«على شفا القيامة» في اليوم السّابع رنا القنبر

ناقشت ندوة اليوم السّابع الثّقافيّة المقدسيّة ديوان "على شفا القيامة" للشّاعر المقدسيّ رفعت زيتون، ويقع الدّيوان الصّادر عام 2016 عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع في القدس في 104 صفحات من الحجم المتوسّط.

ويحمل غلافه الأوّل لوحة للفنّان التّشكيليّ الفلسطينيّ العالميّ جمال بدوان.

قال جميل السلحوت:

"على شفا القيامة" هو الدّيوان الشّعريّ الثّالث للمهندس الشّاعر رفعت زيتون.
ويؤكّد الشّاعر زيتون في هذا الدّيوان مقولة "أنّ الشّعر لحظة شعور"، فقصائد الدّيوان ألحّت على الشّاعر في لحظة شعور معيّنة، ولا غرابة في ذلك، فالشّاعر هو ابن بيئته، وهو ابن فلسطين أيضا التي خاب رجاء أبنائها بأبناء أمّتهم الذين يدمّرون أوطانهم، ويقتلون بعضهم بعضا، لذا فهو حزين وغاضب على ما يجري من قتل وتدمير في سوريا والعراق وغيرهما، تماما مثلما هو غاضب ممّن يتنّكرون لحقوق شعبه، وحقّهم في تقرير مصيرهم وبناء دولتهم المستقلّة بعاصمتها القدس الشّريف، ومن هنا جاءت قصيدته الغاضبة الأولى"جميع التّراب ترابي". فيقول:

"أحبّك ليلى، وأقسم أنّ، جميع التّراب ترابي، من الماء للماء لليابسة"ص6.

لكنّ اللافت في هذا الدّيوان أنّه يختلف عن الدّيوانين السّابقين: "حروف مقدسيّة على السّور الجريح" و"نوافذ" فكلا الدّيوانين السّابقين يعجّان بالقصائد عن مدينة القدس، لكنّ القدس في هذا الدّيوان غُيّبت، أو تنحّت جانبا؛ لأنّ ما يسمّى بالرّبيع العربيّ قد جاء بويلات ونكبات تفوق كلّ خيال، وقد تكون سببا في ضياع طويل للقدس ولغيرها من عواصم عربيّة تسرع هي الأخرى في طريق الضّياع.

ومن الأمور اللافتة في هذا الدّيوان أنّ بعض قصائده جاءت كردّة فعل أو تساوق من الشّاعر مع قصائد أخرى لشعراء عرب مثل أحمد مطر، محمود درويش ولقمان ديركي، وهذا التّكثيف بالاستيحاء من قصائد لشعراء آخرين، وفي ديوان واحد ليس في صالح الشّاعر. ويلاحظ مدى تأثّر الشّاعر بالشّاعر مظفر النّواب، خصوصا في قصيدة "أكاد أموت اختناقا" ص 14.

وكتبت آمال القاسم:

هل هي رسائل حبّ حقيقة التي يرسلها الشّاعر من خلال قوله (سأبقى على الحب) أم تراه يرثي عروبة اهتزت عروشها، وتبدّلت غزلانها بقرودها، أم أنّه ينشد حلما عربيّا؟

لم يخف قوميته العربيّة والوفاء لها، وأظهر ملامحه الشّرقيّة، هل هو غرور الشرقيّ؟ فهو وفيّ بطبعه مخلص لشرقه وشرقيّته.

أراه يبكي أمجاد عروبته المسلوبة في عيون العراق والشّام وتونس.

البعد السّياسيّ والحلم العربيّ يطغى عليه، يراوده في الأحلام ويوقظه رعب الحرب الدّامية في اليمن وبلاد الشّام.

رسم شاعرنا بقلمه من جديد ألوان الوطن العربيّ، أنهاره حمراء وسماءه دخان المدافع.
نزعة تشاؤميّة تسيطر عليه: الشّمس آلت للغروب، ولم نصلّ العصر، لم يرفع الأذان، نعم صحيح في القدس كبّلت المآذن وختم عليها بالشّمع الأحمر.

يستغيث شاعر فلسطين المقدسيّ بشاعر النّهرين العراق الشّقيق المذبوح من الوريد للوريد، يطلب منه أن يعيد الفرح والمجد للأمّة، يدعوه ليضخ في عروقنا الجافّة دماء العروبة المهدورة، يبحث عن الأمل.

يخفي غضبه ويمسك بكبريائه، لا يئن، لا تصدر عنه الآهات، لا يطول صمته، سرعان ما يعلن غضبه، يطلق سهامه على كلّ الولاة في الأرض والطّغاة؛ لينتصر للجياع ويعلن وفاتهم.
ليلى هي حبيبته، يعلن هذا بوضوح، يتغزّل بقوامها وعيونها وشعرها بدون خجل، فليلى هي الوطن العربيّ الذي تغيرت معالمه، أرّق مضاجع شاعرنا ذلك الربيع المزعوم، ويبكي حال الوطن الذي تقطعت أوصاله، فلا مصر لشام ولا عراق لبغداد والنّسور غادرت عروشها.

الأحلام أحلام فلا تستغيث بها سائلا عن عهد المغول والتّتار وعن العيون الزّرقاء،
الحلم يأمره بالصّمت والصّمت عار.

ينتقد الشّاعر النّزعات الدّينيّة التي انتشرت بقوّة، ولا يتعدّى دورها تكرار قواعد الوضوء ليعلي صوت الفقراء من جديد، يريد خطابا من خبز لكلّ الجياع.

18 يتبدّد اليأس تدريجيّا، ينبعث الأمل من جديد، فيد تحمل سيفا ويد تحمل سنبلة والموت حتما لن يطول وبشّرنا بالحياة.

في ليلى الصّغيرة لم تنم وجدت المدينة التي لا تهدأ ولا تنام، وجدت القدس تتأجّج فيها نار الثّورة، القدس تريد أن تقول كلمتها، القدس التي كانت قربانا للعروبة ولا زالت تقدّم التّضحيات دفاعا عمّا يسمّى شرف العروبة، قتلتنا ردّتهم،

تعب المشوار يطلب السّكينة،يبحث عمّن يضمّد جراحه النّازفة، يشكو من الأرصفة والتّشرّد، يبحث عن ابتسامة الأطفال، يعزف على ناي مشروخة لا يطمح لسواها.

ياخذنا الشّاعر بالذّاكرة إلى حرب حزيران عام 1967 عندما وصل مسامعنا أنّ الجيوش العربيّة قادمة لنصرتنا؛ فابتهجنا ونهضنا من غبار الحرب، وقامت إحدى الجارات باعداد الطعام لاستقبال الجيوش العربيّة، بينما أخرى قدّمت الطعام لشهيد جلس مقابل بيتها، ظنّا منها أنّه غافٍ في استراحة المحارب.

"سمعت صهيل الخيول وصليل السّيوف
ألا صدقيني
هم خلف تلك التّلال
تعالي لنحضر ماءً وأكلا
سيأتون جوعى وعطشى"
تقول توقف حبيبي 24

تنقذه حبيبته من هذيان الجنون، فالانتصار بالحرب أصبح ضربا من الجنون، بل إن الثّقة بالعروبة أصبحت في خبر كان.

ص 29 شاعرنا المثقف الحالم يسير الآن باتّجاه الياسمين معبّرا عن خيبة أمله بكلّ ما يجري ويسير نحو الأمل

اغمض عينيك

ثم ابصر عبر قلبك لبّ النداء وسر باتّجاه الياسمين

لا يفقد الأ،مل من جديد يتوجّه إلى المجتمع الدّوليّ يدقّ كلّ الأبواب؛ فلعل أحدها يفتح أمامه، يخاطب بان كي مون، يوبّخه ويحذّره، ليس الجوع الذي يبكي مآقينا ويطرده من المدينة؛ ليطلب الرّاحة والسّكينة لأطفال المدينة الذين لا تزال جثامينهم محتجزة ص33
ص 34 تعود الحياة إلى طبيعتها، ضجيج النّهار وقهوته والشّوارع تنتقل بنا من ضجيج إلى آخر، يتأخّر فصل الرّبيع ولكنّه في النّهاية ياتي.

هنا ألمس إشارته إلى ربيع فلسطين، فكل العواصم أقبل ربيعها، وأدبر إلا ربيع فلسطين يتأخّر ويتأخّر، هل هو درب من سراب أو أكثر؟ ربيع فلسطين مختلف يأتي بالفراشات والبنفسج ويغيب نهار آخر ونعود إلى قصص ألف ليلة وليلة، وتغفو المدينة ويأتي نهار جديد والحلم لم يتحقّق.

لا يكفّ شاعرنا من اللجوء إلى أيّ شي يأخذه للربيع الذي تأخر. ص 38 تخلى عنه الجميع يخاطب ظلّه يحثّه على السّير نحو الرّبيع الذي تأخّر.

وقالت هدى عثمان:

غضب رفعت زيتون في "على شفا القيامة"

" ما زلتُ أُتابع هذا المشهد ،من تاريخ الشرق الذابل مذهولا ،يقتلني المشهد...يقتلني
أحزن ،أصمت ،أبكي...أصرخ"ُ . ص48

يبدأ الشاعر مجموعة ديوانه بقصيدة "جميع التراب ترابي"، ليؤكد على حبه وانتمائه الوفي للشرق، فيقسم جميع التراب ترابي من الماء للماء لليابسة .

ومن ثم يبدأ الشاعر بالتعبير عن وجعه وألمه لما يجري في الوطن العربي من تمزق وحروب، بعد ما يسمى بالربيع العربي وكأنه حلم.

ففي قصيدة" وطن ذبيح" يرى الوطن يُذبح من خلال حلم ويصحو من كابوسه كالمركب المثقوب يسبح بالدماء.

يزداد وجع وألم الشاعر لدرجة الشعور بالإختناق والكفر بكل الولاة، فيقول في قصيدة "أكاد أموت إختناقا " كفرت بكل الولاة وجند الولاة عروشٌ من الريش نامت فوق عروش الجِياع جُناة طُغاةٌ ص14 .

وفي قصيدة" لن يطول الموت " تحث الصّبارة الشاعر على الصبر فيقول:

"يا أيها المحمول
فوق البرد ،حتما لن يطول الموت
أبشر بالحياة "..ص19.
أما الأمل نجده في قصيدة" سر باتجاه الياسمين"

وفي قصيدة" إلى رقة ِ النّايِ خُذني".

بعض القصائد في الديوان مستوحاة من قصائد لشعراء كبار أمثال" أحمد مطر" "ولقمان ديركي" و" محمود درويش".

وهذا التكرار من الإيحاء يدل على درجة غليان غضب الشاعر، لكن مثلث الإيحاء لا يمنح للقصيدة خاصيتها وملكيتها.

يرد الشاعر رفعت زيتون على قصيدة" تهانينا" لأحمد مطر
ويستنكر تلك التهاني المزيفة، ويعبر عن حالة الإحباط النفسي والغضب من حالة التمزق والإنهيار في الوطن العربي فيقول:

"أقلت لهم تهانينا
على ماذا
على الأمجاد تُمحى
من دفاترنا".

ويقول مخاطبا الشاعر "أحمد مطر ":

"ألا يا شاعر النّهرين
جفّ النّهر في مجرى مآقينا . .......حزن ووجع
ألا يا شاعر النّهرين ِ
فقدٌ
أصبحت أيامنا فقدٌ" .

وفي إحدى قصائده" بان كي مون" يصب الشاعر غضبه على الرئيس الكوري رئيس المنظمة الدولية يهاجمه، يعاتبه لعدم إهتمامه بما يجري للوطن العربي فتصبح القصيدة ثورة غضب من نار