الخطاب الفلاحي في شعر سعود الأسدي

، بقلم رياض كامل

تعكف شعوب الأرض المتحضرة على إقامة المتاحف التي تخلد تاريخها، من خلال الرسومات والصور وأدوات العمل والطبخ والحرث والصناعة، ومن خلال الأدوات التي استعملت للدفاع عن النفس في وجه الغرباء والمعتدين، وفي وجه كوارث الطبيعة. كما تدرّس آدابها وتراثها وحضارتها للأجيال الصاعدة، وتفرض على طلاب مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها التربوية أن يأمّوا هذه المتاحف للاطلاع على محتوياتها، ودراستها لترسخ في الوجدان فتصبح جزءا من انتماء ومن هوية. ونحن في كل بقعة من هذه الأرض أحوج ما نكون إلى البحث عن آليات توثيق وتجذير ونشر كل ما يمت بصلة إلى تاريخنا، لأننا أولا بشر وإحساس ومشاعر.

ابداع سعود الأسدي مشروع تراثي وثقافي ووجداني واسع يجب دراسته بعمق والمحافظة عليه، لأنه جزء من هوية، والهوية ليست مجرد اسم، أو موقع ولادة، وتاريخ ميلاد فحسب، بل هي كذلك مجموعة أفكار وعادات وتقاليد وتراث وفكر ولغة ورؤية للعالم وللمحيط. فهناك الرسامون وشعراء الفصحى والروائيون والقاصون الذين عملوا بجد في سبيل ترسيخ الهوية والتراث، أما الذين غرسوا محراثهم في عمق الوجدان الفلسطيني الشعبي من خلال الكلمة المحكية فهم قلة. خاصة وأن خوض هذه التجربة فيها من المخاطرة والمجازفة الكثير، لأن الذوق العربي التقليدي لا يقبل بما هو مغاير، وكلنا يعلم ما تعرض له شعراء التفعيلة ثم شعراء قصيدة النثر من هجوم. فكيف إذا كانت التجربة باللغة العامية!؟

يفرض على الشاعر الذي يخوض تجربة جديدة أن يتزود بالثقة أولا، وأن يبحث عن المدهش وعن المثير. ففي كثير من الحالات كان الشعراء المجددون يضطرون إلى كتابة بعض إبداعهم بالطريقة التقليدية حتى يهادنوا ويخففوا من وطأة الهجوم، من ناحية، ومن ناحية أخرى كي يثبتوا للجميع أنهم قادرون على خوض التجربة التقليدية لا أقل من غيرهم كي يعبروا "الصراط"، وينالوا الإذن لتجاوز ما يمكن أن يعترض مسيرتهم ومسارهم. ولربما هذا ما جعل شاعرنا الأسدي يكتب قصائده العمودية التقليدية التي لم يجهد هو نفسه في تثبيتها وتجذيرها كما عمل في مجال القصيدة المحكية التي تعتبر، برأيي، من أهم ما أنجزته قريحة شعرائنا هنا في هذه البلاد. إن هذا الإنجاز كفيل أن يضع اسمه إلى جانب أهم شعراء المحكية في العالم العربي، فقد نجح في تصوير الإنسان الفلسطيني الفلاح، خاصة، كما تمكن غيره في مصر مثلا من تصوير العامل المصري المكافح من أجل لقمة العيش.

في شعره حنين إلى الماضي وحسرة لا على أيام جميلة فحسب، بل على ما فيها من تكافل اجتماعي يتجلى من خلال وقوف الجار إلى جوار جاره والأخ إلى جوار أخيه، مهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة. بل إنك تكاد لا تلمس هذه "الحسرة" على "أيام القلة"، لأن النوستالجيا، ربما أقوى من الحقيقة والواقع مهما كانا مرين. فحياة الريف فيها من "هداة البال" أكثر بكثير مما تمنحك إياه تكنولوجيا العصر الحديث. وعصا الراعي أكثر قوة من أي سلاح جارح وقاتل في هذه الأيام. أما إذا لمحنا حسرة حقيقية في شعر الأسدي فهي تلك التي تتعرض للخمول العربي والتقاعس في الذود عن الكرامة والمقدسات، إنها حسرة على ما خسره فلاح هذه البلاد وابنها:

"ستي زليخا مش عجب،
........
قالت وهي تغلي غلي
وعيونها تقدح لهب:
بيجننوني هـ العرب
بيموتوني هـ العرب
ضيعوا بلاد بحالها
بسهولها وجبالها،
بوديانها وتلالها،
بخيراتها وغلالها
بشيوخها وطفالها،
بنسوانها ورجالها
وهنّ من ماضي السنين
مشلخين مثل الحطب" (دعسة بنت النبي ص28-29)

نجح الأسدي في تصوير أهم ملامح الحياة العربية الريفية الفلسطينية، بدءا من البيت وعلاقة أبنائه ببعضهم البعض، مرورا بالأزقة والحارات وتجمعات أبناء القرية في مناسباتهم المتعددة، وجلساتهم التي تجعل الواحد منهم يقلق إذا مس القلق مشاعر الآخرين، ويفرح حين ينادي المنادي داعيا أهل البلدة لحضور فرح تتشابك فيه الأيدي وتضرب أرجل الشباب بطن الأرض بهمة وحماسة، وتميل الرؤوس طربا وتميد الهامات نشوة على صوت قارع الطبل في المناسبات السعيدة. تفوح من صدى كلماته رائحة الفل والياسمين وتتزين عباراته بالزقوقيا والفيجن والحبق. وليس عفوا إعلانه في مقدمة ديوانه "شبق وعبق" (1999):

"لولا نتفه،
كنت سميت هـ الديوان
"ورقات حبق"
لكن قلمي سبق،
وسماه:
"شبق وعبق"، (ص5)

لقد جذّر الأسدي عبر خطابه الشعري ودراساته صورة الفلسطيني في انتمائه لجذوره وتاريخه، سهوله وجباله ومرتع طفولته، في ألعابها وبراءتها وطيبتها وقسوتها. نرى من خلال أعماله ملامح المرأة الفلسطينية الفلاحة، جدة وأما وحبيبة، ونجد ملامح العجوز الحكيم، والشاب الوسيم، والعامل في أرضه، والعاشق الصادق، والمغترب في وطنه وفي الشتات، ونجد الطفل والطفلة وهما يرتعان في ملاعب الطفولة حيث الحقول والأزقة والطرقات. هذه الشخصيات جميعها تنتمي إلى محيطها القروي الفلاحيّ الذي يأكل قوت يومه من خيرات الأرض.

ومن بين تلك الشخصيات تبرز "ستي زليخا" مجسدة بملامحها وثيابها وعمرها وأحلامها وشقائها وفرحها، وبصورتها الخارجية التي تتلاءم وتتماشى مع أفعالها. و"ستي زليخا" لها دور هام في وجدان وفي ذاكرة الشاعر وإخوته حين كانوا أطفالا، يعيشون، كغيرهم من أبناء جيلهم في تلك الفترة، في بيوت من طين، يتمتعون ويشقون بهذه الطفولة كما يسعد ويشقى غيرهم، فتكون هذه العجوز مصدر راحة وهدوء ومصدر حكمة يتعلمون لا من أقوالها فحسب بل من أفعالها. فماذا كانت "ستي زليخا" في حياتها؟ وكيف يصورها الشاعر؟ وكيف علينا نحن أن ننظر إليها؟
إنها تلك العجوز الفلاحة المجربة الحكيمة التي لا تتوقف عن زيارة الأحفاد في بيتهم الطيني، حتى لو كانت الدنيا مساء، والمطر يهطل بغزارة، كي تسكب في آذانهم وعلى مسامعهم حكاياتها المسلية بجوار الموقد، فيتعلمون منها معنى الحياة ومعنى الطبيعة ومعنى الأرض، والأهم من كل هذا وذاك يتعلمون منها معنى الحكمة بعد أن سبرت أغوار الحياة بحلوها ومرها، وبعد أن حفرت بيديها وزرعت وحصدت ووزعت خيرات ما جنت على الأحباء بعطف وحنان.

"وهي الدنيا نازلة كب،
وزاخة من الرب
والجار ما يقدر يطل ع الجار
قديش ستي زليخا كانت يا حرام!!
تتقبع بخلقه حرام،
ونشوفها تدبدب لعنا في المسا،
وتفوت وتمسي،
ومن الشتا تمصي،
وتقعد على الجاعد بجنب الموقده
ونارنا يومتها كانت نار!
جفت، ولطع يابس وقرمية زتون،
مكوزة ومحجرة
ودخانها يعزق لفوق من الدخون!
ودموع ستي لمن يهلو،
وتتثاوب تقول:ع النبي صلوا!!
ولمن م هيكي ع النبي نصلي
تقلنا:
زيدوا النبي منكو صلاه
وتحكي لنا حكايات،
ساعة ونص..ثنتين..
وبعدما تنعس
تصير تتمهمز،
بدها تروح تنام" (دعسة بنت النبي، ص15-17)

إن الشخصية في الإنتاج الأدبي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمكان والزمان، وما الأفعال التي تقوم بها إلا ضمن هذا الحيز ببعده التاريخي والاجتماعي والنفسي والمادي والمعنوي. فللجد دور وللأب والأم دور في تربية النشء، أما الجدة في تراثنا فلها مكانة خاصة، هي مصدر الحنان والعطاء، وهي منبع الحكايا المسلية للحفيد الذي يتعلق بها بقدر ما تتعلق به، في علاقة عاطفية متبادلة. ومن خلال هذه العلاقة تتكشف للصغير خفايا الحياة وأسرارها، قبل أن يتعلم ذلك في المدرسة، هذا إن توفرت كما يجب أن تتوفر. فتكون الجدة، بما تقوم به من دور، مصدرا رئيسيا وهاما ومؤثرا في حياة الطفل الحفيد، بما توفره له من دفء خاص يشبه دفء الأمومة، ويختلف عنه بفضل السن والتجربة والمكانة التي تتحلى بها في عرف المجتمع الفلاحي القروي.

مهما تناقش المنظرون حول أهمية اسم العلم في العمل الأدبي ودوره فإننا نرى أن "زليخا" الاسم له دلالة ((connotation قروية فلاحية في فترة زمنية من تاريخنا، بعاداتها وتقاليدها وأسلوب حياتها، وملبسها ومشربها، وأدوات العمل والطبخ، وهي في عين الشاعر كبيرا وصغيرا المثل الأعلى للفضيلة، والبوصلة التي تزوده وإخوته وأترابه بعصارة الفكر والتجربة. (انظر: دعسة بنت النبي ص15-36) وهكذا اللغة في مفرداتها وتعابيرها ترتبط ارتباطا وثيقا بمواصفاتها وتصرفاتها وسلوكها. وبذلك نرى أن هناك ارتباطا وثيقا بين الشخصية عبر أفعالها وبين اللغة في مستوياتها مؤطرة بزمان ومكان محددين.

لقد تحدث المنظرون والدارسون عن المستوى اللغوي للشخصيات في القصة والرواية، كما تحدثوا عن اللغة الفصحى والعامية في الشعر وفي القص، وعن الدور الذي تضطلع به اللغة في مستوياتها السوسيولوجية المختلفة. ورأوا، على سبيل المثال، أن لغة الحلاقين تختلف عن لغة الحدادين، وأن لغة الصباح ليست كلغة المساء. وما دمنا نتحدث عن سعود الأسدي والقصيدة المحكية، وعن "ستي زليخا" التي تكرر اسمها في قصائد الشاعر فإني أرى أن لغة الأسدي لها مميزاتها الخاصة، في التزامها بالزمكانية، تاركا للجدة "زليخا"، على سبيل المثال، الفرصة أن تتحدث بصوتها هي، كما ينعكس في قصيدتين متتاليتين بعنوان "وهي زعلانة" "وهي غضبانة". (دعسة بنت النبي ص26-27)

يمكننا أن نتحدث عن لغة الشعر المحكية لدى الأسدي بنفس المعايير التي نتحدث بها عن لغة الشعر لدى شاعر آخر يكتب بالفصحى، فهي تتسم بالغنى الذي يميز قصيدة الفصحى الناجحة وفيها من الصور الشعرية ما يغني، وفيها نفس المحسنات اللفظية والمعنوية، سواء في الموسيقى الداخلية والقافية والروي، فضلا عن الكنايات والاستعارات والتورية والطباق والمقابلة. وهي بكل المقاييس لغة الانحراف عن المألوف في "انزياحها" عن اللغة التقليدية. وكما أن باختين يرى أن هناك مستويات متعددة للغة وفقا للشخوص ووفقا للأزمنة والأمكنة، وكما أن روبرت شولز يرى أن كل لغة بشرية تختص بثقافة تاريخية معينة فإننا نرى أن لغة الأسدي في شعره المحكي ليست لغة اليوم، وليست لغة المدينة العصرية، بل هي في أساسها لغة الفلاح الفلسطيني في القرية التي عاشت ظروفا خاصة قبل أن تحتلها التكنولوجيا الحديثة:

"يا ريت بقدر أبكي من شكل الزتون!!
بذيال صبرة،
وأغفى من شكل اللمون؟؟
بلوطة فوق الجمر تتشقق
مثل قلبي طير ومعلق،
وعيون ستي زليخا شو بكيت
ع بلادنا،
وبكّت معاها عيون!! (دعسة بنت النبي ص33)

النص أعلاه غني بالصورة الشعرية، ولا نكتفي بالقول إنه حافل بالتشبيهات بالرغم من استعمال الشاعر كلمة "مثل" لأن الصورة، كما نعلم، وكما نرى، أغنى وأكمل، كونها الإطار الأوسع والأشمل للاستعارات والتشبيهات، وهي هنا صورة حزينة أسيانة من واقعنا الفلاحي القروي، وليست بأي حال من الأحوال صورة فوتوغرافية، بل هي صورة وجدانية حيكت من الأحاسيس أكثر مما حيكت من المحسوس والملموس. وأساها نابع من الفكرة المطروحة بهذا الأسلوب الفني وبهذه المفردات العتيقة.

هناك عدة وسائل نحاور بها خطاب الأديب ونستجلي أسراره، منها الفنية و"الأدبية"، إذ عليه التمكن من الأدوات التي يستعملها بمهارة تميزه عن غيره. وهناك الأفكار التي يصعب علينا التنازل عنها لصالح الفنية مهما كان ذلك صعبا. علينا القول إن الفكرة وحدها غير كافية إذا لم تُجند الوسائل الفنية لخدمتها وصياغتها بطرق مغايرة ومبتكرة. من هنا ينبع الحديث عن هوية الشاعر الأدبية وعن تميزه. ونحن نرى أن القدرة على خلق وتشكيل لغة ذات نكهة خاصة بالشاعر هي مهمة الأدباء والشعراء الكبار. فلقد كتب كثيرون وأبدعوا وتمكنوا، فعلا، من خلق عالم خاص بهم، سواء في الأدب العربي أم في الأدب العالمي وسيظل للجاحظ، على سبيل المثال، مكانته الخاصة في توظيف اللغة في خدمة السخرية.

هناك شعراء نجحوا في تصوير مجتمعهم بمهارة متناهية كما انعكس ذلك، على سبيل المثال في رصيد صلاح عبد الصبور الشعري. ويخطئ من يظن أننا نقصد بذلك التصوير الفوتوغرافي لأن هذا شأن المصورين لا شأن الشعراء، فعالمهم خيالي لا واقعي محض، مهما كان قريبا من الواقع ومهما متح منه. إننا نؤمن ب"اجتماعية النص"، وبرأينا أن سعود الأسدي قد تمكن من خلق عالمه الفلاحي المغاير لعالم الفلاح المصري أو العراقي، أو لعالم أي فلاح لأي شاعر أو مبدع فلسطيني آخر. هناك كثافة من المفردات والتعابير التي أميل إلى تسميتها بالعتيقة، تلك التعابير التي تتصل بفترة زمنية محددة وبمكان لصيق بذلك الزمان. فالعشق له مواصفات أين منها مواصفات هذه الأيام! كما يتجلى لنا في معظم دواوينه، وبالتحديد في ديوانه "شبق وعبق" فهو يلتقي بالحبيبة "بعب التوتة"، و"براس الكرم" و"براس العين"، وتحت الخروبة"، وتشبيهاته وصوره من عالم ذاك الزمان، فعينا الحبيبة "بلون نوار العلت" وشفافها تمر.

وما دمنا في هذا المقام حري بنا أن نشير إلى قصيدته المطولة "في مغارة المعزى" (شبق وعبق ص56-65)، فهي خير مثال لذلك العشق الفلاحي الصاخب في هدوئه وصدقه وبراءته، هذا العشق لا يشبه البتة عشق شعراء الجاهلية ولا شعراء الغزل العذري أو العمري، ولا هو غزل شعراء عصر النهضة. إنه عشق الفلاح الفلسطيني الذي ينسج أحلامه وأحاسيسه من رائحة الأرض، ومن عبق سهولها ووديانها ونبتها ومن تغريد طيورها التي تشاركه فرحة اللقاء، تماما كما يميل "فيجن الوادي"، و"نرجس الوادي".

إن اختيار "ستي زليخا" نموذجا ليس أمرا اعتباطيا، فقد اعتدنا في دراساتنا الأدبية أن نركز على الرجل والمرأة عاشقين أو مناضلين، أو بحث انتماءاتهما للقرية والمدينة وما إلى ذلك. أما الجدة فلم تأخذ حقها لا في دراساتنا الأدبية ولا الاجتماعية، بالرغم من أهميتها، ولقد لاحظنا أن الأسدي يتفرد بإبراز هذه الشخصية من خلال مجموعة لا بأس بها من قصائده. وبما أننا نتحدث عن الفلاح الفلسطيني فمن الغبن إغفال هذا الدور، فهي فلاحة وأم وجدة لفلاح، يتعلم من حكاياتها ومن حكمتها وطيبتها معنى الحياة. إني أرى أن شاعرنا كان ذا رؤيا فكرية ثاقبة في تخصيصه هذا الكم من القصائد لهذه الشخصية الهامة في ديوانه "شبق وعبق"، فهي تلك "المنسية" على قارعة الطريق، لكنه قام بنقلها من ذاك المكان المنسي ليزرعها في مركز الحدث امرأة فاعلة وذات تأثير.

ووجدنا أن اختيار الاسم ليس أمرا عفويا، وأن اللغة التي تعبر بها عن ذاتها هي لغة الفلاح الفلسطيني رجلا وامرأة، فاللغة على المستوى الشخصي هي هوية حاملها، كما هو الأمر على المستوى العام، مؤمنين أن دراستها تعني دراسة الفرد. لقد قام المنظر الفرنسي بارت بدراسة هامة جدا لمنظومة الموضة لقراءة قواعد الأزياء، ونحن قادرون بل وملزمون بقراءة ملبس جداتنا ومأكلهن ومشربهن ولغتهن لإبراز الدلالات التي تحملها هذه المركبات كجزء من هوية لا اجتماعية فحسب، بل هوية سوسيوأدبية.

لقد انطلقنا في رؤيتنا انتاج سعود الأسدي من التمييز الذي وضعه المنظر فرديناند دي سوسير بين "اللغة" و"الكلام" حتى وإن كان شاعرنا يكتب باللغة المحكية معتمدين على قولة تودوروف في "فن الشعر": "النص الإفرادي هو ببساطة الوسيلة التي يمكن للمرء أن يصف من خلالها خصائص الأدب بصورة عامة". ولقد حاولنا أن نقوم بدراسة نعتبرها مقدمة للربط بين لغة الأسدي الخاصة وعلاقتها بالفلاح الفلسطيني، أو بالأحرى حاولنا إيجاد مدى التوازي بين اللغة وبين الشخصيات في إطار الحيز الزمكاني.

لخطاب الأسدي الشعري نكهته الخاصة لغة وفكرا وفنية وعرضا وتصويرا، من هنا يجب أن ننظر إلى فرادته، دون إنكار لدور الآخرين الذين عملوا هم أيضا على تصوير القرية وفلاحها، ومنهم من نجح، لكن حديثنا يدور عن النكهة الخاصة وعن الفرادة التي ميزت شاعرنا. ونحن نرى أن صورة الفلاح في شعر الأسدي ليست مقتصرة على ما اعتاد أن يواجهه في حياته اليومية، فلاحا وفلاحة، فحسب، بل في مجموع العلاقات بين أفراد المجتمع معززة ومدعومة بلغة فلاحية غاية في الدقة وفي الحساسية. لغة غنية ذات نكهة فلسطينية جليلية قادرة على نقلنا كقراء إلى عالم قام بخلقه وتصويره الشاعر الأسدي، فيه من الخيال بقدر ما فيه من الواقع. وإن رهافة شاعرنا وحساسية مفرداته هي سر قدرته على الإمساك باللحظة التاريخية ومن ثم الإمساك بمشاعر القراء وشدهم بفضل توهج الفكرة والكلمة والصورة.


رياض كامل

الدكتور رياض كامل، ناقد وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف