات الأعين.. يندفع منها سائل لزج نحوها، يعترى جسدها المحطوط في البؤرة ، يأكل أمينة سؤال ، يضعضع حواسها مبهم، خوف خفي يظلل محيطها، هلع حقيقي يزلزل كيانها .. يرعش فرائصها.. يترك فقط في الحلق غصة، يتحجّرُ فمها ، ترفع يدها، وصوت متحشرج مخنوق :
-  ماجدة!!
على عينيها ثبات عجيب، في وجهها إصرار قوي، لا ترى صاحبتها التي تسأل من حولها بينما تأتيها الإجابة كلمات متناثرة تخرج من أفواه عدة :
-  قتيل.
-  البنت قتلته .. مسكين.
-  كانت تحمل مسدسا في حقيبة يدها.
-  معركة انتهت بإطلاق الرصاص.
تساءلت و.." مستحيل " تلون كل حروف سؤالها برفض رمادي:
-  هكذا تنتهي ماجدة ؟
-  كذا ابدأ.
قالتها " ماجدة " للمذيع التليفزيوني، نصّب من نفسه وضيوفِه قضاةً، كانت تراها من خلف سيل دمع يحرق مآقيها،
قال أخوها :
-  لم يتركن شئ لنا، حتى الحياة يسلبنها منا، يقضين علينا بالفتنة وبالموت .
رمقته " أمينة " بغضب مرير منكسر وهرولت إلى غرفتها وتركت للوسادة احتضان ما تبقى لديها من دموع، في نفس الليلة جاءتها في مدرج خالي من سواهما،
هبطت من أعلى أم انشقت عنها الأرض؟
لا تدرى.
بيدها مسدس تضعه على كفها وتبتسم نفس ابتسامتها العذبة، في عينيها سؤال سمعته أمينة ولم تفه به "ماجدة":
-  أترينني قاتلة ؟
-  لا.
-  لماذا تخليت عنى ؟
-  ناديت عليك ولم تسمعينني.
-  سمعتك.
-  لم تردى.
-  كانوا يقيدونني ..سلاسل بعدد عيونهم وقوة رفضهم، طوقتني ، تخللت جسدي، فكوا ايشاربي، سلسلوا خصلات شعرى.
-  رأيتهم.
-  لم تمنعيهم.
-  خجلت.
-  هكذا أرادوني.
-  أنت افضل منى.
-  تريدين علاقتنا تستمر؟
-  نعم .. أنا ...أ .. أ..
تتعثر الحروف على لسانها بينما تتباعد ماجدة، تتراجع وكأن شيئا ما يدفعها للخلف حتى تختفي، تصرخ:
-  ماجدة ..ماجدة.
-  أمينة .. أمينة.
يصلها صوتٌ هامسٌ حانٍ ، يسحبُها خلال ممرٍ رمادي تفتح عينيها لتجد أمَّها تضع يدًا على صدرها والأخرى تمسح على شعرها:
-  حلمت ؟
-  ماجدة يا أمي.
-  لها الله.
-  لم تذنب.
-  القتل جرم بشع.
تعتدل في سرعة خاطفة، تراه فوق الدولاب يخرج لسانه لها
-  كان يستحق.
-  ليس لنا الحكم، وإن كان..فلا نملك الفعل، لا يأخذ الروح إلا من خلقها.
-  لم يكن آدميا.
-  لايجوز عليه الآن إلا الرحمة.
-  لن يرحمه الله.
-  استغفرى الله.
-  انه شيطان ، شيطان يا أمي.
تلقى بنفسها تحت الدش، تحتضن حلمها بالماء البارد، تُسْبِّلُ جَفنيها ، تثق في الجدران تترك لجسدها حريته، يبوح ويتنفس، ولكن اللحظة تأبى تركها والحلم يهنئان بلا ذكرى يجفل لها قلبها وتتأجج في الجسد ناراً تؤرقه، تجرحه..ولا تفلح المياه في تبريد الجراح فتبقى لترى فيها دموع ماجدة التي تبلل خمارها:
-  لم اعد أطيق لقد وصلت إلى هنا بصعوبة، يطاردني أينما ذهبت، لم يدع لي منفذًا، رنين الهاتف لا ينقطع، لا يترك أبى وأخي لحالهما، يطاردهما أيضًا، بات رواد المقهى يعرفونني، صوري يتناقلها الطائشون.
-  منها لله " مديحة " أسلمتك للشيطان.
-  بعد أن أسلمت نفسها.
-  يفرد شباكه القذرة أينما راح.
-  ولا يعدم وسيلة.
-  فرصة لا تضيعها الساقطات.
-  على أشكالها تقع الطيور.
-  خنازير.
-  أنتِ الصيد الذي تمرد.
-  يهدد آبي بنشر صوري ولا يترك أمي لحالها، يطلب مالًا ليسكت.
-  أعطوه إذا ما يريد.
-  يقول أبي أن في ذلك اعتراف بثمة علاقة.
-  والعمل؟
-  سأصبر.
تنظر للسماء بعينٍ دامعة وقلب مكلوم، تشاركها أمينة الصلاة صمتاً...،
لا تدرى أنّ أرقها جثم على قلب صاحبتها، بات همها ولمّا فعلتها انشطرت أمينة نصفان، نصف مستريح ونصف يقتله الألم، نصف يبكى صاحبتها ونصف ينشد فيها الأغانى، نصف قلق على مستقبلها، ونصف قرير بنجاتها.
-  أهو حب؟
قالتها أمينة من داخل أحد المدرجات وهى تنظر من نافذته إلى فناء الكلية، تتابع الثنائيات المتناثرة تحت ظلال الأشجار والمظلات الخشبية و... الهمس محيط...
نظرت ماجدة نظرة سريعة ثم تراجعت قائلة :
-  مودة ... كهذا الحذاء .
تشير إلى قدميها وتكمل :
-  أليس مستورداً ؟
تنظر أمينة في عينيها لحظات . ثم تنفرج الشفاه عن ابتسامتين ضالتين ، أكسبتا وجهيهما ملاحة غبّرها الحزن .
من شق ضيق في النافذة ينساب شعاع الشمس، عمود مائل يتراقص الغبار في محيطه الضيق، يضئ العتمة، يمنع انكساره عند المرآة أمينة أن ترى وجهها، لا تهتم، تتأمل الأسطوانة المفعمة بالغبار، تمتلئ حجرتها به إذن، بل الشارع..الدنيا، لا يتضح إلا بمفارقة كهذه، فى قلب العتمة، يروح شهيقا، ولا يجئ مع الزفير، يحطّ على الأثاث..الملابس..العيون.
تقلقنا الحقيقة، نكره من يكشف عرينا، والعرى ذاته اختيار.
كانت تبحث في" شنطة يدها" عن منديل ورقى حينما رأته، جفلت:
-  ماهذا؟
ابتسمت ماجدة في ارتباك و أغلقت شنطة يدها:
-  مسدس ؟ ماذا ستفعلين به ؟
-  أدافع عن نفسي.
-  أخشى عليك منه.
-  المسدس أم هو؟
-  الاثنان ..و مستقبلك.
-  الذئب لم يترك في الحاضر فرجة أتطلع منها إلى الغد، أخرج من جرابه اللعبة الجديدة، حيلة شياطين .. وثيقة زواج عرفي، طالب بالمال وإلا سيفضح أمري، لم ينتظر الرد، نشر الوثيقة بين المعارف.
بات الكل يرونها لوحته التى تمردت أعلنت أنها لم تزل ورقة بيضاء، عبثت أصابعه على أوتار السكون فأجج فى محيطها ناراً عبثا ً حاولت إطفاءها، و..ليلة حمراء... لو قضاها معها سيستريح، ويستكين الشيطان داخله .
الشرطة لا تقنعها الاتهامات المرسلة، والشرف لا يستحق الحراسة، أغلقت بابها وأسلمت نفسها للحبس الاختياري، عيون الزملاء والجيران والأقارب تهتك رجولة أبيها وأخيها، تكشف الستائر الكثيفة بينما يستلقي أصحابها على الأرائك يتفرجون، يتندرون، يمصمصون الشفاه وهم يرشفون المثلجات في ارتياح وسكينه، إلا هي .. وحدها تشعر بصديقتها، تعانى معاناتها، تخشى عليها منه.. وعلى نفسها، لا تدرى ما يخبئه الغد، لا تأمن هجمة الذئاب المفاجئة، تكتظ الصحف بأخبار الاغتصاب،
والطوفان لا يبقى على أحد،
تعتصرها المخاوف، تشلها الهواجس، يلدغها خاطر .. لو صادفها في إحدى الطرق، لو تخيرها صيدًا، تتوخى السلامة ؟ وتستبدل بالوداعة ثوب الحيات مثل من توخينها ؟
وتحلّق ... فوق هيكل الأب المنكسر والأخ الملتاث؟
والأم حين تقرأ الفاتحة فى ساعة لا تكاد تعى ما تنطقه،
لا تردع شقيقتها حين تنفلت؟
تقطف بين يدى الإثم ورودها الحمراء وتقدمها قرباناً لأمنها ؟
آصبحت ترى أخبارها بين المغتصبين والقتلة .
تفرج عنها النيابة بكفالة.
يراودها سؤال،:
-  هل تزورها؟ تحتضنها كما الأيام الخوالى؟
ترتعد، يخفق قلبها بشدة، تعييها الإجابة، تلقى رأسها على الوسادة وتروح في إغفاءة ..لا تسقطها فى هوّة كرى مستقر.

فتحي إسماعيل


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى